Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ميشال ويلبيك يتخيل فرنسا 2027 في اضطراب وجودي

رواية "إبادة" صنعت حدثاً أدبياً وسياسياً غداة صدورها وموضوعاها الحب والارتداد الكاثوليكي

الروائي الفرنسي المثير للجدل ميشال ويلبيك (صفحة الكاتب على فيسبوك)

بدت رواية "إبادة"، قبل وصولها إلى المكتبات، الحدث الأدبي في فرنسا مطلع هذا العام. إنها الرواية الثامنة والجديدة للكاتب ميشال ويلبيك، الظاهرة الأكثر إثارة للجدل في الأدب الفرنسي الراهن، والروائي الفرنسي الأكثر قراءة في العالم، والمثقف الذي ما برح يعبر -سياسياً- من اليسار إلى اليمين، ومن اليمين إلى اليسار، لا لشيء سوى لإرضاء نزعته التحريضية.

في هذه الرواية الضخمة (736 صفحة) التي صدرت حديثاً عن دار "فلاماريون" الباريسية، يبقى ويلبيك إلى حد ما وفياً لذاته، أو بالأحرى للشخصية الأدبية التي ارتدى هندامها منذ بداية مسيرته الكتابية التي كانت مع قصائد مشحونة بالاكتئاب. ونقول "إلى حد ما" لأن مناخ الاكتئاب الذي يظلل نثر هذه الرواية تقابله، للمرة الأولى في نصوص هذا الكاتب، سعادة ممكنة، مفتاحها الحب، ولأن هذا العمل يتحلى، مثل سائر أعمال ويلبيك السابقة، بجوانب مختلفة وحبكات متعددة تشكل ميزة كتابته.

وفعلاً، في "إبادة" ثمة قصة حب نتابع تطوراتها بموازاة موضوعات لا تحصى مقاربة بشكل استطرادي، كالوضع السياسي في فرنسا عام 2027 الذي تدور خلاله أحداث الرواية، والإرهاب الرقمي، والروابط العائلية، ومحنة الشيخوخة واقتراب المنية، والإنجاب عن طريق أم بديلة، وعمل جهاز الاستخبارات الداخلية الفرنسي، والكاتب والصحافي اليميني المتطرف إيريك زمور، والتحري الخاص شرلوك هولمز... من دون أن ننسى وزير اقتصاد خرافي يدعى برونو جوج لا يستحضر باسمه فقط صديق الكاتب، الوزير الحالي في حكومة ماكرون، برونو لو مير.

قطع رأس الوزير

أحداث الرواية تنطلق بفيديو يصور عملية قطع رأس الوزير المذكور، ومحاولة الاستخبارات الفرنسية، من خلال دراستها هذا الفيديو المزور، التعرف إلى هوية الجهة الإرهابية التي تقف خلفه؛ جهة لا تلبث أن تفجر سفينة شحن وتضرم النار في مستودع تخزين سوائل منوية، وتهدد بقتل أرباب عمل كبار مجتمعين في جزيرة كرواتية، ما يجند جميع أجهزة الاستخبارات في العالم للقضاء عليها، لكن من دون نتيجة، لأن التوقيع السياسي لهذه الهجمات يبدو تارة ليمينيين متطرفين، وطوراً لناشطين بيئويين راديكاليين، وحيناً لعبدة الشيطان. وقبل أن يعرف القارئ أي أمر عن هذه المجموعة الإرهابية ومآل التحقيقات حولها، تقفز الرواية به إلى قصة بول ريزون، بطلها المضاد، الذي يعمل موظفاً كبيرا في وزارة الإقتصاد والمال، مثله مثل زوجته برودنس التي باتت علاقته بها مجرد علاقة مهذبة بين جارين يتشاركان المنزل نفسه. ولأنه مقرب من الوزير برونو جوج، لا يتردد في الإفشاء له بأسرار تتعلق بحياته الشخصية، ومنها توقفه عن معاشرة زوجته، علماً أن بول يرى أنها امرأة مثيرة. وبما أن والده، المسؤول السابق في مديرية الأمن الداخلي، يتعرض لسكتة دماغية، يتردد بول على المستشفى الذي نقل إليه، حيث يلتقي بشقيقته سيسيل التي لم يرها منذ عشر سنوات، وبرفيقة درب والده مادلين التي تسهر على راحة حبيبها برقة وتفان.

