Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سوري يستحضر الحارة الدمشقية بجدارية خشبية في ألمانيا

استغرقت 6 أشهر من العمل المتواصل وجسدت الشوارع والأزقة والشرفات

ليس صعباً أن يعود المغترب السوري أدراجه، نابشاً صور ماضيه حين يقض الحنين مضجعه إلى الأوطان، أو ينسل الشوق مباغتاً فؤاده، لكن من الصعوبة بمكان أن تأتيه كل الذكريات دفعة واحدة في بلاد الغربة روحاً وجسداً ما لم يكن ذلك مستحيلاً.

هذا ما حاولت أنامل السوري المغترب في ألمانيا محمد الناطور صناعته، بعدما سخّر لخدمة هذا الغرض ما يربو عن عشرة آلاف قطعة خشبية صغيرة، ليُنهي على إثرها جدارية يحاكي خلالها تفاصيل دقيقة للحارة الشامية بكل أبعادها من الشوارع والأزقة والشرفات والأرصفة.

وإن بدا المجسم الخشبي صامتاً وشارداً في عوالم الزمن العتيق كما ألوان حجارته، فإن الشاب السوري المغترب أنطق تلك الأخشاب ودبّ فيها الروح، عازفاً على أوتار التراث والحضارة الشامية وعمارتها، وجعلها محط أنظار الألمان في متاحفهم، ومحركاً لأشجان السوريين في غربتهم ولجوئهم.

الإرث المادي والروحي

محاولات النحات "الناطور" تكللت بالنجاح، بعدما استحضر مدينة الياسمين المسكونة داخل قلوب السوريين في حلّهم وترحالهم، وتغريبتهم القسرية، لا سيما أن فكرة العمل تشي إلى كون "الشام العدية" كما يرغب الدمشقيون في نعت مدينتهم بهذا الوصف بأن تكون "كتاباً مفتوحاً للألمان" وفق كلام الفنان.

وكان لا بد من صاحب الجدارية الفنية بعدما شقّ طريقه نحو شمال الراين طارقاً أبواب فنون خبِرها جيداً وتمرس بها كالفسيفساء والموزاييك التي يعشق إضافتها إلى النحت بأن يترك لأصحاب البلد فرصة لمشاهدة سوريا العراقة والحضارات.

 

 

ويروي الناطور محاولته تقديم الحقب الزمنية التي مرت في سوريا، "واظبت على العمل ستة أشهر، والتحفة الفنية يدوية الصنع بالكامل، من دون أي تدخل تكنولوجي أو إلكتروني، حتى أتمكن من إظهار أدق التفاصيل".

ودمشق أكثر المطارح جمالاً وإبداعاً ليس لبراعة عمارتها وجمالها، بل لما تعج وتنبض إلى الآن من إرث مادي وروحي، مختصراً كل هذا بتحفة فنية تبلغ مساحتها عشرة أمتار، مع صعوبة اختصار كل الرموز المعمارية بهذه البساطة، وهو متخصّص أثري شغل فترة من الزمن في متحف دمشق الوطني، وفي عام 2015 حط رحاله في مدينة ديسبورغ الألمانية إذ "يتطلب المجسّم إخضاع الخشب إلى ألوان طبيعية بالكامل، لتبدو أقدم مدينة مأهولة بالسكان كما هي".

حضور سوري في الغربة

حيال هذا، يترك العمل الذي خصص له المتحف الألماني ركناً للحارة الشامية انطباعاً لدى الزائرين لا يُخفون فيه إبهارهم بفن العمارة الدمشقية القديمة وزخارفها، بعدما استقطب الألمان والمقيمين من العرب والسوريين، محققاً مشاهدات متزايدة.

أحد مشاهدي العمل يراه في غاية الروعة، "لعلنا بحاجة إلى رسائل فنية وحضارية تصل إلى المجتمعات الأوروبية للتعريف بحضارتنا وتراثنا تعبر عن الإرث الفني والمخزون الذي يكون دائماً سفير السوريين في بلدان الاغتراب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى الناقد الفني حسن حاج رمضان، أن العمل الإبداعي "رسالة حضارية مميزة إلى العالم بأسره، لا إلى الألمان وحدهم"، وفي معرض تعليقه على الجدارية يقول، "تحمل انطباعية فنية، والنحات نجح في استخدام الألوان، وأسر من خلالها المتلقي، كما برع بتشكيل أدق التفاصيل بالحارة، وهو ما أسهم في جذب المشاهد".

ويضيف، "لم يراهن صانع العمل فقط على جمالية الحارة الدمشقية وحدها على الرغم من أنها إحدى أهم العوامل، بل أبرز مكوناتها المعمارية القديمة، مضافاً إليها اللعب على وتر اللون والحجم. فيمكنك مشاهدة النوافذ المطلة على الأزقة الضيقة، وحتى استخدام قطع الخشب الخارجة من البيوت الغارقة بالقِدم".

عمل فني ثلاثي الأبعاد

في غضون ذلك يحاول صاحب الحارة الدمشقية الخشبية، أن يطرق أبواب مدينته من جديد بعدما لاقى استحساناً وإعجاباً واسعين في محيطه، مُسخراً القطع الخشبية لصناعة مزيد من المجسمات. إذ يعكف حالياً على إنجاز مشروع ثانٍ "لأجزاء من المدينة القديمة ثلاثية الأبعاد يمكن للزائر الولوج داخلها، والسير ضمن أزقة الحارة الافتراضية، ويشاهدها كما أنه يتجوّل فيها واقعياً".

ويواصل الناطور عمله في إحدى الشركات متخصّصاً بالتواصل، مع عمله في مركز فني يشتغل فيه بالموزاييك والرسم والنحت، "أحاول صناعة مدن مصغرة عن دمشق القديمة". ومن المخطط أن تزور الجدارية عدداً من المتاحف المحلية في مدن ألمانية عدة، مروراً بالعاصمة برلين، وبعدها يمكن الانتقال إلى عدد من دول العالم بعد انتهاء أزمة كورونا.

وهكذا ترخي الحارة الشامية بظلالها على بلادٍ أجنبية، تاركة وميضاً وإشعاعاً لعاصمة مصنفة ضمن التراث العالمي، مثيرة اهتمام الأوروبيين من جديد بالنظر ملياً نحو بلد عربي يعيش أزمة لا بد من أن يأتي يوم ويتجاوزها. وريثما يحدث هذا يبرز دور الفنان بالتعريف بمنبته وفي قلبه الشوق والحنين.

المزيد من منوعات