Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العاصفة "هبة" ترفع درجة حرارة السخرية في مصر

موجات من التنكيت على ما حملته من صقيع وأمطار وغضب نسائي من اسمها

واجه المصريون موجة الطقس السيئ بالتنكيت والسخرية (أ ف ب)

يتمنّى كثيرون أن تكون "هبة" أحنّ من "فيفي"، وألطف من "سالي"، وأرق من "لورا". لكن العبرة تبقى بتلك الانتفاضة الأولى من الفراش، والتوجه إلى النافذة لمعرفة نوايا "هبة" التي ملأت السمع والبصر والأثير على مدار ساعات مضت، وهو الملء الذي كاد يغطي على "منى"، ويجتاح "نشأت"، ويقضى بالضربة القاضية على قطع الملابس المنشورة على ملايين من أحبال الغسيل في الشرفات المصرية.

المصريون بالغو الحساسية تجاه ظروف الطقس الشتوية، وحين تصل الأمور إلى درجة الأمطار الشديدة أو العواصف العتيدة أو الأعاصير الغليظة، فإن الحساسية تكون مفرطة، والمخاوف تصبح طاغية، والتحسُّبات تدخل في خانة الطوارئ الضارية.

احتمالات الضرر

احتمالات التضرر ومخاوف التأثر وتقديرات التأذي من "هبة" وصلت إلى أقصاها. وحتى قبل صدور القرارات الرسمية بتعطيل الدراسة في بعض المحافظات أو السماح لموظفين في عدد من القطاعات بأن يكون اليوم عطلة غير محسوبة ضمن الإجازة السنوية، كانت الجموع الحاشدة اتخذت عدّتها، وقررت البقاء في البيوت، تحسباً لـ "هبة" ونواياها، ما كشفت عنه الأرصاد وما كتمت.

لم يكتم كثيرون دهشتهم، التي لا تخلو من سخرية من اسم "هبة"، التي هبّت هبوباً شديداً على ربوع مصر. وساعد في تأجيج الدهشة وتشجيع السخرية وموجات التنكيت على العاصفة المصحوبة بصقيع وأمطار التزام الملايين بيوتهم خوفاً من "هبة". توافر الوقت والجهد والمزاج لصب النكات عليها، وعلى قريناتها اللاتي جرى نعتها جميعاً بأنها "ليست أسماء على مسمّى".

لا عشوائية ولا مزاج

مسميات العواصف والأعاصير ليست عشوائية أو بحسب المزاج. وبحسب قواعد منظمة الأرصاد الجوية العالمية، بدأت تسمية العواصف بأسماء بديلاً عن الأرقام والمفردات العلمية قبل أعوام كثيرة للمساعدة في التعرف إليها في رسائل التحذير الموجهة للمواطنين. فقد وجد علماء الأرصاد أن الأسماء أسهل في التذكر من الأرقام والمفردات التي لا يفهمها سوى المتخصصين.

في البداية، كان يجري إطلاق أسماء على العواصف والأعاصير بطريقة عشوائية. ثم شهد منتصف القرن العشرين بداية إطلاق أسماء نسائية عليها، واستمر ذلك مع التوجه إلى اتباع الترتيب الأبجدي في اختيار الأسماء، إذ ظلت أسماء النساء تهيمن على العواصف والأعاصير.

ويبدو أن ذلك أغضب كثيرات، لا سيما في ظل الآثار المدمرة والعواقب السيئة لهذه الظواهر الجوية، وهو ما ساعد على بدء استخدام أسماء الذكور جنباً إلى جنب مع النساء، وإن ظلّت أسماء الذكور حكراً على عواصف وأعاصير نصف الكرة الجنوبي، والإبقاء على النساء في نصف الكرة الشمالي.

وشهد عام 1979 خطوة على طريق المساواة، إذ أصبحت الأسماء تطلق على العواصف بالتناوب، فهذا إعصار رجالي، وتلك عاصفة نسائية، وهلم جرا.

