Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما مدى الرضا التركي عن الاتفاق بين "قسد" والحكومة السورية؟

ينظر مراقبون بعين الريبة إلى تأخر رد فعل أنقرة بينما يرى آخرون أن الأمر مرتب أميركياً

أردوغان أثناء استضافته رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في القصر الرئاسي في أنقرة، الأربعاء 12 مارس الحالي (رويترز)

ملخص

وصف مراقبون إعلان الاتفاق بين "قسد" والحكومة السورية بأنه أهم حدث في سوريا بعد سقوط نظام البعث. وفي ظل ترحيب عربي ودولي واسع، تأخر التعليق التركي على الاتفاق وجاء حذراً رغم أن تركيا هي الدولة الأولى المعنية بالقضية الكردية، فيما يرى متابعون أن الاتفاق رعته واشنطن واطلعت عليه أنقرة، ورحبت به لكنها لا تزال غير متأكدة من إمكانية تطبيقه.

على مائدة إفطار رمضاني أقامها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في القصر الرئاسي بالعاصمة أنقرة، للجالية الفلسطينية في بلاده، تحدث مطولاً عن قضايا عدة أبرزها التطورات في قطاع غزة، وقبيل نهاية خطابه تطرق أردوغان إلى الاتفاق الذي تم بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بخصوص اندماج الأخيرة ضمن الدولة السورية، فقال إن "هذا الاتفاق يخدم الأمن والسلام في سوريا، ونحن نعد كل جهد لتطهير سوريا من الإرهاب خطوة في الاتجاه الصحيح. وتركيا تريد أن تنعم المنطقة كلها بالسلام والرفاه من دون أي تمييز ديني أو مذهبي أو عرقي، كما أننا نولي أهمية كبيرة لوحدة أراضي جارتنا سوريا والحفاظ على بنيتها الوحدوية وتعزيز وحدتها وتضامنها، وبإمكاننا إفساد المؤامرات وضمان مستقبلنا بقدر ما نعلي من إخوتنا كعرب وأتراك وأكراد".
المباركة التي أرسلها أردوغان للاتفاق الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، جاءت بعد نحو 24 ساعة من الحدث الذي وصف بأنه أهم حدث تشهده سوريا منذ سقوط نظام البعث في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، فأعلنت الرئاسة السورية، بصورة مفاجئة، توقيع اتفاق "يقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تأكيد وحدة الأراضي السورية ورفض أي محاولات للتقسيم".
وتضمن الاتفاق ثمانية بنود رئيسة، أبرزها ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل السياسي والمشاركة في مؤسسات الدولة بناءً على الكفاءة، والاعتراف بالمجتمع الكردي كمكون أصيل في الدولة السورية وضمان حقوقه الدستورية والمواطنة. كما شمل الاتفاق وقفاً لإطلاق النار على كل الأراضي السورية، ودمج كل المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما يشمل المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز، وضمان عودة جميع المهجرين السوريين إلى مناطقهم مع توفير الحماية اللازمة لهم.

ترحيب واسع وتريث تركي

بعد إعلان الاتفاق على الفور عمت التظاهرات مناطق عدة في سوريا احتفالاً بالإعلان، وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لخريطة سوريا لونها أخضر بالكامل، في إشارة إلى وحدة البلاد.
الاحتفال الشعبي تزامن مع رسائل وبيانات عربية وإقليمية ودولية، مرحبة بالاتفاق، ومثنية على ما وصف بـ"الجهود المبذولة لتوحيد سوريا"، إلا أن اللاعب الأقوى بالملف السوري غاب عن الحدث لساعات.
من جهتها تركيا، الدولة الأولى المعنية بالقضية الكردية في سوريا، سبق وشنت عمليات عسكرية عدة في سوريا لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني وفق ما تدعي. كما تعد أنقرة "قسد" أحد التنظيمات "الإرهابية". ورغم أن الاتفاق بين "قسد" ودمشق ينعكس مباشرة على تركيا، فإن المسؤولين الأتراك كانوا حذرين للغاية في التعاطي مع الملف، وتأخروا في إعلان موقفهم الرسمي، مما أثار تساؤلات حول مدى رضا تركيا عن هذا الاتفاق، وإذا ما كانت أنقرة ستدعم تطبيقه.


تركيا غير راضية

رئيس تحرير صحيفة "اندبندنت تركية" محمد زاهد غول، قال إن "تركيا هي الطرف المعني الأول بالاتفاق بين قسد والحكومة السورية، ورغم ذلك لم يصدر أي تعليق رسمي إلا بعد مضي نحو 24 ساعة على الحدث الذي يعد أهم حدث بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، فبعد توقيع الاتفاق مباشرة صدرت بيانات من دول عدة حول العالم، سواء من العالم العربي أو المجتمعين الإقليمي والدولي، فيما تأخر التعليق التركي، وهذا أحد مؤشرات عدم رضا تركيا عن هذه الاتفاقية".

