Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصطفى علي يعرض وجوهه في حارة اليهود الدمشقية

يرسم النحات السوري أعماله الصغيرة بالرماد والفحم والأحبار

وجوه الرسام مصطفى علي في معرضه الدمشقي (اندنبندنت عربية)

 35 عملاً على شكل دراسات أولية يقدمها الفنان مصطفى علي في محترفه الذي يحمل اسمه في حارة اليهود في دمشق القديمة، وتقدم هذه الأعمال بين البيوت المهجورة التي غادرها أصحابها من اليهود السوريين تباعاً إلى فلسطين وأميركا منذ الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت، فيما تحولت بعض تلك البيوت مع بداية الألفية الثالثة إلى محترفات للنحت والرسم والتصوير والإقامات الإبداعية في ما بات يعرف اليوم بـ "حارة الرسامين".

ويأتي معرض مصطفى علي بعد إنجازه أخيراً لعمل فني عملاق من بقايا وآثار الخراب في المدن السورية بارتفاع سبعة أمتار، ويزن عشرات الأطنان من الحديد والخردة ومخلفات البيوت المدمرة.

يعود اليوم هذا الفنان الى أعمال الـ "اسكيتش" الصغيرة الحجم، وفيها يختبر تقنية اليد الحرة في رسم أومقاربة وجوه بشرية التقطها من الجوار، أو تلك التي يقول إنه قد استعادها من الذاكرة القريبة والبعيدة لسوريين غادروا أو ماتوا في الحرب، وفيها طوع النحات السوري خامات بسيطة من الفحم والقهوة والأحبار في تحقيق هذه "الكروكيات" على الورق والكرتون مستخدماً مادة السكر لتثبيت هذه الخامات.

خطة شخصية

يتقيد علي في معرضه بحذافير فن الـ "اسكيتش"، الذي يأتي غالباً كخطة شخصية للفنان قبل الولوج إلى تنفيذ عمله الفني سواء نحتاً أو تصويراً، والشروع في نقله من حيز التخطيط الأولي إلى حيز الوجود، فهو يقدم أعمالاً ذات صيغة تقريبية تفادى عدم نقل ملامحها الواقعية فرسمها بلا ظلال، ووفق تقنية منظور يكسر الإيهام بالبعد الثالث.

ويغيب المكان الواقعي الذي تتناثر فيه تلك الوجوه الواجمة وعديمة المنظور، أو تلك التي استخدم في تحقيقها رماد السيجار لرسمها ببساطة تعبيرية، وكأفكار تلقائية لمشاريع كان أنجز بعضاً منها قبل سنوات على هيئة منحوتات من البرونز والخشب، وباعتماده على الفن الجنائزي التدمري.

استلهم ابن مدينة أوغاريت معظم أعماله من معين فينيقي متوسطي، ووصل عبرها إلى أسلوبية النحت اليوناني – الروماني - الأتروسكي، فاعتمد على إبراز ما يشبه العالم الداخلي للمنحوتة، وفق أسلوبية تقترب من أعمال النحات السويسري الوجودي ألبرتو جياكوميتي (1901- 1966)، بحيث تبرز في أعمال الفنان السوري قيم النحول والامتشاق ذات الهيئة الشبحية، والحضور الموميائي في أضرحتها المستمدة من عمارة التوابيت والقبور الفرعونية والنواميس الفينيقية والتوليف الدائم بين الطيف والجثة.

لم يركن مصطفى علي في معرضه الذي حمل عنوان "اسكيتش" لقوالب جاهزة، بل تعداها إلى جعلها مقترحات لأعماله القادمة، غارفاً من مثيولوجيا كثيفة وصادمة للوجوه التي رسمها بوجومها وصمتها، ساهمة داخل كوادر مختلفة الأحجام.

