Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حسب الشيخ جعفر توزع بين وجودين عراقي وروسي

رحل عن 80 عاما بعدما جدد الشعر التفعيلي وأبدع في القصيدة المدورة

الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر في إحدى صوره الأخيرة (صفحة الشاعرعلى فيسبوك)

لعل أول ما شدّ انتباهي، حين زرته في مكتبه، خلال إحدى دورات  مهرجان المربد، في أواخر الثمانينيات، صوته الخفيض، وشروده الدائم. كان ديوانه "زيارة السيدة السومرية"  قد وصل قبل سنوات قليلة إلى تونس، ليلفت انتباه عدد من الشعراء المتابعين بحماسة كبيرة للتجربة الشعرية العراقية. وقد مكنني الشاعر خالد النجار من نسخة منه، بعد أن أطرى بحب كبير، قصائده المدوّرة. بدت لي هذه القصائد، أقرب ما تكون إلى الأناشيد التي تركتها الحضارات العراقية القديمة، فيها جلال تلك الأناشيد وقوتها، وفيها نفسها الملحمي، وبعدها الأسطوري. مقاطعها الشعرية أشبه ما تكون بالأمواج المندفعة يأخذ بعضها بأعناق بعض. يأخذ الشاعر بأيدينا برفق ويدخلنا إلى حدائقة الشعرية  حيث استعادت اللغة نضارتها الأولى والرموز شحنتها الأسطورية القديمة.

كان هذا الديوان يشير بوضوح إلى أنّ تجربة "القصيدة المدورة " قد بلغت مرحلة النضج بعد أن كانت في مجموعاته السابقة تقتصر على المقطع أو المقطعين.

صحيح أن النقاد تنازعوا ريادة هذه القصيدة، فبعضهم ذهب إلى أن الشاعر المغربي محمد بنيس كان أول من كتبها، بينما ذهب البعض إلى أن رائد هذه القصيدة هو نذير العظمة الذي  كتب هذه القصيدة في صيف 1958 وقد لقيت حينها إشادة من الشاعرين أدونيس ويوسف الخال. ربما لم يكن حسب الشيخ جعفر أول من كتب القصيدة المدورة لكنه كان أمهر الشعراء في شحنها بقوة فنية وجماليه لافتة حتى أنها عرفت به وعرف بها.

في دلالة القصيدة المدورة

إذا كان التدوير في العروض القديم  يشير إلى اشتراك شطري البيت في كلمة واحدة بأن يكون بعضها في الشطر الأول وبعضها في الشطر الثاني، فإنّ التدوير في الشعر الحديث لا يتم بين شطر وآخر، بما أنّ مفهوم البيت قد تمّ تجاوزه، وإنما بين سطر شعري وآخر، ولهذا أطلق النقاد المعاصرون على القصائد التي تعالقت سطورها مصطلح "القصائد المدورة".

 هكذا أصبح تشكيل النص الشعري يجري، كما يقول علوي الهاشمي، مجرى تشكيل النصّ النثري، فانحرفت القصيدة في كتابتها عمّا تواطأ عليه الشعراء من طرائق في توزيع البياض والسواد، والتي كانت في نظر الناقد الفرنسي كوهين مؤشراً للجنس ودالاً عليه فهو يقول:  "بمجرّد أن توزّع جملة نثرية توزيعا شعريّا حتى نرى الكلمات تنتعش وتستيقظ من سباتها النثري".

الوقفة التي تعوّد عليها القارئ أصبحت بعد الآن غير ثابتة، تنتقل من مكان إلى أخر. وأصبحت الجملة الشعرية نفساً واحداً ممتداً يشغل أكثر من سطر وربما يشغل النص كله. فتداخل السطور الشعرية بعضها ببعض، واختفاء القافية كانا من الأسباب التي دفعت نازك الملائكة إلى رفض هذا النمط الشعري، فهو في نظرها غير شائع ولا مقبول، لأنّ الغنائية في تفعيلات الشعر تفقد تأثيرها  حين تتراكم تفعيلات متواصلة لا وقفة عروضيّة فيها. ذلك  فضلاً عن أنّ تواتر التفعيلات الكثيرة مستحيل، لأنه يتعارض مع التنفّس عند الإلقاء لا بل يتعب من يقرؤه قراءة صامتة، بما يحدث من رتابة، فسرعان ما نمجه ونرفض أن نقرأه.

وإذا عدنا إلى مدونة الشاعر وجدنا أنه خاض مغامرة القصيدة المدورة منذ ديوانه "الطائر الخشبي"، فقد كان التدوير حيلة الشاعر حتى يكسر رتابة الإيقاع في قصيدة التفعيلة،  ويسعى إلى ارتياد آفاق تعبيرية جديدة. كانت قصيدته "القارة السابعة " التي كتبت في 1969 أولى قصائده المدورة. هذه القصيدة استرفدت في نظر فاروق يوسف رواية  "البحث عن الزمن المفقود"، ففيها إشارات واضحة تحيلنا إلى جمل أساسية وردت في سباعية بروست.

