Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأزمة الأوكرانية وتناقض القيم والمفاهيم

يبقى الخيار الرشيد الوحيد للخروج من الأزمة أن تصبح كييف دولة محايدة على غرار سويسرا

بينما تحتفل أوكرانيا بالذكرى 103 لتوحيد شرق وغرب البلاد فإن الغزو الروسي أصبح قريباً منها (أ ف ب)

يعكس الصراع الجاري حالياً حول أوكرانيا دلالات بالغة الأهمية في كيفية تناقض قيم ومفاهيم أساسية، فيُطرح على الطاولة عدد لا يستهان به من هذه المفاهيم، من بينها مدى احترام قواعد الأمن القومي لأطراف أخرى، ومصداقية الوعود والتعهدات الدولية، وكذا قيمة أو مبدأ حق الشعوب في تحديد خياراتها ومصالحها الخارجية.

وتفاصيل الفصول الأخيرة معروفة، من أهمها الاجتماعات، أو المفاوضات الأميركية الروسية الأخيرة، التي عُقدت على مستوى نائبي وزير الخارجية في مقر البعثة الأميركية في جنيف، وصدرت بشأنها تصريحات سلبية من الجانبين تشير إلى تعثر الوصول إلى اتفاق، ومحاولات التواصل بين الجانبين بعد ذلك، التي لم تنجح حتى الآن.

المنظور الروسي

يستند المنظور الروسي إلى منطق بالغ الوضوح، وينطلق من رفض كامل للسلوك الغربي والأميركي بشكل خاص في تهديد أمن روسيا، والتراجع عن الوعود التي تلت انحلال الاتحاد السوفياتي واستقلال كثير من مكوناته، وعلى رأسها أوكرانيا، الجارة اللصيقة لروسيا، التي كانت جزءاً من إمبراطوريتها حتى سابقاً على الاتحاد السوفياتي، التي تربطها صلات وروابط اجتماعية وعائلية تاريخية.

كما تضم قرابة عشر ملايين روسي لاجئ، فضلاً عن مناطق تعيش فيها أغلبية روسية تاريخياً، كان ملخص ترتيبات غورباتشوف وبوش الأب آنذاك الاتفاق على عدم انضمام أوكرانيا إلى أي تكتل مضاد لموسكو، وفي ذلك الوقت كانت بعض التكهنات والأحلام تتحدث عن احتمال تفكيك حلف الأطلنطي ذاته، وانتفاء أسباب وجوده وأي تهديدات حقيقية للغرب والولايات المتحدة خصوصاً.

لكن، ما حدث بعد ذلك كان العكس تماماً، فلم ينضم عدد من دول حلف وارسو إلى الاتحاد الأوروبي وحده، بل أيضاً للناتو، ثم كان انضمام دول البلطيق الثلاث: أستونيا وليتوانيا ولاتفيا، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق، لترسل جرس الإنذار إلى موسكو، التي كان بوتين قد وصل إلى الحكم فيها.

وبعد ذلك جاء الحديث عن انضمام جورجيا وأوكرانيا التي لم تكن موسكو يمكنها التسامح فيه، ومن ثم غزت جورجيا، وبعد تطورات معقدة جاء دور أوكرانيا لتغزو روسيا شبه جزيرة القرم، وتفرض سيطرتها عليها في 2014. هنا تعيد روسيا قصة أن هذه المنطقة كانت جزءاً من روسيا التاريخية، ونقل خروتشوف إدارتها لأوكرانيا.

وفي الحقيقة، من الصعب المجادلة في حجم الروابط الروسية الأوكرانية تاريخياً، التي أشرنا إلى بعض أبعادها منذ قليل، مهم أيضاً تذكر أهمية ووضعية أوكرانيا في الاتحاد السوفياتي السابق، فقد كانت الكتلة السكانية التالية للجمهورية الروسية، وأكبر موطن للإنتاج الزراعي والصناعي في هذه الإمبراطورية، وكانت تحتفظ بجزء مهم من الترسانة النووية، فضلاً عن أسطول البحر الأسود، وربط كل هذه العوامل، فضلاً عن التلاصق الجغرافي والتداخل السكاني.

كما سبق يعنى في قول واحد رسالة استهتار واستهانة غربية بمجرد طرح مسألة انضمامها إلى حلف الأطلنطي. وكما هو معروف بعد تصاعد الاستفزازات وتزايد تباعد الحكومة الحالية عن الولاء لموسكو خلافاً لحكومات سابقة جاءت التهديدات والحشد العسكري الروسي، الذي قارب المئة ألف جندي، وبشكل أخطر من حشود سابقة في بدايات العام الماضية بررتها موسكو بأنها تدريبات حدودية آنذاك.

