Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إدارة بايدن تتسلح بـ"المعونة العسكرية" وهؤلاء هم المستفيدون

حازت دول الشرق الأوسط وأوكرانيا نصيب الأسد من المساعدات الأميركية وإسرائيل تُمنح من دون شروط

تعكس أرقام الاعتمادات وترتيب الدول بقائمة المستفيدين من المعونة الأميركية توجهات رئاسة بايدن وأولوياتها (أ ف ب)

تعد أميركا أكبر مساهم في تقديم المساعدات والتمويل العسكري إلى أكثر من 150 بلداً في العالم كل عام، ومع مرور العام الأول على تولي جو بايدن، رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، كشفت قرارات تخصيص المساعدات العسكرية الأجنبية عن تسلح بايدن بهذه الأداة واستخدامها بكثافة، لتحقيق وعوده الانتخابية وأهداف السياسة الخارجية التي تعد محور اهتمامه ومسؤوليته منذ ميلاده السياسي كعضو بالكونغرس في مطلع سبعينيات القرن الماضي.

وما بين قرارات عدة بحجب جزء من المساعدات العسكرية عن بعض الدول أو استئنافها، وإعادة تخصيص أخرى وتخفيضها أو زيادتها، تعكس أرقام الاعتمادات وترتيب الدول في قائمة أكبر المستفيدين توجهات رئاسة بايدن وأولوياتها، إذ حازت دول الشرق الأوسط وأوكرانيا نصيب الأسد من المساعدات العسكرية، على رغم قرارات انسحاب القوات الأميركية الأخيرة من العراق وأفغانستان والصومال.

وظلت إسرائيل الدولة الأولى في تلقي المساعدات العسكرية الأميركية، كما هي الحال منذ إنشائها، وحافظت مصر على ترتيبها على رغم حجب جزء ضئيل من المساعدات ومجيء القرار بعد موافقة الإدارة الأميركية على صفقة ضخمة، تشمل أجهزة رادار للدفاع الجوي وطائرات نقل عسكري من طراز "سي – 130" إلى مصر بقيمة إجمالية تزيد على 2.5 مليار دولار.

6 دول عربية في نادي العشرة الكبار

وتشير إحصاءات هيئة المعونة الأميركية USAID ومنصة بيانات المساعدات الأجنبية  ForeignAssistance.gov إلى أن ثلاث دول عربية، وهي مصر والعراق والأردن، كانت بين أكثر خمس دول تلقت المساعدات العسكرية الأميركية، التي جرى التعهد بها في 2020، إضافة إلى إسرائيل التي احتلت المرتبة الأولى بإجمالي 3.3 مليار دولار أميركي، وأفغانستان التي حصلت على 2.761 مليار دولار، بحسب آخر إحصائية سنوية معلنة.

وشملت قائمة الدول الأعلى في تلقي المساعدات الأميركية على الترتيب في 2020 كلاً من (إسرائيل، وأفغانستان، ومصر، والعراق، والأردن، وأوكرانيا، ولبنان، والفيليبين، والصومال، وتونس)، إذ احتلت 6 دول عربية موقع الصدارة بنسب متفاوتة.

وظلت مصر وإسرائيل الأكثر تلقياً للمساعدات العسكرية الأميركية سنوياً على أساس منتظم بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد للسلام في أواخر سبعينيات القرن الماضي، التي جرى تعديل الاتفاقية الأمنية منها في نوفمبر (تشرين الأول) الماضي بزيادة عدد قوات حرس الحدود المصرية وإمكاناتها بالمنطقة الحدودية في رفح.

وحازت مصر المرتبة الثالثة عام 2020 بقيمة 1.3 مليار دولار أميركي، وجاء العراق في المركز الرابع بعد مصر بقيمة المساعدات العسكرية التي وصلت إلى 548 مليون دولار، ثم الأردن في المرتبة الخامسة بـ 503.9 مليون دولار، وحل لبنان سابعاً بـ 244.5 مليون دولار، وجاء الصومال تاسعاً بـ 138.3 مليون دولار، واحتلت تونس المركز العاشر بـ 102.1 مليون دولار.

