Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دعوة عون للحوار تترنح وتحجب الشلل الحكومي

"حزب الله" وحلفاؤه يتجاوبون مع الرئاسة والمعارضون يرفضونها "لتعويم" العهد وتكرار تجربتي 2006 و2012

اجتماعات معلقة على الرغم من الحاجة لاتخاذ قرارات تسمح بوقف التدهور السريع في سعر صرف الليرة اللبنانية (أ ف ب)

لا يتوقف الفرقاء المتصارعون في لبنان عن تبادل اللكمات في لعبة التجاذب الجهنمية التي لا تصيب أياً منهم بالخسائر، بل تؤدي إلى مزيد من الإصابات "لجمهور" اللبنانيين الذي تصيبه الضربات كل يوم، في انتظار أن تقضي عليه الضربة القاضية بحصول الارتطام الكبير في الوضع الاقتصادي والمالي.

فلا المخارج لإنهاء تعطيل جلسات مجلس الوزراء من قبل ثنائي "حزب الله" – حركة "أمل" وجدت طريقها إلى التنفيذ، فبقيت اجتماعاته معلقة على الرغم من إلحاح الحاجة إلى اتخاذه قرارات تسمح بوقف التدهور السريع في سعر صرف الليرة اللبنانية، إذ بلغ سعر الدولار الأميركي أكثر من 31 ألف ليرة في 10 يناير (كانون الثاني). ولا دعوة رئيس الجمهورية ميشال عون إلى الحوار حول عناوين محددة، لقيت تجاوباً من قوى سياسية معارضة، لاعتبار بعضها أن هدف الفريق الرئاسي من هذه الدعوة تعويمه مقابل الوهن الذي أصابه، وشبه العزلة التي بات يعانيها نتيجة عوامل عدة، أبرزها تغطيته سياسات "حزب الله" الخارجية وتدخلاته الإقليمية التي بدأ يعترض عليها شكلاً، إثر الأزمة السياسية مع دول الخليج وخصوصاً السعودية.

شلل الحكومة والموازنة وصندوق النقد

كل المبادرات التي تبدو مقدمة لإنهاء الشلل الذي يعانيه البلد لا تلبث أن تكشف أن الصراعات على السلطة والقرار متجذرة في علاقات الفرقاء، فتحبطها، بدلاً من أن تؤدي إلى مساومات تسمح بحد أدنى من المعالجات للحد من التدهور المالي والمعيشي.

بالنسبة إلى إنهاء شلل مجلس الوزراء، اعتقد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن نجاحه في إقناع الرئيس عون بتوقيع مرسوم فتح دورة استثنائية للبرلمان، الذي كان يصر عليه رئيسه نبيه بري من أجل الاحتفاظ بالمبادرة عن طريق المؤسسة التشريعية، يمكن أن يحصد "جائزة ترضية" له بموافقة "الثنائي الشيعي" على عقد جلسة حكومية من أجل مناقشة وإقرار موازنتي 2021 - 2022، اللتين يشترط صندوق النقد الدولي الانتهاء منهما قبل خوض المفاوضات الرسمية معه في النصف الثاني من يناير. وهي المفاوضات المنتظر أن تنتج نهايتها اتفاق إطار مع الصندوق قبل الانتخابات النيابية في 15 مايو (أيار) المقبل، يتيح تقديم بعض المساعدات المالية للبنان توقف التدهور على أمل استكمال الإصلاحات المالية بعد الانتخابات التشريعية وانطلاق التصحيح المالي بعد الانتخابات الرئاسية في أكتوبر (تشرين الأول). إلا أنه سرعان ما تبين أن "حزب الله" ومعه بري ليسا في وارد تقديم هذه "الهدية" لميقاتي طالما لم ينفذ شرطهما في شأن التحقيق العدلي بانفجار مرفأ بيروت، أي بفصل ملاحقة الوزراء والنواب الذين ادعى عليهم القاضي طارق بيطار، عن ملاحقته سائر الموظفين والمسؤولين الأمنيين المعنيين.

لا وقت مستقطع للحكومة

فالثنائي الشيعي يصر على أن يأخذ مجلس الوزراء قراراً بصلاحية البرلمان في ملاحقة النواب والوزراء بالاستناد إلى مادتين في الدستور، من أجل كف صلاحية القضاء العدلي عن إصدار القرارات في حقهم، كشرط لحضور الوزراء الشيعة الخمسة في أي اجتماع يدعو إليه ميقاتي. لكن الاشتباك السياسي المتواصل بين عون وصهره رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، لم يمرر فتح الدورة الاستثنائية من دون "لكمة" جديدة بسبب تحديد عون جدول أعمال المواضيع التي سيبحثها البرلمان خلال الدورة بالاستناد إلى مادة في الدستور تخوله ذلك، وشاركه ميقاتي بالتوقيع عليه، ما أثار حفيظة بري، الذي رفض تقييد البرلمان، معتبراً أنه "سيد نفسه" ولا أحد يمكنه فرض مواضيع البحث عليه.