وصمة العاصفة

رأفت "منظمة الأرصاد العالمية" بحال الرجال والنساء المتوقع تضررهم نفسياً أو وقوعهم تحت طائلة النظرات اللائمة أو الوصمات القاتلة، بسبب تطابق أسمائهم مع أعاصير وعواصف يُتوقع أن تكون مدمرة.

وتجري مناقشة هذا الأمر في الاجتماع السنوي للمنظمة، إذ يقرر الأعضاء شطب الاسم وإطلاق آخر حماية لحامليه من البشر. وتحوي قائمة الأسماء السيئة السمعة التي عانى أصحابها كثيراً قبل قرار المنظمة الإنساني، أسماء مثل "إيرما" و"ماريا" و"هايان" و"ساندي" وغيرها.

واليوم، وجدت كل من تحمل اسم "هبة" في مصر نفسها لا تقف فقط في مهب الرياح العاتية، إذ سرعات شديدة وأمطار غزيرة وحرارة بالغة الانخفاض، بل وجدن أنفسهن عرضة للقيل والقال والسخرية اللاذعة والتنكيت الضاري.

سرعة الرياح التي وصلت إلى 70 كيلو متر في الساعة على البحر المتوسط، و60 كيلو متر في الساعة على البحر الأحمر، ودرجات الحرارة الآخذة في الانخفاض، والأمطار المستمرة في الهطول جميعها يرفع راية "هبة"، وهبة منها بريئة.

"هبة" تضرب مصر

وبين "هبة تضرب مصر" و"عمال الدليفري يتحدون هبة"، و"توقعات الطرق في ظل هبة"، و"بورسعيد تتحدى هبة"، و"القاهرة في قبضة هبة"، و"الإسكندرية تتأهب لهبة"، و"هبة ترعب الجميع لكن من يردع هبة؟"، وغيرها عناوين أخبار ضربت أثير الإعلام تزامناً وضرب العاصفة "هبة" أرجاء البلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تنكيت ضارٍ وسخرية لاذعة تتعرّض لها "هبات" مصر، ومن قبلها "هبات" لبنان، حيث مرّت العاصفة قبل أسبوع قبل أن تصل إلى مصر. الغريب أن مسؤولين في هيئة الأرصاد الجوية المصرية يشيرون في لقاءات إعلامية متكررة إلى أن العواصف والأعاصير يطلق عليها أسماء نساء "لأنهن متقلبات مثل الأعاصير، وأمزجتهن غير مستقرة على حال مثل العواصف".

ونظراً إلى اختلاف الثقافات وتراوح الوعي ودرجة المعرفة بالخطوط الفاصلة الواضحة بين حس الدعابة وحس الإساءة، فإن كثيرين يرددون مسألة مزاجية النساء وتقلباتهن على اعتبار أنها واقع، ويمكن تشبيهه بـ "خفة دم" بواقع ظروف الطقس المتقلبة وأوضاع "هبة" الحالية.

إهانة النساء

وإذا كانت النكات ذات الإيحاءات المهينة للنساء يعتبرها البعض نكتة جميلة هنا، فهي مدعاة للمقاضاة والعقوبة من بعد أعوام التوعية والمعرفة هناك. ويشار في هذا الصدد إلى الناشطة النسوية الأميركية الراحلة روكسي بولتون (توفيت عام 2017)، التي يرجع إليها الفضل ليس فقط في تأسيس أول مركز للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا الاغتصاب في أميركا، لكن في شن حملات توعية أسفرت عن توقف علماء الأرصاد عن إطلاق أسماء نساء فقط على الأعاصير المدارية. وقالت جملتها الشهيرة: "أرفض بشدة الربط المستمر بيننا (النساء) وبين المصائب".

مصيبة "هبة" خفيفة ليس فقط لأن الأضرار بسيطة، لكن لأن الوعي بالربط بين أسماء النساء وكوارث الطقس والأحوال الجوية ما زال يعاني غياباً، ويرزح تحت اعتبار الربط بين النساء والزعابيب خفة ظل مقبولة، فـ"هبة هبت بزعابيبها"، و"كيدهنّ عظيم. هبة تتحدى شاهين"، و"هبة تتوعد الجميع. ليتها كانت حسنين أو محمدين" وغيرها تتعامل معها الغالبية من دون التوقف كثيراً لمناقشة شبهة وجود ما يسيء إلى النساء.