هذه القائمة لا تعكس تعهدات ثابتة تجاه تلك البلدان، فالعلاقات الدولية بطبيعتها متقلبة، وأبسط مثال على ذلك حجم المساعدات العسكرية المتوقع تقديمها إلى أفغانستان، التي حلّت بالمرتبة الثانية عام 2020، لن يظل كما هو بعد الانسحاب الأميركي، وسيطرة حركة طالبان في أغسطس (آب) الماضي.

كما أن الولايات المتحدة أعلنت أخيراً زيادة في المساعدات المقدمة إلى لبنان، لمساعدة أفراد جيشه على مواجهة الأزمة المالية، وتخفيضاً لتلك التي تتلقاها تونس اعتراضاً على خريطة الطريق السياسية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد العام الماضي، بينما تبقى مصر والأردن على سبيل المثال تتلقيان مساعدات بمعدلات منظمة، وقيم شبه ثابتة سنوياً.

وتشير دراسة لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن مصر حصلت على نحو 50 مليار دولار على مدار أربعة عقود، وأن مصر والأردن ينظران إلى هذه المساعدات كاستحقاق لهما مقابل السلام مع إسرائيل، على الرغم من أن واشنطن لم تتعهد رسمياً بتقديم مساعدات عسكرية أو اقتصادية للجانبين حينما وقعا اتفاقيات للسلام مع إسرائيل، "والأهم من ذلك أن مستقبل معاهدات السلام لم يعد يعتمد على المساعدة الأميركية. تجد مصر والأردن أن من مصلحتهما الحفاظ على السلام مع إسرائيل، بدعم أميركي أو من دونه"، بحسب دراسة كارنيغي.

لكن الأسبوع الماضي، وافقت وزارة الخارجية الأميركية على صفقة عسكرية مُحتملة لصالح الأردن، تتضمن 16 طائرة من طراز F-16 C / D Block 70، إضافة إلى معدات تصل تكلفتها التقديرية إلى 4.21 مليارات دولار. وقالت الوزارة إن هذه الصفقة مموّلة بالكامل من الحكومة الأميركية من خلال منحة التمويل العسكري الأجنبي، "بهدف تعزيز شريك حيوي للولايات المتحدة".

إسرائيل تظل الحليف الأول

ولا تحصل إسرائيل على المبلغ الأكبر سنوياً من إجمالي المساعدات العسكرية الأميركية فحسب، بل يجري إعفاؤها أيضاً من كل القيود المفروضة على الدول الأخرى، بما يتيح لها تمويل صناعاتها العسكرية من المساعدات الأميركية، وليس فقط شراء الأسلحة والخدمات العسكرية الأميركية، وفي سبتمبر (أيلول) الماضي صوّت مجلس النواب الأميركي بغالبية ساحقة على منح تل أبيب مليار دولار مقابل تمويل نظام القبة الحديدية الإسرائيلي.

وعلى الرغم من الدعوات الخجولة لمراجعة المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل، والتمييز بين المساعدات المقدمة للحفاظ على أمن إسرائيل، وتلك التي تستخدم ضد الفلسطينيين، تعهدت واشنطن عام 2016 بتقديم 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى إسرائيل بموجب مذكرة تفاهم تغطي العام المالي 2019 إلى العام المالي 2028.

