الشاعر العراقي فاضل العزاوي سعى نحو حداثة جديدة

سليل جيل الستينات تعرض لسوء قراءة

الشاعر العراقي فاضل العزاوي (يوتيوب)

يعد الشاعر فاضل العزاوي واحداً من أبرز الشعراء العراقيين في ستينيات القرن الماضي وممثلاً لأبرز اتجاه تجريبي حداثي في الشعر العراقي الحديث، فضلاً عن كونه كاتباً وروائياً ومترجماً مرموقاً سجل له حضوراً بارزاً في المشهد الثقافي العربي مدة تزيد على الستين عاماً. ولا يمكن فهم تجربة الشاعر العراقي فاضل العزاوي الشعرية والإبداعية الشاملة بمعزل عن مجموعة من الموجهات القرائية السياقية والنصية، الموضوعية والذاتية التي أسهمت في صياغة رؤيته الشعرية والإبداعية الكلية.

وفي المرتبة الأولى تأتي مسألة ارتباط الشاعر بتجربة جيل الستينيات في العراق الذي جاء في أعقاب أول تجربة للحداثة الشعرية الخمسينية تمثلت بتجارب بدر شاكرالسياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي. وفي قلب هذه القضية الدور الشخصي الذي نهض به الشاعر في التبشير بالموجة الحداثية الجديدة وقيامه شخصياً بكتابة أهم مانيفستو شعري في تاريخ العراق الثقافي هو "البيان الشعري" الذي وقّعه أربعة من شعراء الستينيات البارزين آنذاك.

وإلى جانب هذه الموجه، لابد أن نأخذ في الاعتبار ثراء التجربة الروائية للشاعر والتي تزامنت مع نضج الحداثة الشعرية، ونشير بشكل خاص إلى روايته المبكرة الجريئة "مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة" الصادرة عام 1969، والتي وصفها الشاعر في الغلاف الأخير بأنها "قصيدة مخترع شرير"، كما أكد تداخل الأجناس في الرواية بقوله في التمهيد القصير الذي كتبه للرواية: "وتصبح الرواية قصيدة ومسرحية وفيلماً ولوحة وموسيقى في الوقت ذاته من دون أن تعني ذلك".

والعنصر الثالث المهم في فهم تجربة الشاعر يتمثل في تربيته الاجتماعية والثقافية والمؤثرات الفكرية والسياسية والأدبية التي شكلت وعيه الشعري والأدبي والثقافي، فالشاعر من مواليد مدينة كركوك عام 1940، وهي مدينة عراقية عرفت باحترامها للتنوع الإثني واللغوي والديني وانفتاحها على الآخر، وتأثرها بوجود شركات النفط الأجنبية التي أسهمت في إشاعة اللغة الانجليزية. لذا تربى الشاعر في مثل هذا الجو القائم على الانفتاح على الآخر والإيمان بقيم التسامح واحترام الثقافات الأخرى التي أصبحت جزءاً من ثقافته ووعيه.

ولا يمكن إسقاط جانب مهم في ثقافة الشاعر وتربيته، يتمثل في انتمائه المبكر إلى اليسار وأيمانه بقيم العدالة الاجتماعية ومسؤوليته في أحداث مجتمعه، فقد اعتقل الشاعر بعد انقلاب الثامن من فبراير(شباط) 1963 الفاشي، واقتيد – مع المئات من الأدباء والمثقفين – إلى السجون والمعتقلات، حيث أمضى فترة من الزمن في سجن بغداد المركزي (الموقف العام) وتحديداً في "القلعة الخامسة" التي كتب عنها رواية (صدرت بالإنجليزية تحت عنوان Sell Block Five) كما أمضى فترة أطول في سجن الحلة المركزي. وربما يمثل فشل التجربة السياسية وسيطرة القوى الفاشية على مقدرات البلاد صدمة عنيفة أثرت سلباً في وعي الشاعر والكثير من أدباء الستينيات الذين كفروا – بعد ذلك – بكل القيم والمفاهيم والمؤسسات السياسية، وحولوا رفضهم وغضبهم ضد الاستبداد والدكتاتورية إلى غضب شامل ضد الأعراف الأدبية والقيم السياسية. وقد انعكس ذلك على تجربة الشاعر الفنية وأدواته، فشقّ له، بالاشتراك مع شعراء الجيل طريقاً جديداً نحو حداثة من طراز جديد، ربما كان "البيان الشعري" صوتاً لها. إلا أن هذا الصوت الصاخب المتمرد راح بمرور الزمن يميل إلى الهدوء والاستقرار والتصالح الجزئي مع العالم الخارجي، وبخاصة بعد ما غادر الشاعر العراق ليعيش في المنفى وتحديداً في ألمانيا منذ العام 1977 وحتى اليوم.

