Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اليهودية والنازي... حكاية حب حنة آرندت ومارتن هايدغر

على الرغم من وصف الفيلسوفة لأستاذها بـ "الثعلب" انتصرت المشاعر على صخب السجالات

الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر  (غيتي)

من المؤكد أنه ما من علاقة غرامية بين مبدع ومبدعة حظيت من الكتاب والمؤرخين، عبر الكتب والدراسات والتحليلات، قدر ما حظيت العلاقة بين الفيلسوفة الألمانية - الأميركية حنة آرندت وأستاذها الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر.

يرجع ذلك لغرابة العلاقة الغرامية بينهما، والحيز الزمني الطويل الذي استغرقته، ولأن آرندت كانت يهودية وقفت ضد النازية، فيما يمكن القول إن هايدغر الكاثوليكي هادن النازية وتعاون معها عن كثب، إن لم يكن قد ناصرها وسخر فلسفته لخدمتها.

والمشكلة مع آرندت أنها ظلت تناصر هايدغر وتدافع عنه طوال الفترة التي خدم فيها النازيين من دون أن تتخلى عن علاقتها معه، حتى وإن كانت خصته في وقت لاحق بنص شبهته فيه بالثعلب.

غرام مراهقة أم افتتان فكري؟

حين التقت حنة بمارتن كانت طالبة عنده في الدراسات الفلسفية، وكانت خارجة لتوها من سنوات مراهقتها وسريعة التأثر بالأفكار العميقة، وبالتالي كان من الطبيعي أن تهيم به وهو الذي كان في ذلك الحين نجماً كبيراً في ميدان الفكر والفلسفة.

ولئن كان قد بدأ ارتباطه العملي بالنازية العام 1933، فإن ذلك لم يكن من جراء حاجته إلى النازيين، بل بسبب حاجة هؤلاء إليه.

ولما كانت حنة لا تزال غير متنبهة، لا هي ولا غيرها، إلى الخطر الذي تمثله النازية، فمن الواضح أنها لم تلتفت كثيراً إلى علاقة "عشيقها" بمن سيصبحون أعداءها على صعد عدة، لا سيما حين يقترفون جرائمهم المريعة ضد اليهود، كما ضد الإنسانية جمعاء.

صحيح أن الفيلسوف الألماني الكبير الآخر وأستاذها كارل ياسبرز حذر آرندت مراراً من تلك العلاقة، لكن الهوى كان أقوى منها، ويبدو أنه سيظل أقوى منها طوال المراحل التالية من حياتها، على الرغم من أن علاقتها بهايدغر توقفت رسمياً على الأقل، وفي جانبها المليء بالشغف، عام 1925، بل إنها ستستعيد العلاقة معه لاحقاً في العام 1950 حين تلتقيه من جديد.

حكاية إيخمان

ولعل ذلك اللقاء المتأخر كان هو ما حرك الترسانة الفكرية ضدها خلال سنوات الـ 60 وما بعدها، بخاصة حين أصدرت كتابها حول إيخمان و"عادية الشر"، الذي نعرف أنه لم يرق أبداً للمفكرين الصهاينة الذين لم يفتهم أن يربطوا موقفها فيه بتأثرها السابق بهايدغر.

لقد كان من أشد مهاجميها حينها الباحث ويسرشتين الذي وضع كتاباً مهماً عن هتلر، لكنه سرعان ما وسع البيكار ليقلل من شأن "الوهن الأيديولوجي" الذي يتسم به كتاب آرندت "جذور التوتاليتارية"، مع أن عدداً من كبار المفكرين اليهود كانوا أشادوا به ومنهم إيزايا برلين ووالتر لوكور، إضافة إلى الفرنسي ريمون آرون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هنا بدأت محاولات للنيل من آرندت وأفكارها لمناسبة متابعتها محاكمة إيخمان الذي اختطفته المخابرات الإسرائيلية في الأرجنتين بتهمة مسؤوليته عن تنفيذ المذابح اليهودية خلال الحرب العالمية الثانية، وهي المتابعة التي خرجت منها الفيلسوفة التي كانت تكتب عن المحاكمة لحساب مجلة "نيويوركر"، بفكرة تتحدث عن لا مسؤولية الموظف عن الشر الذي يمارسه بأوامر من رؤسائه.

وكانت فكرة أقامت الإسرائيليين ولم تقعدهم، وهم الذين أرادوا أن تكون المحاكمة انتصارا لإسرائيل يسجل لها تاريخياً، فإذا بـ "ابنة صهيون الضالة" هذه، بحسب الوصف الذي أسبغته عليها الصحافة الإسرائيلية، تخلق ثغرة في جدار إجماع يهودي عام.

العقل الفلسفي الأكبر

وكان من الطبيعي أن تستغل تلك الصحافة الحكاية القديمة التي كانت تتجدد بوتيرة مدهشة بين الحين والآخر، حول ارتباط حنة آرندت الغرامي بـ "فيلسوف النازية الأول"، بحسب توصيف نشر في حينه قبل أن يهال الستار عليه، إذ أكد فلاسفة أكثر جدية أن فكر هايدغر، حتى في أسوأ تجلياته، لا يجوز اعتباره فكراً نازياً مهما كان من شأن تعاون هايدغر مع النازيين، للطعن في كتابها والتقليل من شأن يهوديتها.

