Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإنترنت وإيران... فضاء "الفرص والتهديدات"

تطور طهران قدراتها السيبرانية في مواجهة خصوم الخارج لكنها تعمل على تقييد الشبكة العنكبوتية في الداخل لخنق المعارضة

شنت السلطات الإيرانية حملة نشطة ضد حرية الإنترنت باستخدام أساليب متطورة للسيطرة (أ ف ب)

منذ أيام، قيدت إيران عملية الوصول للإنترنت خلال احتجاجات الغلاء، بحسب بيان لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، وهي ليست المرة الأولى التي تتهم فيها إيران بالتضييق على استخدام الإنترنت، لا سيما وقت الاحتجاجات، في حين تعد إيران من الدول المعتمدة على القدرات السيبرانية في مواجهتها مع إسرائيل، وربما تزداد هذه النوعية من الهجمات مع الاعتقاد السائد أخيراً باختراق إسرائيل للداخل الإيراني.

من جهة ثالثة، كثيراً ما اتهمت الولايات المتحدة إيران وروسيا والصين بالتلاعب في الانتخابات، والتجسس على الشركات والمؤسسات الأميركية. وهذه التطورات تسلط الضوء على كيفية تعامل إيران مع الإنترنت منذ التسعينيات، وكيف تطورت استجابة النظام له باعتباره دعامة رئيسة للحماية وتحقيق المصالح ومصدر تهديد في الوقت ذاته.

شبكة الفرص والتهديدات

طالما شعرت إيران بالضعف والتهديد من جانب كل من اعتبرتهم خصومها في الداخل والخارج. وفى ظل استجابتها لما اعتبرته تهديدات لها سنت إيران سياسات تشمل القمع للمعارضين في الداخل، وسياسات لتصدير الثورة، فضلاً عن نسج علاقات مع فاعلين من غير الدول كوكلاء لنشاطاتها في المنطقة، والسعي وراء التكنولوجيا النووية.

أدت هذه الاستراتيجيات بدورها إلى زيادة المعضلات الأمنية الإقليمية، واتخاذ إجراءات مضادة من قبل جيرانها الإقليميين، بما في ذلك العراق في عهد صدام حسين والسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة، ما أسهم في تغذية دورات انعدام الأمن الإقليمي التي ميزت العلاقات في الشرق الأوسط.

لكن، مع ظهور الإنترنت تعاملت معه إيران باعتباره تهديداً وفرصة، وأعطت الأولوية لتأمين النظام ككل من التهديدات داخل وخارج البلاد. وعلى الرغم من قبضة النظام على السلطة كان هناك تخوف من استخدام القوة المجتمعية للتكنولوجيا الحديثة.

لقد أحدث الإنترنت تغييرات مهمة في أمن النظام في إيران، فقد كان ينظر لانتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص في البداية على أنها الحل السحري الذي تستخدمه المعارضة، خصوصاً مع إعلان "ثورة تويتر" في الأسابيع التي تلت الانتخابات الرئاسية عام 2009، لكن مع مرور الوقت، أثبت الإنترنت أنه يمكن استخدامه من قبل أجهزة الاستخبارات الإيرانية لمواجهة خصومها في الداخل والخارج.

بدايات ظهور الإنترنت في إيران

وصل الإنترنت إلى إيران في أوائل التسعينيات، حيث حاولت الدولة في تلك الأثناء إعادة البناء والتأهيل بعد الحرب العراقية الإيرانية. وتم تبنيه في البداية من قبل النظام الإيراني، الذي استخدمه كأداة للانتعاش الاقتصادي بعد الحرب، وفي غضون عام أنشأت وكالات حكومية عدة مواقع إلكترونية، وأثناء احتجاجات الطلاب عام 1999 استخدم بعضهم غرف الدردشة لتنظيم أنفسهم، وفي 2008، كان هناك ما يقدر بنحو 60.000 مدونة إيرانية تم تحديثها بانتظام، إذ جرى تعزيز استخدام الإنترنت من منطلق الاعتقاد بأنه الوسيلة المثالية لتحقيق مبدأ "تصدير الثورة"، ومن ثم فإن السنوات الأولى للإنترنت في إيران تمثل إلى حد ما حقبة ذهبية كانت فيها الأعمال تتم عبر الإنترنت من دون عوائق من قبل مؤسسات الدولة.

مع الوقت، تغير نهج النظام بشكل كبير في أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحادى والعشرين، وبدأ في تأمين مجال الإنترنت، معتبراً أنه يشكل تهديداً، ومن ثم فإلى جانب الاعتقالات والقمع والاغتيالات التي مارستها الدولة ضد المعارضين والمتظاهرين، أُجبرت مئات وسائل الإعلام على الإغلاق، كما تم غلق المواقع الإلكترونية لبعض الصحف المعارضة. وفي 2001 توفر الإطار القانوني لممارسات تصفية المواقع الإلكترونية، وبحلول 2004، تم حظر أكثر من 1477 موقعاً إلكترونياً في إيران.