المتمرد والرافض

لقد شكلت تجربة فاضل العزاوي المبكرة منحنى شعرياً متميزاً، ربما ميّز تجربته عن بقية مجايليه وأقرانه من شعراء الستينيات، بوصفه تجريبياً ومتمرداً ورافضاً، ومدمراً لكل القيم الفكرية والأعراف الفنية والأدبية والاجتماعية والسياسية وخيّل لي، لحظة ما، أن قيمة فاضل العزاوي الشعرية، لا تزيد عن كونه مبشراً باتجاه شعري حداثي جديد وبوصفه صاحب "البيان الشعري"، وكدت أقارن دوره بدور الشاعر الأميركي تي. ي. (هيوم) المؤسس الحقيقي للمدرسة التصويرية (الإيماجية) في الشعر الأميركي في الفترة 1912- 1917 الذي لم يكتب إلا بضع قصائد لا تتجاوز العشرين قصيدة، لكنه أصبح مبشراً وممثلاً لمنحى جديد في التعامل مع الصورة الشعرية تأثر بها كبار شعراء العصر آنذاك ومنهم إليوت وأزرا باوند وإيمي لويل وغيرهم. لكن قراءة لاحقة ومتأنية للتجربة الكلية لمتن الشاعر، وبشكل خاص منذ صدور "الأعمال الشعرية" للشاعر في جزءين عام 2007 دفعتني إلى إعادة النظر في هذا الحكم والاعتراف بثراء تجربة الشاعر وتنوعها وحيويتها، والنظر إليه بوصفه واحداً من كبار شعراء الحداثة الشعرية العربية، فضلاً عن تجربته الروائية الخصبة التي تتصادى ومنظوره الشعري والفلسفي، ولذا فنحن بحاجة إلى إعادة فحص وتقييم هذه التجربة، التي تحسب للشعر العراقي، مثلما تحسب للشعر العربي الحديث.

فلتجاوز منجز الحداثة الخمسينية، وهو ما استهدفته الحركة الستينية نجد أن الشاعر فاضل العزاوي يمتلك تصوراً نقدياً كاملاً عن طبيعة القصيدة الستينية وأهدافها وخواصها البنيوية اللسانية والبلاغية وظلالها الفلسفية والكونية، وهو ما وجد له صدى واضحاً في "البيان الشعري "الذي كتبه الشاعر بنفسه، والذي يمنح فيه الشاعر القصيدة وظيفة قد تكون رسالة تغييريه وثورية في آن واحد، تذكرنا بالبيانات الشعرية العالمية ومنها البيان المستقبلي الإيطالي وبيان إندريه بريتون السريالي والبيانات الدادائية. 

لقد استهل الشاعر مشروعه التجريبي بما سماه القصائد الميكانيكية. ويبدو لي أن قيمة هذه القصائد تتمثل أساساً في صدم ذائقة القارئ التقليدي وخرق الأعراف الأدبية والشعرية السائدة والتبشير بالدور الذي تحققه المخيلة الحرة من ضوابط المنطق والعقل والسلطة. فالشاعر لا يهدف إلى تحقيق معنىً معين، وهو ربما يلتقي مع الكثير من نقاد الحداثة، ومنهم سوزان برنارد في كتابها "قصيدة النثر من بودلير إلى يومنا" التي دافعت عن مفهوم "المجانية" في قصيدة النثر، والذي يعني انتفاء الغائية والمعنى من الكتابة الشعرية، لأنها كتابة لذاتها. كما تلتقي هذه الفكرة مع ما قاله الشاعر أرشيبالد ماكليش في كتابه "الشعر والتجربة" من أن القصيدة لا تهدف إلى تحقيق معنى معين، وأن هدفها هو "أن تكون" ليس إلا.

لكن الشاعر لم يهمل المعنى كلياً، ويمكن أن نلاحظ ميله إلى طرح معنىً مفتوح في قصائده، ربما ليمنح الفرصة لقارئه في الدخول في حوار منتج مع نصوصه الشعرية المفتوحة، بوصفها نصوصاً كتابية وليست قرائية بحسب مفهوم رولان بارت. إذ يذهب الشاعر إلى إيضاح موقفه هذا بالقول: "وهنا لا يكون المعنى محدداً ونهائياً، وإلا فسد بعد حين، مثل أي معنى أخر، وإنما معنىً مفتوح على معان أخرى توحي بها القصيدة، أكثر مما تبوح بها".

ويرى فاضل العزاوي أن جيل الستينيات قد "ولد من الرماد، بعد أن عانى الانكسار السياسي العام، ولكنه لم يقع تحت وطأته، كما يشيع عنه أعداء الحركة. لقد رفض الستينيون الهزيمة وبشّروا بثورة لا حدود لها ضد كل ما كانوا يعتبرونه مضاداً للحرية".