ونشاهد عبرها صدى لأعماله النحتية التي كان أنجزها خلال العقود الثلاثة الماضية منذ حصوله على درجة الدكتوراه في الفنون التشكيلية من جامعة كرارا - إيطاليا عام 1996، فنلاحظ تآلف تلك الوجوه وكأنها وجه واحد لحيوانات أسطورية ونساء ورجال يبدون وكأنهم يسبحون في الضوء، وقد خلّص عبر هذه الأعمال النحت السوري من وظيفته النصبية التذكارية ليراهن على المستويات الرمزية للعمل الفني، وعلى علاقة مغايرة بين الكتلة والفراغ.

الواقعية التعبيرية

أعمال صاغها هذا الفنان من "اسكيتشات" يعرضها للمرة الأولى للجمهور، وجاءت وفق المدرسة الواقعية التعبيرية وكان أشهرها منحوتة بعنوان "الرجال الجوف" عن قصيدة بالعنوان ذاته للشاعر ت. س. إليوت (1888-1965)، إضافة الى عمله الأضخم الذي حققه العام 2008، وفاز بجائزة معهد العالم العربي في باريس الذي اقتنى جداريته الضخمة كسقف للمعهد، وتزن هذه الجدارية قرابة خمسة أطنان من الحديد المصبوب "فونت"، وتروي منمنماتها الـ 36 حكايات من التراث العربي عبر إشارات ورموز طوطمية تجمع بين الأصالة والحداثة، وتجسد مواضيع من مثل الحظ والقدر والمصير والخلود وعلاقة الأرض بالسماء.

المعرض الذي شهد ما يشبه احتفالاً صغيراً في قلب البلدة القديمة جاء كنوع من التفكير الجماعي بين الفنان وجمهوره، بحيث لم تأت الأعمال كمسودات لأفكار ومشاريع قيد التنفيذ وحسب، بقدر ما يمكن اعتبارها نوعاً من التشارك مع المتلقي، وإطلاعه على مراحل بصرية أولية من العمل الفني، واعتبار هذه التخطيطات بمثابة مقترحات فنية وحوارية للذاكرة البصرية لكلٍ من الفنان والجمهور على حد سواء، وذلك وصولاً إلى ما يطلق عليه مصطفى علي عنوان "فن الموت"، وهو الفن الذي استقاه من الشعائر والطقوس في الحضارات السورية القديمة التي تعتبر "الموت مرضاً معدياً" كما في عرف التدمريين القدماء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتجسد "اسكيتشات" مصطفى علي لحظات وأفكاراً يقول إنها لا تتكرر، وقد دونها الفنان عبر فترات متباعدة وقام بتنفيذ معظمها نحتاً ورسماً، فيما يتابع اليوم اشتغاله على رأب الصدع بين فن النحت السوري القديم وحركة التشكيل المعاصرة في بلاده، منجزاً مختبره اللافت عبر عمله المضني على الفن الجنائزي. يقول، "مدينة تدمر هي أعظم مدينة على وجه الأرض، فهي ليست فقط مدينة الأعمدة والتماثيل والمسرح والسوق، بل هي صدرت فن الموت باشتغال نحاتيها على الجنائزيات والأضرحة العمودية والنعش الأفقي من خلال فراغ يشكل البرزخ بين الروح والجسد، وهي تجربة حاولت إعادتها في عملي وبحثي المستمر لتأصيلها مولفاً بين الخشب والبرونز في آنٍ ليتعايشا ضمن جسم واحد كما يتعايش اللحم والعظم في جسد الإنسان الحي".

ويعتبر علي تجربته مختلفة عن أقرانه إذ يقول، "ما زلت النحات السوري الوحيد الذي يعمل على الموديل العاري والذي اختفى من كلية الفنون الجميلة في دمشق بحكم أفكار رجعية هيمنت على المشهد التشكيلي السوري، ولا زلت أعتبر الجسد الإنساني معجزة تشريحية يجب على طلاب الفن اكتشافها، تماماً مثل طلاب الطب الذين يتدربون على الجثث في سنوات دراستهم كي يتعلموا كيف يتم إجراء الجراحة، وهذا للأسف غائب في ثقافتنا التشكيلية العربية".

المزيد من ثقافة