وبين النساء من اعتبرن قدوم "هبة" ربما يحمل بعض الأمل في الخروج من دائرة "منى" المفرغة، إذ هل عليها أن تعتذر أم تحتفل لمشاركتها في فيلم "أصحاب ولا أعز"؟

تصريحات كثيرة

"تصريحات ولا أكثر" هي لسان حال "هبة" في مصر، المثير أن كمّاً مذهلاً من التصريحات ضرب ملايين المصريين في عقر ديارهم التي لازموها بحثاً عن الأمان من شرور وقوع لوحة إعلانية هنا، أو سقوط فرع شجرة هناك، وأملاً في يوم إجازة هادئ تشاء الأقدار الطيبة أن يلتصق بيوم الخميس العطلة الرسمية في مناسبة عيد الشرطة، أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، وبعده الجمعة، ويليه السبت، وتكون النتيجة عطلة نهاية أسبوع بالغة الطول.

طول فترة "هبة" لم تحدد بعد، لكنها ستضرب بحنان، ويكون تأثيرها في حدود المعتاد، مدير مركز التنبؤات الجوية في هيئة الأرصاد الجوية المصرية محمود شاهين يفرّق بين هبتين، "هبة التي تضرب لبنان وتركيا وسوريا وتأثيرها عواصف هوائية وتساقط ثلوج وانخفاض كبير في درجة الحرارة. أما هبة التي تضرب مصر، فهي مجرد تداعيات لهبة الأم التي حدثت قبل ما يزيد على أسبوع".

وأضاف شاهين أن "هبة" مصر مجرد كتلة هوائية آتية من لبنان وتركيا وسوريا مروراً بالبحر المتوسط، ما يؤدي إلى انخفاض في درجات الحرارة بخاصة ليلاً.

يشار إلى أن مدينة سانت كاترين (جنوب سيناء) سجّلت ست درجات تحت الصفر نهار الأربعاء.

"هبة" جمّدت الأطراف

نهار الأربعاء وليله، تفكه المصريون كل أنواع الفكاهة، تارة على "هبة" التي جمّدت أطرافهم، وأخرى على الأرصاد التي أكدت أن "هبة لن تضرب مصر"، فضربتها وضربت من فيها، وثالثة على أسماء العواصف والأعاصير، لا سيما بعد ما اكتشف البعض أن دولاً عربية مجاورة ضربتها "بيلا" و"كارلا" و"نينا" قبل عامين.

البحث والتنقيب في شؤون العواصف والأعاصير أسفر كذلك عن عواصف "جورج" و"عمر" و"داني" التي سبق وضربت المنطقة، لكن المفاجأة هي أن "هبة" سبق وأطلت برأسها عربياً، لكن من دون أن تلفت الانتباه أو تستدعي الإجازات أو تقلّب مواجع النسويات.

المواجع الوحيدة التي شهدتها مصر تمثلت في مواجع حبل الغسيل، الذي وجد نفسه في مهب "هبة"، والسجادة المغسولة التي تُركت لتجف في شرفة الطابق الثاني، والثوم المعلق في شرفة الثالث، وشعر "مدام سعاد" الذي صففته صباح الأربعاء لدى المصفف اللبناني الشهير، وتدفع فيه مبلغاً ليس قليلاً، لكن تضربه "هبة" بأمطارها قبل أن تتمكن من الركض من باب المحل لباب السيارة.

الطريف أن البعض بدأ يطالب بإعطاء العواصف والرياح والأعاصير والزعابيب أسماء من شأنها أن تثير القلق وتزرع الوجل حتى يتخذها الناس بجدية، ولا يكتفون بأخذ إجازة فقط، وهو ما أغضب نسويات استشعرن استهانة بالعاصفة لمجرد أن اسمها "هبة".