وفي هذا السياق، لم يخل الأمر من صحافيين جديين قالوا إن هايدغر لا يمكن إلا أن يعتبر العقل الفلسفي الأكبر الذي عرفه القرن الـ 20، مما يستتبع أن علاقة حنة آرندت به إنما كانت شخصية، بل مبنية حتى على فكره الفلسفي العظيم، لا على مواقفه السياسية التي لا يمكن أن تكون راضية عنها، بل إنها جابهتها بقوة أخلاقية في النص عن "هايدغر الثعلب" الذي أشرنا إليه.

شيء من الإنصاف

مهما يكن من أمر، فحين توفي مارتن هايدغر عام 1976 لم يكن يخطر في بال أحد، أو على الأقل في بال جمهور قرائه الذي لم يكن كبيراً بالطبع خارج دوائر الاهتمامات الفلسفية، أن رئاسته للجامعة الألمانية (جامعة فرايبورغ) عام 1933 ستستخدم سلاحاً ضده من قبل كثير من أعدائه في يوم من الأيام، لا سيما اعتباراً من أواخر سنوات الـ 70 حين راحت الكتب والدراسات تنتشر، متهمة إياه بالتواطوء مع النازية، بل حتى متهمة فلسفته بأنها نازية لا أكثر ولا أقل!

والحال أن تلك الهجومات والاكتشافات "الفضائحية" لم تأخذ في حسبانها أن الرجل، وبعد توليه ذلك المنصب بعام واحد، عاد واستقال منه، وتحديداً بسبب اختلافه الجذري مع السياسات الثقافية التي كانت السلطات النازية تتبعها.

وفي مواجهة تلك المعركة التي خيضت ضد هايدغر نهض كثير من الفلاسفة والمفكرين الغربيين ومن أصحاب الأسماء الكبرى في العالم الجامعي الأوروبي والأميركي بشكل عام ليدافعوا عن هايدغر، مؤكدين أن علاقته مع النازيين، على الرغم من أنها كانت خطيئة لا تغتفر من مفكر كبير، إنما كانت قبل أن تتكشف النازية على نطاق واسع عن أيديولوجية دموية قاتلة.

لقد كان في وسع المدافعين عن هايدغر أن يستندوا في دفاعهم إلى واحد من أكبر الفلاسفة الإنسانيين في القرن الـ 20، كارل ياسبرز، كما إلى كتابات حنة آرندت التي كانت مقيمة وعاملة في ذلك الحين في الولايات المتحدة، والتي كان يمكن أن تكون من كبار مهاجمي فلسفة هايدغر لو كان نازياً بالفعل، انطلاقاً من يهوديتها ومن دون أن يسهى عن بالنا هنا أن المفكرين اليهود الأوروبيين كانوا من أشرس مهاجمي هايدغر.

هابرماس يدخل على الخط

لا بد من أن نتوقف هنا عند واحد من أكبر الفلاسفة الألمان خلال النصف الثاني من القرن الـ 20، وهو يورغان هابرماس، وريث مدرسة فرانكفورت التي كانت من أشرس المتصدين للنازية، فبالنسبة إليه لا يمكن النظر إلى تلك الحملة إلا باعتبارها حادثة عارضة، فـ "فلسفة الرجل أكبر من الحملات، وحضوره في فلسفة القرن الـ 20 دعامة أساس لفكر هذا القرن"، وهو أمر وافقته عليه حنة آرندت التي لم تخف يوماً إعجابها بهايدغر، بعدما كانت، كما تقول الحكاية التي باتت مؤكدة على مر السنوات وفي الكتابات العديدة التي تناولت الموضوع، عشيقته لفترة من الزمن كما فصلنا أعلاه.

مشروع وجودي

على أي حال، وخارج نطاق تلك المعركة التي سرعان ما باتت زوبعة في فنجان انطوت على سجال نخبوي، يقول مؤرخو الفلسفة إن مهمة هايدغر الأساس إنما كانت إكمال المشروع الوجودي الذي وضعه هوسرل عبر استخدامه لـ "فينومينولوجية" هذا الأخير في مجال محاولته الإجابة عن السؤال الأساس الذي شغل باله طوال عمره، ما هو الوجود؟

ويعتبر كتاب هايدغر الأساس "الوجود والزمان" المحاولة الكبرى التي قام بها هذا الفيلسوف للإجابة عن السؤال، إذ نراه يحدد علاقة الوجود بالإنسان انطلاقاً من الإنسان نفسه، باعتباره هو الموجود، هنا والآن، وهذا عبر تساؤلات ملأت الكتاب الصادر عام 1927 ضمن المجلد الثامن من "حوليات الفلسفة والبحث الفينومينولوجي" التي كانت تنشر تحت إشراف أستاذ هايدغر الأكبر، هوسرل.

المزيد من ثقافة