ويوحي الشاعر بأن جيل الستينيات كان جيلاً مهزوماً، وهذا ما جعله قريباً من جيل البيتنكس في الشعر الأميركي في الخمسينيات، التي مثلتها تجارب شعراء أمثال إلن غنزبرغ، وفرلنكهيتي، وغريغوري كورسو وغيرهم. إذ يقول عن ذلك الجيل: "لقد كانوا هنا وهناك جيلاً مهزوماً. فإذا ما كان البيتنكس قد خرجوا من رماد الحروب، فإن الستينيين العراقيين قد خرجوا من رماد الانقلابات والدكتاتوريات العسكرية".

بين التفعيلة وقصيدة النثر

قصائد الشاعر فاضل العزاوي تتراوح بين قصيدة التفعيلة، وبشكل خاص في بداياته الستينية والسبعينية وقصيدة النثر، التي انتقل إليها تدريجاً، وإن كان قد جرب كتابتها في بداياته أيضاً. كما مالت القصيدة لديه إلى نسق "النص المفتوح" الذي ينطوي على تداخل أجناس وأنواع شعرية وفنية مختلفة مثل السرد والدراما والسيناريو وبناء المشهد واللقطة السينمائية واللوحة التشكيلية، وهو ما سبق أن بشّر به الشاعر منذ البداية.

كما أن المظهر الطباعي والبصري لقصائد الشاعر يتراوح بين نسقين أساسيين: من نسق السطر أو البيت الشعري الذي اعتمدته قصيدة الشعر الحر في الشعر الفرنسي والإنجليزي والذي اعتمدته أيضاً إلى حد كبير تجربة "الشعر الحر" في الشعر العراقي والعربي، أما النسق الثاني فهو المظهر الذي يعتمد على كتلة طباعيه متماسكة تأخذ شكل الفقرة paragraph شبيهة بما نجده في السرد القصصي والروائي، وهو المنحى الأساسي الذي اعتمدته قصيدة "النثر" الفرنسية.

يعنى الشاعر فاضل العزاوي بمعمار القصيدة وهندستها، وهو لا يستسلم فقط لتدفق اللاوعي أو الأتوماتيكي للكتابة الشعرية، إذ نجد استهلالاً مدروساً، وتنمية للتجربة الشعرية عبر تمفصلات مدروسة – كما نجد وضوحاً بوصول التجربة الشعرية إلى خاتمة أو نهاية معينة، قد تكون مفاجئة أو تمثل صدمة للقارئ ولأفق توقعه. كما أن أغلب استهلالات الشاعر في قصائده وصفية تمهد المناخ لدخول الفضاء الشعري. إلا أن عملية الوصف ليست خارجية، بل تمر عبر وصف داخلي، هو في الأغلب الشاعر أو قناعه أو ذاته الثانية التي يوظف فيها غالباً ضمير المتكلم، وأحياناً ضمير المخاطب (بالفتح) عبر خطابات أو مونولوغات داخلية حوارية مع الآخر أو مع الذات. كما تتصاعد معظم القصائد وبخاصة المطولة منها ذروات وعقداً صراعية، وإن كانت لا تلتزم دائماً ما يسمى "الذروة" التقليدية، فقد تكون القصيدة مجرد مشهد عرضي أو عابر، قد يبدو بريئاً أو محايداً، لكنه يحمل في طياته حمولات معرفية ودلالالية تتوجه نحو القارئ لفك شفراتها النصية المغيبة. كما تكشف أغلب قصائد الشاعر عن نهايات منظمة تمثل قراراً، بالمعنى الموسيقي، وهي في الأغلب نهابات مفتوحة مما تجعل هذه القصائد تنتمي إلى نسق قصائد "النص المفتوح" بتعبير أمبرتو إيكو أو النص الكتابي "في مقابل النص القرائي" بتعبير رولان بارت.

فاضل العزاوي تعرض إلى الكثير من سوء القراءة، فقد اتهم بالانشغال بالهموم الفردية والجمالية، وإهمال الهموم الاجتماعية الكبرى للواقع والعصر. لكن الشاعر، في الحقيقة، مشتبك مع الحياة وهو أشبه ما يكون بمناضل ثوري كوني ضد القبح والطغيان والشمولية ومدافع عن الحرية الفردية والاجتماعية، فقد قاوم لحظات الانكسار والسوداوية بتطلع كوني نحو الأمل بالمستقبل، وكانت قصائده وأعماله الروائية إدانة للدكتاتورية والاستبداد والشمولية بإطاريها العام والخاص. (يصدر هذا المقال بالانكليزية كاملاً في العدد المقبل من مجلة "بانيبال" وهو يضم ملفاً شاملا عن الشاعر فاضل العزاوي).

المزيد من ثقافة