كما سنت طهران تشريعات لاحقة لتقييد الإنترنت، بما في ذلك قانون جرائم الكمبيوتر لعام 2009، الذي زود النظام بمزيد من الأدوات القسرية، ومع ذلك تزايد عدد الإيرانيين المتصلين بالإنترنت بشكل أسرع من معظم الدول الأخرى في المنطقة، إذ سجلت إيران أعلى نسبة زيادة في اتصالات الإنترنت بين عامي 2000 و2005. وحينما وقعت احتجاجات ضد نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009 استخدم شباب "الحركة الخضراء" منصات التواصل الاجتماعي وبخاصة "تويتر" لتنظيم الاحتجاجات في الشوارع.

فى تلك الفترة لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراًـ باعتبارها القوة المعززة للتغيير السياسي، في مساعدة المعارضين على التنظيم، وتظل وسائل التواصل الاجتماعي مهمة بالنسبة لإيران، فقد استخدمها نشطاء بينهم أعضاء في الحركة النسائية فيما عرف بـ"الأربعاء الأبيض" لشن حملة حملة ضد الحجاب الإجباري، وكذلك المتظاهرون خلال احتجاجات 2017 - 2018، كما أصبح الإيرانيون يستخدمون تطبيقات المراسلة المشفرة للهواتف الذكية مثل "تليغرام".

كان لانتشار فيروس "ستوكسنت" في 2010 دوراً في تسليط الضوء على أن النظام سيواجه تهديدات إلكترونية من خارج إيران. وقد اعترف الرئيس أحمدي نجاد أن الفيروس أضر بالبرنامج النووي، لكنه أثر فقط على عدد محدود من أجهزة الطرد المركزي، كذلك تعرضت إيران لفيروس "دو كو" الذي يعد أداة تجسس تسللت إلى أجهزة الكمبيوتر في إيران والسودان، فضلاً عن برامج أخرى مثلFlame  التي تم العثور عليها بأجهزة الكمبيوتر داخل وزارة النفط الإيرانية، وفي دول مثل سوريا ولبنان.

سياسات إيران لأمننة الإنترنت

أولاً: كانت أحداث عامي 2009 و2010 بمثابة لحظة فاصلة في سياسة الأمن السيبراني للنظام الإيراني، حيث بدأ النظام التعامل مع الإنترنت باعتباره مصدر تهديد للأمن، سواء تم استخدامه من الداخل أو الخارج. وتمحورت سياسات إيران لأمننة الإنترنت حول سن سياسات تتخذ موقفاً هجومياً في كثير من الأحيان، إذ سنت ثلاث استراتيجيات عززت قدرتها على مراقبة مواطنيها، واستخدام الإنترنت ضد المعارضين في الداخل وخصومها في الخارج. فعملت على توسيع أجهزتها القسرية المحلية، وتطوير قدراتها للحرب السيبرانية، والاستفادة من إمكانات القوة الناعمة للإنترنت، أي ما يوفره من فرص توظفها إيران لمصالحها.

وما يعزز اهتمام النظام الإيراني بالإنترنت قيام اتحاد "موبين ترست" التابع للحرس الثوري الإيرانى بشراء حصة بنسبة 50 في المئة في شركة البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية (TIC) بعد ثلاثة أشهر فقط من انتخابات 2009، وكان الهدف تعزيز نفوذ "الحرس" على أنظمة التكنولوجيا وأنشطة جمع المعلومات الاستخباراتية في إيران.

ثانياً: اتخذ النظام الإيراني خطوات فورية لتعزيز سيطرته على الإنترنت، وإعطاء الأولوية لأمن النظام على المصالح الدولة والمواطنين ومراعاة المعايير الدولية، بما في ذلك حرية التعبير على الإنترنت. ففى 2012، أكد تقرير "فريدوم هاوس" في مؤشر "الحرية على الإنترنت" أن إيران الأقل عالمياً في توفير الإنترنت المجاني. كذلك شنت السلطات الإيرانية حملة نشطة ضد حرية الإنترنت، باستخدام أساليب متطورة للسيطرة ذهبت إلى أبعد من مجرد تصفية المحتوى المنشور، فقد سهل قانون جرائم الكمبيوتر عام 2009 عمليات حظر أكثر صرامة للمحتوى، فضلاً عن إنشاء لجنة لتحديد حالات المحتوى الجنائي  (CDICC)التي اجتمعت كل أسبوعين لاتخاذ قرارات في شأن تصفية مواقع إلكترونية. كما مكّن الهيكل التشريعي المعزز للنظام من اعتقال مستخدمي الإنترنت على نطاق واسع. ومن اللافت استمرار هذه السياسات في ظل رئاسة حسن روحاني المحسوب على التيار المعتدل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فى 2017، أعلن وزير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أنه تم حظر سبعة ملايين موقع إلكتروني، وشمل ذلك ست مؤسسات إعلامية جرى حظرها بسبب نشر مقالات عن الفساد. كما نفذ النظام استراتيجيات أخرى لمنع الوصول إلى المحتوى عبر الإنترنت، بما في ذلك تقييد معدلات نقل البيانات أثناء الأوقات الحرجة سياسياً مثل فترات الانتخابات، لجعل الإنترنت غير قابل للاستخدام، بدلاً من إغلاق الشبكات، بإبطاء سرعات الاتصال إلى المعدلات التي من شأنها أن تجعل الإنترنت غير قابل للاستخدام.