هل تتنافى الوحدة مع الفيدرالية؟

ويضيف زاهد غول في حديثه إلى  "اندبندنت عربية" أن "الأكراد السوريين هم المستفيد الأول من مثل هكذا اتفاقية. مظلوم عبدي لم يظهر مع أحمد الشرع كخاسر. ومن جانب آخر الحل الوحيد لقضية الأكراد في سوريا هو الاندماج بالدولة السورية على أساس المواطنة، كما أن مثل هذا الاتفاق بطبيعة الحال تم برعاية أميركية كاملة، وهذا قد يؤشر إلى انسحاب محتمل للقوات الأميركية من شمال شرقي سوريا. ربما عارضت أنقرة هذه الخطوة ولم تباركها لكنها لم تقف بوجهها، ويمكننا القول إن هذه الخطوة سحبت المبررات التركية لمهاجمة قسد. وصحيح أن هذا الاتفاق ينص على وحدة التراب السوري، لكن مفهوم الفيدرالية لا يتنافى مع الوحدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تلويح بالبندقية

لا يتفق الباحث السياسي التركي فراس رضوان أوغلو مع زاهد غول، فيقول "بصورة مبدئية الاتفاق مريح، بمعنى أن قسد تخلت عن فكرة الاستقلالية، لذلك تركيا قالت إن هذا الاتفاق مهم لحقن الدماء بصورة عامة في سوريا. وربما مثل هذه الخطوة جعلت تركيا أكثر ارتياحاً بحيث لم تعد هناك أفكار انفصالية، لأن مثل هذه الأفكار كانت تتسبب في التحرك العسكري التركي. الآن موضوع الانفصال بدأ يتلاشى، ورغم التصريحات التركية بأن العمليات العسكرية ستستمر ضد المسلحين، وهذا شيء طبيعي لأنه إلى الآن لا يزال حزب العمال الكردستاني يتحرك بسلاحه هناك، لذلك تفرض تركيا نفسها كأنها قوة متأهبة، وهي الطرف الأقوى والأكبر في هذه المعادلة بصورة عامة". ويضيف رضوان أوغلو "ومع ذلك يبقى التهديد العسكري ضاغط على قسد وغيرها من التنظيمات الكردية المسلحة التي تهدد الأمن التركي، بمعنى آخر سيبقى الجيش التركي في حال تأهب حتى تنتهي مسألة السلاح بصورة كاملة، ومسألة وجود حزب العمال الكردستاني في قسد، إذ إن هناك ما بين 2000 و3 آلاف مقاتل من العمال الكردستاني في صفوف "قسد"، ولا يزال هؤلاء موجودين في شمال شرقي سوريا، ولذا يبقى التهديد العسكري قائماً بهدف الضغط، وليس من أجل الإفشال، أي إن أنقرة تهدد عسكرياً من أجل الضغط على قسد وغيرها للالتزام، ولا أعتقد أن الأتراك يريدون عرقلة هذا الاتفاق، بل على العكس تماماً فهو مقبول جداً، ولا يمكن أن نتصور أن مثل هذا الاتفاق تم من دون علم الاستخبارات التركية، وما تنتظره أنقرة اليوم هو كيفية تطبيق هذه الاتفاقية لأن التطبيق هو الأصعب".

عوائق أمام الرضا التركي على الاتفاق

من جانب آخر يرى الصحافي التركي عبدالجبار جواش، أن "تريث الموقف الرسمي التركي في إصدار أي موقف بعد توقيع الاتفاق، هو مؤشر إلى قلق لا يزال موجوداً لدى صانع القرار حيال حيثيات الاتفاق ومدى الجدية في تطبيقه. ثم صدرت لاحقاً تصريحات عن مسؤولين أتراك رحبت بالاتفاق من دون يقين تام بأنه سيحقق متطلبات أنقرة لأمنها القومي، التي تتمثل في حل قسد وخروج العناصر الأجنبية من حزب العمال الكردستاني". ويضيف أنه "لا وجود على الأرض لأي مؤشرات إلى ذلك، لذا ستبقى أنقرة تراقب بحذر ما يجري في شمال شرقي سوريا ومتابعة المفاوضات وما يدور في خواطر واشنطن، لأن المنطقة مرتبطة ارتباطاً عضوياً بوجود القواعد الأميركية فيها، ومع ذلك لا تزال كل الخيارات مطروحة على طاولة أنقرة بما فيها تلك التي تستدعي القوة".

قرار القوة المهيمنة

رئيس إدارة الاستخبارات الجوية التركية السابق غورسيل توكماك أوغلو، صرح لـ"اندبندنت عربية"، بأن "القوة المهيمنة هي الولايات المتحدة، وهذا سبب كاف لإحداث أي تغيير، إن لواشنطن عدة أهداف في المنطقة، أولها حماية إسرائيل وتسهيل تحقيق أهدافها، وضمان الخروج الكامل لإيران من المنطقة ووقف أنشطة الجماعات المسلحة التي تنضوي تحت ما يسمى محور المقاومة، إضافة إلى ضمان السيطرة على مصادر الطاقة وخطوط النقل الرئيسة". ويضيف توكماك أوغلو، أنه "تم الحديث أخيراً عن نية الرئيس الأميركي دونالد ترمب سحب قوات بلاده من سوريا، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة فإنها عندما تغادر منطقة لا تتركها من دون ترتيبات، لذلك وجه ترمب أوامره للقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، بإعداد تقرير حول الوضع، ولهذا أجرى قائد سنتكوم الجنرال مايكل كوريلا أخيراً جولة في المنطقة شملت أهم القوى الفاعلة والدول المعنية، فزار إسرائيل والعراق وسوريا، كما أجرى زيارة للسعودية قبل عودته إلى واشنطن لتقديم تقريره النهائي".

وتابع المسؤول التركي السابق، أن "كوريلا عاد إلى سوريا مجدداً للدفع باتجاه توقيع الاتفاق، فهو التقى قائد قسد، مظلوم عبدي في الصباح، وفي مساء ذات اليوم تم توقيع الاتفاق، وما يمكننا أن نقرؤه من ذلك هو أن الولايات المتحدة ستنسحب من سوريا، أما قتال تنظيم داعش فسيستمر بضمانات تركية، ومن جانب آخر فإن هذا الاتفاق يتماشى مع الرسالة التي وجهها أخيراً زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، وبالنتيجة بعد هذا الاتفاق لن يعود هناك شيء يسمى قسد".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات