Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتصدى نتفليكس لعنصرية ترمب من خلال مسلسل "عندما يروننا"؟

"حينما يجبرونك على الدخول إلى السجن فهم يريدونك أن تبقى في الداخل حتى لو أطلقوا سراحك"

بدأ العرض الأول لهذه السلسلة التلفزيونية المكونة من أربع حلقات في 31 مايو الماضي (نتفليكس)

بينما خرج آلاف المتظاهرين في لندن احتجاجاً على زيارة الدولة التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمملكة المتحدة وهتفوا أثناء مسيرتهم بين ساحة الطرف الأغر وساحة البرلمان ضد التعليقات والتوجهات العنصرية للرئيس ترمب فيما سموه "كرنفال المقاومة"، قامت نتفليكس، وهي أكبر شركة أميركية ترفيهية، بإطلاق قنبلة بوجه الرئيس، هي مسلسل "عندما يروننا - When they see us". وبما أن خدمة البث التدفقّي متوافرة في كل أنحاء العالم، فبإمكان الرئيس أن يستمتع بمشاهدة هذا العمل حتى لو كان في إقامة السفير الأميركي في بريطانيا في ريجنتس بارك - وليس في قصر باكينغهام جرياً على عادة الملكة التي استقبلت سَلَفَيْه باراك أوباما وجورج بوش في مقر إقامتها.

انطلق العرض الأول لهذه السلسلة التلفزيونية المكونة من أربع حلقات، في 31 مايو (أيار)، وتبدأ أحداث العمل المستوحاة من قصة حقيقية في ربيع عام 1989، عندما نرى مجموعة من المراهقين الملوّنين يخططون لقضاء أمسيتهم بعد انتهاء الدوام المدرسي في منتزه وطني في مدينة نيويورك. ولسوء حظ أولئك الصغار، يقترن وجودهم في منتزه سنترال بارك بالاعتداء على عدّاءة تبلغ من العمر 28 سنة تدعى تريشا ميلي واغتصابها بصورة وحشية وضربها ضرباً مبرحاً على رأسها خلّف شروخاً في جمجمتها وتركها حبيسة غيبوبة استمرت 12 يوماً.

على الرغم من تباطؤ الشرطة في معالجة حوادث أُصيب بها أشخاص من ذوي البشرة السوداء أو الملونة، إلا أن تلك الواقعة التي كانت ضحيتها امرأة بيضاء جعلت الجهاز الأمني يستنفر بكامل طاقته في المدينة. وفي ظل العدد الكبير من جرائم الاعتداء الجنسي في المدينة التي باتت خارجة عن السيطرة، ترى رئيسة وحدة الجرائم الجنسية ليندا فيرشتاين في هذه الحادثة فرصة لا تعوض لاستعادة سمعة الأجهزة الأمنية والضرب بقبضة من حديد.

تُشن حملة اعتقال عشوائية على الشباب الذين تنطبق عليهم المواصفات المطلوبة: سود وملونون ومراهقون كانوا يمرحون في المنتزه. يتم تقليص عدد المتهمين من بين 30 شاباً الذين قاموا بافتعال شغب غير قانوني في الحديقة المركزية إلى خمسة مراهقين ذكور: أربعة أميركيين من أصل أفريقي بينهم مسلم (أنترون وكيفين وكوراي ويوسف) وآخر من أصول لاتينية (رايموند).

تُصر ليندا على ضرورة إثبات الجريمة على أولئك الشباب، وبدلاً من مواصلة البحث عن مرتكب الجريمة الحقيقي، تبدأ مهمة صوغ قصة محبوكة تفيد بأن المراهقين الخمسة هم الفاعلون. بعد ليلة مضنية من الضرب والترهيب، وفي غياب مرافق راشد في بعض الحالات، يتمكن المحققون من فرض قصتهم المُختلقة على المتهمين وإجبارهم على الإقرار بجريمتهم أمام الكاميرا والتوقيع على إفاداتهم على أن يقوم كل واحد منهم بالاعتراف أنه كان مشاركاً فيها ولكنه لم يكن الفاعل الأساس، بحجة أنهم سيتمكنون من العودة إلى أحضان ذويهم وتناول بعض الطعام وإغماض أعينهم المرهقة إن قاموا بذلك.

لكن تلك الاعترافات التي تم الإدلاء بها أثناء الاستجواب بعد فترة وجيزة من الاعتقال لم تبقَ ضمن سجلات الشرطة طويلاً. إذ سرعان ما تحولت الحادثة إلى "أكثر قصص الجرائم انتشاراً في فترة الثمانينيات"، كما وصفتها صحيفة النيويورك تايمز.

لقاء مع دونالد ترمب

تبدأ محاكمة الفتيان ويرافقها صخب شعبي وإعلامي، بما في ذلك لقاء أجراه الإعلامي الأميركي الشهير لاري كينغ مع دونالد ترمب، الذي كان عملاقاً عقارياً وتجارياً حينها، ودافع خلاله عن شرائه صفحات كاملة تُنشر فيها الإعلانات عادة في العديد من الصحف في مدينة نيويورك لتتصدرها عبارة "نريد عقوبة الإعدام، نريد قواتنا الأمنية".

يتم عرض هذا الجزء من المقابلة خلال المسلسل بالإضافة إلى عدد من الوقفات الاحتجاجية المؤيدة والمناهضة لترمب على حد سواء، ويرِد ذكره وتُعرض صوره في أكثر من مشهد ويُوصف بالعنصري وبأنه يدعم مقاضاة المراهقين فقط لأنهم من أقليات عرقية ودينية. وتقول إحدى أمهات المتهمين وهي تتابع الأخبار "هذا الوغد ترمب، يريد قتل طفلي... إنه يستثمر 85 ألف دولار للترويج للمطالبة بقتل طفلي".

لحسن الحظ لم يكن الإعدام مُدرجاً على قائمة العقوبات على جرائم الاعتداء والسرقة والشغب والاغتصاب والاعتداء الجنسي ومحاولة قتل ميلي وغيرها من الهجمات الأخرى في الحديقة التي وُجهت إلى الشباب.

يُبعث الأمل في قلوب المتهمين وأهاليهم، الذين لا يوفرون جهداً للدفاع عن أبنائهم ويعملون على مدار الساعة لتأمين النفقات القانونية، لكن بعد عام من الصراع تمت إدانتهم في عام 1990 من قبل هيئة المحلفين في محاكمتين منفصلتين. وباتوا يُعرفون بعدها بـ "سنترال بارك 5"، وهو الاسم الأصلي الذي كانت تحمله السلسلة التلفزيونية ولكن تم تعديل العنوان قبل شهرين من بدء عرضها، وحُكم عليهم بعقوبات بالسجن تراوح بين خمس سنوات و15 سنة. تم استئناف أربعة من أحكام الإدانة وأكدت محاكم الاستئناف هذه الإدانات، وفي نهاية المطاف قضى المتهمون ما بين ست سنوات و13 سنة في السجن.

لا يتوقف العمل طويلاً عند المرحلة التي يقضيها المراهقون وراء القضبان كما هو متوقع من أي عمل يتناول موضوعاً مشابهاً. إذ عادة ما يجد المخرجون في السجن أجواءً تشدّ المشاهدين، لكن المخرجة آفا دوفيرناي التي شاركت في كتابة السيناريو أيضاً فضّلت تقسيم المسلسل إلى مرحلتين، مرحلة المحاكمة ومرحلة حياة الشباب بعد خروجهم من السجن ونضالاتهم لاستعادة هويتهم كأشخاص يتمتعون بالإنسانية. إذ تستعرض الحلقتان الأخيرتان التغييرات التي طرأت على المجتمع والمراحل التي فاتت أولئك الصغار وهم محتجزون، ليواجهوا الواقع القاسي وعدم تقبل المجتمع لهم والعائق الذي تشكله تلك الوصمة التي يحملونها معهم أينما حلّوا كمعتدين جنسيين، ما يسدّ الأبواب في وجه عثورهم على مسكن أو عمل ملائم. وكما يقول رايموند الذي لم يجد أي باب مفتوحاً أمامه سوى باب تسويق الحشيش كي يؤمّن لقمة عيشه "حينما يجبرونك على الدخول إلى السجن، فهم يريدونك أن تبقى في الداخل، حتى لو أطلقوا سراحك".

وعلى الرغم من أن هذه الفكرة قد تبدو حتمية ويائسة، إلا أن رسالة أخرى موازية يطرحها المسلسل تبدو باعثة على التفاؤل والتصميم أكثر، ويمكن اختصارها بجملة تقولها والدة يوسف عندما يشكو لها ابنها وحدته في الاحتجاز وشعوره بأنه ليس مرغوباً فيه، فتجيبه "هؤلاء يكرهوننا، والشرطة تكرهنا، والمجتمع يكرهنا، لكن حتى لو كرهنا العالم ككل علينا ألا نكره أنفسنا".

وبعيداً من البغضاء، هذا عمل لا يمكنك إلا أن تحبه، وقد حصل على إشادات من النقاد وتقييم مرتفع فاق 90 في المئة في المواقع المتخصصة بمراجعات الأعمال الفنية. وإيقاعه السريع يطغى على قتامة الحكاية والمواقع التي تجري فيها أحداثها.