ثالثاً: عملت إيران على تطوير قدراتها السيبرانية، بما يعكس أهمية الحرب الإلكترونية كأداة للحرب غير التقليدية على مستوى العالم، وسرعان ما أصبحت إيران واحدة من أكثر لأطراف الحكومية عدوانية على الإنترنت. وأشرف "الحرس الثورى" على هذا المجال وقد طرح فكرة إنشاء "جيش إلكتروني" عام 2005، وفي 2012، اخترقت مجموعة مرتبطة بـ"الحرس" خوادم في وكالة الطاقة الذرية  (IAEA). وبالتعاون مع الصين، طورت إيران شبكة المعلومات الوطنية، وهي شبكة إنترنت على مستوى الدولة، ووعدت الحكومة بأن تكون أسرع وأرخص، لكنها سهلت في الوقت ذاته مراقبة السلطات للإنترنت. وقد انتهكت مبدأ الحيادية من خلال إنشاء نظام إنترنت من مستويين يصبح فيه الوصول إلى المحتوى المستضاف من خارج إيران أكثر تكلفة وأبطأ. كما طوّر النظام شبكات التواصل الاجتماعي الموازية الخاصة به وأدوات المراسلة الفورية مثل "سروش"، وهو تطبيق للهواتف الذكية يضم معظم ميزات "تليغرام" لكنه يوفر للحكومة الوصول من دون عوائق إلى محتوى المستخدم.

كيف وظف النظام الإنترنت لصالحه؟

تسبب الانسحاب الأميركي الأحادي الجانب من الاتفاق النووي الإيراني في مايو 2018 في مضاعفة استخدام إيران قدراتها في الحرب الإلكترونية للرد على الشركات والمؤسسات العالمية، فبعد أيام من احتجاجات 2018-2018 أطلقت شركة تسمى Avant TV مقطع فيديو لإجراء مقابلة بين المواطنين الإيرانيين الساخطين على الوضع الاقتصادي، وقد ألقى كل شخص تمت مقابلته باللوم على الرئيس حسن روحاني، ثم جرى الكشف لاحقاً عن أن Avant TV كان يديرها الحرس الثوري.

كما بدأت إيران أيضاً في استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بطريقة سرية، إذ تم إنشاء الآلاف من حسابات مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية الوهمية للتحريض ضد خصومها في العالم ونشر الروايات الموالية للنظام. ففى 2012، طورت إيران مواقع إلكترونية نشرت دعاية وسرديات النظام عبر لغات متعددة واستهدفت نحو 15 دولة، بما في ذلك اليمن وسوريا والولايات المتحدة، وهي أهم ثلاث دول تلعب دور محوري في أولويات السياسة الخارجية الإيرانية. أي إن إيران عملت على توظيف مزايا القوة الناعمة للإنترنت لخدمة مصالح النظام في الداخل والخارج، ومع مرور الوقت، تمكن النظام من السيطرة على مجال الإنترنت الذي أصبح يمثل دعامة أساسية في بنيته الأمنية.

أخيراً، أكدت شركة أميركية للأمن السيبراني أن القنوات الدعائية الإيرانية والموالية لها لا تشيد فقط بحرب بوتين على أوكرانيا، ولكنها تستفيد منها للترويج لرؤيتها العالمية. وأشارت تقارير إلى أن وسائل الإعلام المتعاطفة مع أفكار على خامنئي والنظام قد استخدمت روايات حول الحرب الروسية - الأوكرانية لاستهداف الغرب والسعودية وإسرائيل. كما تم نشر آلاف الحسابات المزيفة على "تويتر" و"فيسبوك" وجهت رسائل بالعربية مدعية أن الولايات المتحدة هربت من أفغانستان في 2021 وتخلت الآن عن أوكرانيا التي تستحق مصيرها بسبب تحالفها مع محور الشر الأميركي، بحسب تلك الحسابات.

بشكل عام، يمكن القول إنه تمت إضافة الإنترنت كمتغير جديد لبيئة التهديدات التي يدركها النظام الإيراني سواء من الداخل أو الخارج، لكنه طور استراتيجياته للتعامل مع التهديدات، كما حاول توظيف الإنترنت والتكنولوجيا كجزء من أسلحته غير التقليدية في مواجهة خصومه ومنافسيه، ومن المرجح أن تستمر إيران في تطوير واستخدام قدراتها السيبرانية كلما زادت التوترات بينها ومحيطها الإقليمى والمجتمع الدولى، لارتفاع تكلفة المواجهة العسكرية التقليدية.

المزيد من تحلیل