ولأن بول، مثل ويلبيك، يكره مرافق الإقامة المخصصة لكبار السن الذين باتوا عاجزين عن الاهتمام بأنفسهم، ويعتبرها أماكن لتسريع موتهم، يوكل شقيقته بمهمة تجنيب والدهما هذه النهاية، فتسوي الأمر بمساعدة زوجها، وهو كاتب عدل عاطل من العمل، وله معارف ينتمون إلى مجموعة "الجبهة الهوياتية" اليمينية المتطرفة.

جو ديستوبي

في "إبادة" التي تحط أحداثها بنا في عام 2027، وتتحلى إذاً بجانب ديستوبي، يبدو اقتصاد فرنسا في حالة جيدة، والفضل في ذلك يعود بشكل رئيس إلى الوزير لو جوج الذي أعاد تشغيل المصانع، ما وفر فرص عمل كثيرة، وإن برواتب منخفضة جداً. وبما أن البلد على أبواب انتخابات رئاسية، ورئيس الجمهورية (الذي يشبه إلى حد بعيد ماكرون) غير قادر دستورياً على الترشح لولاية ثالثة على التوالي، تبدو فرص لو جوج كبيرة في كسب هذه الانتخابات. لكن بدلاً من دعم وزيره الشعبي، يدعم الرئيس ترشيح بنجامين سيرفاتي، وهو مقدم برامج تلفزيونية شهير، ما يضمن انتخابه وحفظه كرسي الرئاسة ساخناً للرئيس كي يعود إلى قصر الإليزيه في عام 2032.

عادةً، أبطال ويلبيك دائماً غارقون في الحزن والاكتئاب. أما بول ريزون فيشذ عن هذه القاعدة لإيمانه المفاجئ بالحب واشتعال مشاعره مجدداً تجاه زوجته برودانس، وتجاه أخته الكاثوليكية سيسيل، وحتى تجاه والده. شخصية تسمح للكاتب باقتراح حلين لمشكلة "انهيار الحضارة الغربية" التي قاربها بشكل ثابت في رواياته السابقة، والحاضرة في روايته الجديدة: الحب والله، متابعاً بذلك انحرافه في اتجاه تصوف كاثوليكي يشكل خيطاً أحمر يعبر رواياته الأخيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن هذا لا يعني أن "إبادة" رواية بسيطة وسهلة القراءة، فلمطالعتها يتوجب التسلح بكثير من الصبر، ليس فقط لغزارة صفحاتها، بل أيضاً لأن صاحبها لا يبذل أي جهد داخلها لتسهيل عبورها. فبدلاً من تشييد سردية بحد أدنى من التماسك في حبكتها وتطوراتها، نراه، كعادته، يقفز من شخصية إلى أخرى، ملقياً في كل مرة على كل منها نظرة العالم الباردة، وواضعاً "عدسته" داخلها بغية التقاط أفكارها الحميمية التي لا تجرؤ على البوح بها، ومغتنماً كل موقف من مواقفها للتأمل فيه، واستطراداً، في موضوعات مختلفة.

لكن بخلاف رواياته السابقة التي تتحلى بعمق لا نقاش فيه، تلتصق "إبادة" في موضوعاتها بالأخبار اليومية الأكثر عادية من دون أن تنجح حتى في أن تنقل إلينا، من خلالها، روح زمننا. فسواء تعلق الأمر بالحملة الانتخابية الحالية في فرنسا، أو بسيكولوجيا الجيل المولود بين عامي 1943 و1966، أو بعملية نقل التكنولوجيات، أو بالإرهابي النرويجي بريفيك، أو بالعزلة داخل المدن، أو بالفاشية البيئوية، أو بقانون الميراث، أو بالحرب التجارية بين أميركا والصين، أو بالتقنيات الحيوية، أو بالقتل الرحيم... يتملك قارئ الرواية غالباً الانطباع بأنه أمام نشرة أخبار تلفزيونية لا يقدم مذيعها أي تحليل جديد فيها، بل يكتفي بسردها، معلقاً من حين إلى آخر عليها بطريقة "سينيكية" ساخرة تعكس استخفافه بـ"المستمعين" إليه. استخفافاً يجعله يقول في لحظة ما "لا يمكننا أن نتخيل كم أن حياة الناس تافهة"!

تبقى لغة ويلبيك، المكثفة عادةً والمصوغة بإحكام، بجملها الطويلة التي تتبع في تمددها حبل أفكاره، والتي تستحق أن نقرأ من أجلها فقط رواياته. لكن هنا أيضاً، تنتظر قارئ "إبادة" خيبة من لغتها المسطحة والتقليدية إلى حد تنافس فيه الاستطرادات الغزيرة التي تسيرها ولا نرى داعياً آخر لها سوى الثرثرة وتسجيل مواقف رجعية شائعة.

المزيد من ثقافة