وفي جميع الأحوال، ما هو مطروح عند الجانب أو المنظور الروسي تحركات لأوكرانيا والغرب تهدد الأمن القومي لموسكو، وتداعٍ متواصل لانتهاك غربي وأميركي لوعود سابقة في لحظات مفصلية عند انهيار الإمبراطورية السوفياتية، وفي كل هذا المشهد صورة لعدوانية واشنطن، وتهديد لموسكو وعدم احترام ووفاء بتعهدات وعهود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المنظور الآخر

والمقصود هنا ليس المنظور الغربي وحده، بل أيضاً وبالأساس الأوكراني، فمن دون شك هناك حق سيادي للدول في عمل تحالفاتها وروابطها الخارجية، وهنا فإن رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى حلف الأطلنطي والاتحاد الأوروبي أسوة بجمهوريات سوفياتية سابقة، وهى جمهوريات البلطيق سابقة الذكر، وأعضاء سابقين في حلف وارسو مثل بولندا والمجر وسلوفاكيا يندرج في هذا الإطار العام.

وهنا نشير إلى أن هذه النوايا لم تكن مطروحة في بداية تحلل الاتحاد السوفياتي السابق، وخروج أحد أكبر وأهم مكوناته إن لم تكن المكون الأكثر أهمية تاريخياً وسياسياً، أي أوكرانيا، فخلال السنوات التالية لاستقلالها كانت هناك حكومات وثيقة الصلة بموسكو حتى جاء الرئيس الحالي لتتعقد الأمور، لكن يظل من وجهة نظر قيم سيادية أساسية فإن هذا حق أساس للدولة الأوكرانية.

ومن وجهة نظر غربية، فإن حقيقة الأمر واضحة هي كيفية محاصرة روسيا، ونموذجها السياسي، على الرغم من اختفاء الشيوعية وتهديداتها، فإن البعض ينظر إلى القوة العسكرية الروسية ولسياسات الرئيس بوتين كمهدد للمصالح الغربية، ويتصاعد هذا الحديث مع العودة الملحوظة لتدخلات وأدوار موسكو الخارجية، سواء في محيطها الجغرافي الأوروبي والآسيوي أو في الشرق الأوسط.

الصورة الأشمل

لكي تتضح الصورة الأشمل والموضوعية يجب الأخذ في الاعتبار أمرين، الأول، هو معضلة جيرة القوى العسكرية الكبرى التي يجب تفهمها، حتى لو كان هناك تداخل عائلي وتاريخي بين أطراف هذه الجيرة، وحيث يؤدي هذا النوع من الجيرة إلى رسوخ مشاعر عدم الأمن والتهديد الدائم. ولعلنا نذكر النكتة المكسيكية حول سوء حظ هذه البلاد بأن تكون الولايات المتحدة جارها الشمالي والأساسي.

وفي المجمل يضع هذا الوضع هؤلاء الجيران في اتجاه تبني سياسات ملائمة ضرورية، لضمان تجنب تهديد الأمن والمخاطر المستقبلية، ففي حالة المكسيك على الرغم من كثرة الخلافات والتباينات فليس من المطروح أن تتحالف مع خصوم الولايات المتحدة، وفي زمن ماض اختارت سويسرا خياراً رشيداً بين تنافسات جيرانها الأقوياء، بخاصة ألمانيا وفرنسا وحتى إيطاليا، بتطبيق صارم لسياسة الحياد، وقبله الآخرون، ووثقوا في هذا الحياد، واستفادت منه جميع الأطراف كذلك.

الاعتبار الثاني هو دروس كيفية التعامل مع المهزومين، فقد هزم الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة ضد الغرب، لكن الأخير لم يطبق الدرس، الذي صدع به كتابات التاريخ والعلوم السياسية الغربية ذاتها، حول تجنب تكرار أخطاء الحرب العالمية الأولى، وما أسفرت عنه من إذلال لألمانيا وحلفائها ودفعهم إلى الانتقام.

واللافت للانتباه شيوع تعبيرات إنه (أي بوتين) جاء لينتقم، سواء في الإعلام الغربي أو في الإعلام الدولي، بينما مجمل المواجهة الحالية دفع روسيا إلى مزيد من الرغبة في الانتقام والتشكك في نوايا الغرب.

وحتى الآن فشلت جهود احتواء التصعيد، وأصبح العالم على شفا مواجهة خطيرة، وبدا طرح السيناريوهات التي تتعامل مع مواقف يبدو فيها إصرار الطرفين على أقصى مواقف متشددة ممكنة، ما بين رغبة القائد الروسي في إعادة طرح كل ما يعتبره تجاوزات غربية وتهديد لأمن بلاده فيما يتعلق بانضمام مكونات بلاده السابقة لحلف الأطلنطي وما بين رغبة واشنطن في تركيز الحوار حول التدخلات الروسية الأخيرة، بل وإجبار موسكو على قبول حق أوكرانيا في الالتحاق بالمعسكر الغربي في مباراة تبدو صفرية ومستحيلة في آنٍ واحد بالنسبة لموسكو.

وفي كل هذا يبقى الخيار الرشيد الوحيد للخروج من هذا المأزق، ولتحسين فرص واشنطن في تنافسها مع الصين أن تصبح أوكرانيا دولة محايدة بالفعل على غرار سويسرا، على أن يكون هذا في صفقة تقبل فيها موسكو ترتيبات اقتصادية خاصة لكييف مع الاتحاد الأوروبي، وكذا حقها في نظام سياسي بإرادة شعبها وحده.

المزيد من تحلیل