هذه التجربة استمرت سنوات عديدة واستغرقت دواوين كثيرة وتوقفت مع صدور ديوانه "أعمدة سمرقند"، لتترك المجال لتجربة شعرية مختلفة، هي تجربة الحكايات المنظومة، بحسب تعبير الناقد حاتم الصكر.

ينابيع التجربة

ما فتئ حسب الشيخ جعفر يذكّر قارئه أن شعره ينبثق من مكانين اسطوريين، هما قريته وموسكو. فهاتان المدينتان ليستا مجرد مكانين جغرافيين وإنمّا هما "مجاله التخييلي" و"فضاؤه الرمزي"،  يقول: "أنا أنتمي إلى مكانين في الآن نفسه، إلى مكان قروي طفولي هو العمارة حيث الهور والطيور البرية  والجواميس والفلاحون، ومكان ثلجي غابي سهوبي عواصفي وهو موسكو. كلاهما يمثل بالنسبة إليّ الرعشة الفنية".

هذا المزيج العجيب بين هذين العالمين هو الذي أتاح للشاعر أن يحيا أكثر من حياة  وأكثر من تجربة.

ثم يستدرك لكي يؤكد أنه لا يعيش في أمكنة كثيرة  فحسب، وإنما يعيش أيضاً في أزمنة عديدة: "قد أجد نفسي في المدار العباسي أو المدار الخيامي الفارسي أو المدار الإغريقي فطموحي الروحي والإبداعي يدفعني إلى الإقامة في أكثر من زمن".

ليس غريباً بعد هذا أن نجد قصائد حسب تنطوي على أزمنة متراكبة، وأمكنة متقاطعة. فالقصيدة عنده "حالة احتشاد"، احتشاد لكل العصور والأماكن. وبسبب من هذا تحدث عدد من النقاد عن الأبعاد الدرامية في شعر حسب. فقراءة قصائد الشاعر مثل قراءة الأساطير، دخول في عالم ملتبس، غامض، صامت ومعتم. الإيماءة تعوض اللغة، والتأتأة تقوم مقام الفصاحة وقوة التعبير.

  الشاعر الستيني المختلف

ربما لأسباب أكاديمية يدرج الشاعر عادة  ضمن شعراء الستينيات. هذا التصنيف لا تسنده في الواقع أية مسوغات فنية أو جمالية. الشاعر ستيني، إذا أخذنا بمنطق التحقيب التاريخي، لكنه مختلف شعرياً عن كل مجايليه. وهذا ما رصده الشاعر علي جعفر العلاق بحسّه النقدي المرهف حين قال: "كان حسب الشيخ جعفر ينمو على مبعدة من جيل الستينيات، غائماً ووحيداً من  دون أن ينخرط في ضجيج هذا الجيل"، مضيفا: "كان في عزلته يربّي قصيدته وينمّي نسيجها في حذر. كان يلتم على ذاته التمام المقرور أمام ناره الصغيرة".

لكن الذي لم يذكره الشاعر أن حسب الشيخ جعفر قد ترك، على رغم عزلته وصمته، أثراً واضحاً في شعر هذا الجيل. فمن قصيدته "زيارة السيدة السومرية" تناسلت  قصائد كثيرة. ولم ينج أحد من أثر هذه القصيدة وتأثيرها، بمن في ذلك الشعراء الكبار من أمثال عبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف. تقوم هذه القصيدة على التداعيات التي تنتظم في إطار ملحميّ، منتقلة من مشهد إلى آخر ومن زمن إلى ثان، لكأنها جدارية سومرية تروي وتبوح، تسرد وتصف.

ثمة رد اعتبار للنثري في هذه القصيدة وإفادة واضحة من قصيدة النثر. فالشاعر يميل إلى السرد القصصي، يتخذه بديلاً عن الصورة الشعرية القديمة، جامعاً بين صيرورة الحكي وكينونة الشعر جمع توافق وانسجام.

سيرة وأعمال

ولد حسب الشيخ جعفر في مدينة العمارة عام 1922 وتلقى تعليمه في محافظة ميسان ثم سافر في بعثة تعليمية إلى موسكو لدراسة الأدب. تخرج  في معهد غوركي للآداب عام 1966 بعد أن حصل على الماجستير. وعاد إلى العراق  ليعمل في الصحافة والبرامج الثقافية الإذاعية، وكان عضواً في الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء في العراق من 1969 إلى التسعينيات.

من أهم دواوينه: نخلة الله، الطائر الخشبي، زيارة السيدة السومريّة، عبرالحائط في المرآة، أعمدة سمرقند، تواطؤاً مع الزرقة، مثل حنو الزوبعة. قام بترجمة قصائد مختارة لعدد من الشعراء الروس مثل مايكوفسكي وألكسندر بلوك وبوشكين وأنا أخماتوفا.

 نشر مذكراته عن مرحلة دراسته في موسكو بعنوان "رماد الدرويش"، كما نشر رواية عنوانها "الريح تمحو والرمال تتذكر".  وتقديراً لأعماله الشعرية حاز جائزة السلام السوفياتية عام 1983 وجائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية للشعر الدورة الثامنة 2002-2003.

المزيد من ثقافة