أُحبطت آمال ميقاتي بعقد مجلس الوزراء، على أن يحاول لاحقاً تحت ضغط إلحاح صندوق الدولي على إقرار الموازنة. وراهن بعض المراقبين على نوع من "الوقت المستقطع" الذي يمكن للثنائي الشيعي أن يمنحه للحكومة، فتجتمع من دون أن يقاطعها أو يعتبر التئامها استفزازاً للطائفة، حتى لا يتهم بأنه يحول دون خطوة أكثر من ضرورية قد تساهم في وقف المسار المعيشي الانحداري. ويتسبب تعذر انعقاد مجلس الوزراء بإعاقة عدد من الأمور الضرورية، إذ إن المتعاقدين والأجراء والمياومين وغيرهم لن يتمكنوا من قبض رواتبهم وتعويضاتهم في نهاية شهر يناير، نظراً إلى حاجة وزارة المال إلى قرار بتمديد تخصيص اعتمادات لصرف هذه الرواتب.

الحوار بين التعويم والمصلحة الحزبية

إلا أن بدء الرئيس عون اتصالاته مع أقطاب السياسة اللبنانية من أجل الدعوة إلى طاولة الحوار، أراح الثنائي الشيعي لأنه أتاح حرف الأنظار عن الأخذ والرد حول اتهامه بتعطيل انعقاد مجلس الوزراء، فتصَدَّر الموقف من المشاركة في هذا الحوار من قبل الفرقاء المختلفين السجال السياسي. وفي وقت انشغلت وسائل الإعلام برصد مدى الاستجابة لدعوة عون، الذي قام بمشاورات إفرادية حولها مع الأقطاب السياسيين، باتت أولوية إقرار الموازنة في مرتبة ثانية على الرغم من اعتبارها أولوية الأولويات.

فالحوار حول النقاط الثلاث التي طرحها عون، اللامركزية الإدارية والمالية الموسّعة، الاستراتيجية الدفاعية لحماية لبنان، وخطة التعافي المالي والاقتصادي، بما فيها الإصلاحات اللازمة، شهد هو الآخر انقساماً جديداً، بنتيجة اتصالات رئيس الجمهورية مع الفرقاء. وفي وقت نصح ميقاتي عون بتأجيل الدعوة وصرف النظر عنها لأن "الوقت غير مناسب"، بعدما اقترح إضافة بند على جدول أعماله يتعلق ببحث التدخلات في شؤون الدول العربية (وهو ما أغضب "حزب الله"). كان أول الرافضين علناً لدعوة عون للحوار حزب "القوات اللبنانية"، الذي اعتبر رئيسه سمير جعجع أن لا جدوى منه وتأخر وقته، داعياً إلى التركيز على إجراء الانتخابات النيابية. وقال نواب من حزب "القوات" إن الهدف منه تعويم رئاسة الجمهورية. وأعلن زعيم تيار "المستقبل" رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إثر اتصال عون به، اعتذاره عن عدم المشاركة في الحوار، معتبراً أنه يجب أن يحصل بعد الانتخابات النيابية. وعكس موقفه هذا توجهاً لدى رئيسي الحكومة السابقين فؤاد السنيورة وتمام سلام. أما رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، فأكد أنه مع الحوار بالمبدأ لكن الأولوية هي لاجتماع مجلس الوزراء من أجل اتخاذ القرارات اللازمة. وطالب الرئيس عون حين اتصل به هاتفياً، بإيقاف الحملات التي يشنها صهره باسيل على القوى السياسية كافة التي يريد دعوتها إلى الحوار، فكان موقفه هذا الصيغة التي رفض فيها الدعوة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن الرئيس عون رد على رافضي الحوار بالتشديد على "ضرورة أن يتخطى هذا الحوار الخلافات السياسية البسيطة"، لافتاً إلى أن "الخلاف السياسي يجب ألا يوصلنا إلى خلاف وطني حول مبادئ جوهرية وأساسية مثل الهوية والوجود، ما قد يهدد وحدة لبنان وسيادته واستقلاله". وأكد أن الحوار يعنينا جميعاً، وهدفه ليس تحقيق مصلحة حزبية أو شخصية".