قد تكمن روعة العمل في أن المخرجة لم تتطفل على الحكاية الدسمة بالأساس أو تتلاعب بها، لكنها تمكنت بطريقة ما من جعل القصة هي البطلة الحقيقية في المسلسل. إذ تم توزيع الظهور على الشخصيات الكثيرة بتوازن محترِف، واقتصر تدخلها على إضفاء اللمسة الإنسانية والعاطفية الضرورية على قصة يمكنك قراءة أحداثها في مصادر مختلفة، وهذا الزخم من المشاعر في كل مراحل العمل، الذي تمكن مدير التصوير برادفورد يونغ من نقله بأسلوب ساحر يجعلك تشعر بالألم والغصة والغضب والظلم مما لا يترك لك خياراً إلا أن تتساءل عن المعنى الحقيقي للعدالة في أميركا.

آثار الحرمان

لا تبحث السلسلة فقط عن نتائج العنصرية المباشرة، لكن عن آثار جميع أنواع الحرمان من الحقوق للأشخاص الذين ينحدرون من خلفيات شبيهة بتلك التي ينتمي إليها الشبان الخمسة، قلة الأموال التي تؤدي إلى عدم القدرة على توكيل المحامين للاستئناف، والأمهات غير القادرات على زيارة أبنائهن المسجونين بسبب حاجتهنّ إلى العمل لسد الرمق وعدم قدرتهنّ على تحمل تكاليف المواصلات إلى السجن النائي، حياة الخوف والضعف التي جعلت والد أحدهم يشجع ابنه على التوقيع على اعترافاته حتى يتمكنوا من مغادرة مركز الشرطة لأن رجال الأمن لا يسعون وراء الحقيقة، بل سماع ما يريدونك أن تقول، العجز في مواجهة سلطة لا تشبهك ولا تهتم بحالك.

ومع أن وجهاً من أوجه العدالة قد تحقق لمجموعة "سنترال بارك 5" في عام 2002، عندما رفع هؤلاء الخمسة دعوى قضائية ضد مدينة نيويورك بعدما اعترف رجل آخر بالجريمة وأيّدت أدلة الحمض النووي اعترافه وكسبوا أكثر من 40 مليون دولار ثمناً لتشويه سمعتهم وإجبارهم على قضاء سنوات في السجن بدلاً من مقاعد الدراسة، إلا أن الرئيس ترمب أعاد دفاعه عن موقفه ضد الشباب في حملته الانتخابية، قائلاً إنهم اعترفوا بجريمتهم حينها، ووصف التسوية القضائية المالية بـ "العار".

لم يقتصر التركيز في العمل على موقف ترمب الذي قال "بالطبع أنا أكره هؤلاء الناس ودعونا نكرههم جميعاً لأن كرههم ربما هو ما نحتاج إليه إذا كنا نريد إنجاز شيء ما"، بل كان لا بد من المرور على شبكة فوكس نيوز التي بات اسمها ملازماً لتعليقات وهجمات الرجل الذي يحتل البيت الأبيض ضد كل من هو أقل "بياضاً"، ولم يوفّر حتى عمدة لندن صادق خان من تعليقاته اللاذعة، وشن عليه هجوماً صارخاً قبل أن تهبط طائرة الرئاسة الأولى في مدينة الضباب، ووصفه بالفاشل تماماً.

لا بد من أن الموضوع شائك وأصعب من أن تتم الإحاطة به في عمل درامي، لكنها محاولة قوية وملحمية لعرض تاريخ فشل القانون في بلد من المفترض أن يرفع شعار المساواة مثلما ترفع سيدة الحرية شعلتها متقدة وعالية.

طاقم العمل

إخراج: آفا دوفيرناي.

سيناريو: آفا دوفيرناي، جوليان بريس، روبين سوايكورد، أتيكا لوك، مايكل ستاربيري.

مدير التصوير: برادفورد يونغ

موسيقى تصويرية: كريس باورز

شارك في الإنتاج: روبرت دي نيرو، أوبرا وينفري، بيري ويلش.

تمثيل:

جوفان أديبو بدور أنترون الشاب - كاليل هاريس بدور أنترون المراهق.

جاستن كانينغهام بدور كيفين الشاب - أسانتي بلاك بدور كيفين المراهق.

كريس تشوك بدور يوسف الشاب - إيثان هاريسي بدور يوسف المراهق.

فريدي مياريس بدور رايموند الشاب - ماركيز رودريغز بدور رايموند المراهق.

جاريل جيروم بدور كوراي.

فيليستي هافمان بدور رئيسة وحدة الجرائم الجنسية "ليندا فيرشتاين".

جوشوا جاكسون بدور محامي الدفاع ميكي جوزيف.

المزيد من فنون