ويقول الدبلوماسي المصري السفير رفعت الأنصاري، الذي عمل سنوات ممثلاً لبلاده في تل أبيب لـ"اندبندنت عربية"، إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تحصل على مساعدات عسكرية أميركية غير مشروطة، وفي تزايد مستمر. مضيفاً "المساعدات العسكرية لإسرائيل لا تستطيع الإدارة الأميركية أن تخفضها، هي مرتبطة بعوامل عدة في الرؤية الاستراتيجية الأميركية، ومنذ اتفاقية السلام مع مصر عام 1979 أصبحت المساعدات العسكرية للبلدين أمراً مسلماً به، ولا يمكن التراجع عنه، ولم يحدث سوى تعليق ضمانات القروض في عهد ريغن عام 1981 بالنسبة لإسرائيل نتيجة ضربها المفاعل النووي العراقي، واستمرار بناء المستوطنات، وهذا كان الاستثناء الوحيد، في حين تتذبذب نسبة من المساعدات إلى مصر أحياناً بحسب الموقف السياسي وتوجهات الإدارة الأميركية، وغالباً ما تأخذ واشنطن هذا القرار على استحياء وتتراجع عنه كثيراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نفوذ عالمي

ينقسم الرأي العام الأميركي حول جدوى المساعدات الخارجية عموماً والمساعدات العسكرية والأمنية على نحو خاص، لكن المثير للدهشة أن استمرار سياسة المساعدات تلقى دعماً من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

وتاريخياً، كان الديمقراطيون أكثر دعماً للمساعدات منذ إدارة ترومان، التي بادرت بخطة مارشال لإعادة بناء أوروبا وتقويتها في مواجهة الاتحاد السوفياتي، لكن استمرار المساعدات العسكرية بمليارات الدولارات لا يزال يلقى معارضة في ضوء دعم بعض الأنظمة غير الديمقراطية، وقد تعهدت إدارة بايدن أن "الصمت على انتهاكات حقوق الإنسان صفحة طويت".

وبحسب معهد بروكينغز، تشير استطلاعات الرأي باستمرار إلى أن الأميركيين يعتقدون أن المساعدات الخارجية تبلغ نحو 25 في المئة من الميزانية الفيدرالية التي يموّلها دافعو الضرائب، في حين أنها في الواقع أقل من واحد في المئة فقط. وبصفتها أغنى دولة في العالم، تقدم الولايات المتحدة مساعدة لأكثر من أي دولة أخرى، لكن بنسبة أقل من ناتجها القومي الإجمالي (GNP)مقارنة بالدول الغنية الأخرى.

وتقول هدير طلعت، الباحثة في العلاقات الدولية بمعهد البحوث والدراسات العربية، في تصريح خاص، إن المساعدات العسكرية والأمنية أداة بالغة الأهمية في السياسة الخارجية الأميركية، إذ تُمكّن واشنطن من ممارسة النفوذ والضغط وضمان التبعية والولاء وتوظيف المساعدات سياسياً من خلال المشروطية المرتبطة بمنحها والتهديد المستمر بقطعها أو حجب جزء منها. كما أنها تضمن المحافظة على قاعدة الصناعات العسكرية الأميركية، وفتح الأسواق أمامها، إضافة إلى دعم التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب وتأمين الحدود والاستقرار الإقليمي ومساندة الحلفاء والشركاء، كما جرى أخيراً بتدشين الجسر الجوي من المساعدات العسكرية المقدمة لحليفتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو) أوكرانيا في مواجهة التهديد الروسي بغزوها، وكذلك الحصول على تسهيلات عسكرية ولوجيستية عديدة في مقابل المساعدات لدول أخرى.

كما تتيح المساعدة العسكرية التي تأخذ أشكالاً متعددة، مثل التدريب والتسليح وتمويل الجيوش وتبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية، تغيير موازين القوى في الداخل، كما يحدث من خلال محاولة دعم الجيش الوطني اللبناني في مقابل نفوذ ميليشيات حزب الله، وتعتزم إدارة بايدن إعادة توجيه 67 مليون دولار من المساعدات العسكرية للقوات المسلحة اللبنانية لدعم الجيش وسط الانهيار المالي، كما أعلنت قبل أسبوعين.