حلفاء الحزب يوافقون على الحوار

لم يبقَ من القابلين بالمشاركة في طاولة الحوار سوى "حزب الله" الذي أراد من وراء تجاوبه مع عون تحقيق أغراض عدة: الإيحاء للرأي العام المسيحي الموالي لـ"التيار الوطني الحر" الذي أخذت شرائح منه تتبرم من أضرار التحالف مع الحزب على شعبيته، بأنه يساند موقع رئاسة الجمهورية في مبادرتها، ويستمر في اعتباره حليفاً رئيساً، وإظهار استعداده لبحث الاستراتيجية الدفاعية لاستيعاب المطالبة المسيحية بها، على الرغم من أنها ستطرح موضوع سلاحه، مع اطمئنانه إلى أن سقف النقاش في هذا الأمر سيكون تشريع سلاح "المقاومة ضد العدوان الإسرائيلي"، أسوة بتشريع "الحشد الشعبي" في العراق. وبالإضافة إلى أن السجال على الدعوة إلى الحوار يحجب الضجة حول مسؤوليته عن عدم تلبية الدعوة إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء، فإن الحزب يخفف من وطأة التمايز بينه وبين "التيار الحر"، لأن استجابته لدعوة رئيس الجمهورية تأتي في مصلحة تحسين رصيده الرئاسي، وهو قادر على تحويل طاولة الحوار إلى منبر لمواصلة حملته على السعودية، في ظل السجال حول تدخلاته في اليمن وسوريا ودول الخليج. ولهذه الأسباب، تجاوب حلفاء الحزب من خصوم عون مع الدعوة إلى الحوار، ولا سيما الرئيس بري ورئيس تيار "المردة" النائب السابق سليمان فرنجية.

الظروف المحيطة بدعوة عون إلى الحوار جعلت منها حدثاً سياسياً هو أقرب إلى المناورة، التي تهدف بين ما تهدف إليه تبرئة ذمته أمام الجمهور المسيحي الناقم على الحزب، بأنه سعى إلى مناقشة سلاحه، لكن الفرقاء الآخرين رفضوا.

تجربتا 2006 و2012

وفي المقابل، فإن حجة من قرروا مقاطعة دعوة عون بأن التجارب السابقة لا تشجع على مشاركتهم، تستند إلى أكثر من محطة توصلت خلالها مؤتمرات الحوار إلى قرارات وتوصيات بقيت حبراً على ورق. وفضلاً عن أن بعض الأقطاب الذين شاركوا في حوار 2006 يشيرون إلى أن عون برهن بعد أكثر من خمس سنوات على عهده الرئاسي فقدانه لدور الحكَم حتى يكون قادراً على قيادة الحوار، وصار طرفاً في خلافات متناسلة مع سائر الفرقاء السياسيين. فإنهم يذكّرون بما آلت إليه جلسات الحوار في العام 2006 حين تم التوصل إلى قرارات بقي معظمها من دون تنفيذ. ويعود هؤلاء بالذاكرة إلى قرار نزع سلاح الميليشيات الفلسطينية خارج المخيمات الفلسطينية، تمهيداً لسحب سلاحها داخل المخيمات. ففي حينها، تقرر أن يكون الأمين العام للحزب حسن نصرالله وسيطاً لتنفيذ ما اتفق عليه في هذا الصدد، سواء مع القيادة السورية أو مع المنظمات الفلسطينية الحليفة لها، والمتمركزة في مواقع عدة في البقاع وفي الساحل الجنوبي، وزار دمشق لهذا الغرض. وبدلاً من أن يساهم نصرالله في تنفيذ هذا القرار، تبين أنه نسق مع الجانب السوري على إيفاد قادة فصائل فلسطينية، منهم الأمين العام لـ"الجبهة الشعبية – القيادة العامة" أحمد جبريل إلى بيروت من أجل زيارة المخيمات ورفض تسليم السلاح، وتبعه بعض القياديين الفلسطينيين الآخرين. وحجة دمشق في حينها، والتي كانت سحبت قواتها من لبنان، هي أن سحب السلاح الفلسطيني هو مقدمة لطلب نزع سلاح الحزب، ومن الأفضل الإبقاء على هذا السلاح كخط دفاع أول للإبقاء على "سلاح المقاومة"، بحجة "استرداد مزارع شبعا المحتلة من قبل إسرائيل". وكان بدأ البحث في مؤتمر الحوار بالاستراتيجية الدفاعية، وطرح عدد من الفرقاء أوراق عمل حول إلحاق عناصر الحزب بالجيش اللبناني، إلا أن الحوار تأجل لاستكمال البحث، فحصلت حرب يوليو (تموز) الشهيرة ذلك العام بين إسرائيل والحزب، وانطفأ البحث بسلاح الحزب.

وفي عام 2012، صدر عن مؤتمر الحوار الوطني الذي ترأسه في حينها الرئيس السابق ميشال سليمان، "إعلان بعبدا" الذي نص على النأي بلبنان عن حروب وصراعات المنطقة وتحييده عنها، بموافقة الجميع، إلا أن عون الذي كان ما زال رئيساً لـ"التيار الحر" ما لبث أن نفى أن يكون هذا البند قد أقر، فيما رأى "حزب الله" أن على المتمسكين بهذا الإعلان أن ينقعوه ويشربوا مياهه.

وفي اعتقاد عدد من أقطاب السياسة اللبنانية أن الأمر سيتكرر في مؤتمر الحوار الذي يسعى إليه عون في ظل ميزان القوى الحالي.

المزيد من تحلیل