وكذلك عملت المساعدات العسكرية على "تغيير هيمنة المؤسسة العسكرية في دولة ما من خلال تسليح المعارضة وحجب المساعدات عن الحكومة كما جرى خلال السنوات الأولى للثورة السورية، وكذلك ما تمارسه واشنطن من دعم لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) لمكافحة داعش الإرهابي، إذ نجحت قوات التحالف الدولي في قتل أبو إبراهيم القرشي، زعيم التنظيم، بينما تصدت قسد لمحاولة تحرير سجناء داعش في سجن غويران بالحسكة الشهر الماضي"، بحسب الباحثة في العلاقات الدولية التي أوضحت أن المصالح السياسية التي تحققها المساعدات، تشمل تنفيذ التعهدات الثابتة، مثل الالتزام بدعم إسرائيل عسكرياً، للحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي كحليف استراتيجي منقطع النظير، وصولاً إلى تصفية الحسابات الشخصية كما جرى عندما هددت إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب بقطع المساعدات العسكرية عن أوكرانيا ما لم توافق على التعاون في التحقيق مع منافسه بالانتخابات الرئاسية آنذاك جو بايدن.

هل قطع المعونة العسكرية وارد؟

وسط الدعوات المستمرة بتخفيض المساعدات الأميركية، وفرض مزيد من القيود للتأكد من تحقيقها للمصالح والمبادئ الأميركية، تشير بيانات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى أن إجمالي المساعدات الخارجية بدأ في التراجع التدريجي منذ عام 2016 من مستوى 52.5 مليار دولار حتى وصل إلى 47.2 مليار دولار بنهاية عام 2019، وتشهد السنوات الأخيرة عدة قوانين تفرض قيوداً على المساعدات العسكرية.

وقال عمرو عبد العاطي، الباحث المختص في الشؤون الأميركية، إن المساعدات العسكرية مرتبطة بقرار من الكونغرس الأميركي في إطار طبيعة النظام السياسي القائم على الرقابة والتوازن بين السلطات، وتضع واشنطن شروطها الخاصة بمنح المساعدات كلها أو جزء منها، استناداً إلى الرؤية المثالية الخاصة بنشر مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتسمح بالاستثناءات وفق الرؤية البراغماتية التي تسمح لوزير الخارجية الأميركي بتقديم خطاب إلى الكونغرس لاستثناء بعض الحالات من الالتزام بالمشروطية، حتى لا تتأثر مصالح الولايات المتحدة في ضوء مبررات معينة، وعادة يجري القبول بها وتمرير المساعدات المحجوبة.

وأشار عبد العاطي إلى خضوع المساعدات العسكرية لعدة قوانين مثل "قوانين ليهي" نسبة إلى السيناتور باتريك ليهي، التي تحظر على وزارتي الخارجية والدفاع تقديم الدعم لقوات أجنبية تنتهك حقوق الإنسان مع الإفلات من العقاب، وكذلك قانون "قيصر" لحماية المدنيين في سوريا الذي يستهدف حلفاء الحكومة السورية والتعاون الاقتصادي معها في إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة، وقانون "كاتسا"، الذي يستهدف التعاون العسكري مع خصوم واشنطن، وجرى إقرارهما خلال رئاسة ترمب، وبإمكانهما التأثير في التعاون مع بعض حلفاء الولايات المتحدة مثل تركيا لشرائها منظومة "أس - 400" من روسيا، أو مصر التي طلبت هذا الأسبوع إعفاء من قانون قيصر من أجل بدء توريد الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر سوريا.

وأوضح الباحث أنه على مدار تاريخ المساعدات يجري التراجع كثيراً عن الشروط الخاصة بالمعونة والصفقات العسكرية، لا سيما مع توافر بدائل للأسلحة الأميركية من جانب دول لا تفرض تلك الشروط، مثل الصين وروسيا، واتجاه معظم حلفاء واشنطن في المنطقة إلى تنويع مصادر التسليح.

المزيد من تقارير