Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ميقاتي يعتبر هجوم "حزب الله" على السعودية "إساءة للبنانيين"

حاجة الأفرقاء إلى التعبئة الانتخابية ترفع منسوب "الشحن الطائفي البغيض"

اعتبر ميقاتي أن ما قاله نصرالله "بحق السعودية لا يمثل موقف الحكومة اللبنانية والشريحة الأوسع من اللبنانيين" (رويترز)

شهد لبنان في الأيام الأخيرة للسنة المنقضية، وفي الأيام الأولى من 2022، سجالاً سياسياً لا يخلو من الحدة ومواقف جديدة، لا سيما من قبل الفريق الرئاسي المتمثل برئيس الجمهورية، ميشال عون، وصهره ووريثه السياسي رئيس "التيار الوطني الحر"، النائب جبران باسيل، لم تخلُ من الانتقادات لحليفه "حزب الله".

واستدرجت مواقف باسيل ردوداً عنيفة من بعض خصومه، ولا سيما حركة "أمل"، ومحيط رئيس البرلمان نبيه بري، وحزب "القوات اللبنانية"، في وقت التزم الأمين العام للحزب حسن نصرالله التهدئة، واكتفى بالدعوة إلى الحوار مع "التيار"، لكنه تمسك بمواقف حزبه التحريضية على دول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية رداً على قول عون في 27 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إنه يرغب في أحسن العلاقات مع هذه الدول، سائلاً: "ما مبرر توتير العلاقات معها، والتدخل في شؤون لا تعنينا؟".

وفي وقت شنّ فيه نصرالله، في كلمة له مساء الثالث من يناير (كانون الثاني)، في الذكرى الثانية لمقتل قائد قوة القدس قاسم سليماني، ونائب قائد "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، هجومه العنيف على الرياض، قاطعاً بذلك الطريق على مطالبته بوقف حملاته ضدها، وعلى محاولات معالجة أزمة لبنان معها ومع سائر الدول الخليجية، فهو صنف موقفه هذا تحت عنوان "الخلاف (بين اللبنانيين) حول تشخيص من هو الصديق ومن هو العدو". وكال من هذا المنطلق الاتهامات للمملكة بأنها دعمت الإرهاب في العراق واليمن وسوريا ولبنان، على الرغم من قوله إن كلامه سيصنف في خانة تخريب العلاقات مع الدول العربية، وجاءت حملته رداً على الاتهام السعودي للحزب بأنه إرهابي.

رد ميقاتي على نصرالله: يسيء إلى اللبنانيين

واستدعى موقفه هذا رداً سريعاً من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي قال فيه، "لطالما دعونا إلى اعتماد النأي بالنفس عن الخلافات العربية، وعدم الإساءة إلى علاقات لبنان مع الدول العربية، ولا سيما السعودية. ومن هذا المنطلق كانت دعوتنا إلى أن يكون موضوع السياسة الخارجية على طاولة الحوار لتجنيب لبنان تداعيات ما لا طائل له عليه"، واعتبر ميقاتي أن ما قاله نصرالله "بحق السعودية هذا المساء، لا يمثل موقف الحكومة اللبنانية والشريحة الأوسع من اللبنانيين. وليس من مصلحة لبنان الإساءة إلى أي دولة عربية، خصوصاً دول الخليج. وبينما ننادي بأن يكون (حزب الله) جزءاً من الحالة اللبنانية المتنوعة ولبناني الانتماء، تخالف قيادته هذا التوجه بمواقف تسيء إلى اللبنانيين أولاً، وإلى علاقات لبنان مع أشقائه ثانياً".

وختم ميقاتي تعليقه مكرراً، "دعوتنا للجميع للرأفة بهذا الوطن وإبعاده عن المهاترات التي لا طائل منها، ولنتعاون جميعاً لإخراج اللبنانيين من وحول الأزمات التي يغرقون فيها، فنعيد ترميم أسس الدولة، وننطلق في ورشة الإنقاذ المطلوبة. بالله عليكم، ارحموا لبنان واللبنانيين، وأوقفوا الشحن السياسي والطائفي البغيض".

وكان السفير السعودي في لبنان وليد بخاري قد غرّد فور انتهاء كلمة نصرالله قائلاً، "افتراءات ‫أبي رغال العصر وأكاذيبه لا يسترها الليل وإن طال، ولا مغيب الشمس ولو حُرمت الشروق والزوال...!"، وأبو رغال شخصية خائنة في التاريخ العربي القديم ما قبل الميلاد.

السياسة الخارجية بيده والحاجة للتعبئة الانتخابية

وفي وقت أثبت فيه تجديد نصرالله تصعيده المتواصل منذ سنوات ضد المملكة ودول الخليج، أنه لا يقيم وزناً لموقف الحكومة ورئيسها، ولا لسعي حليفه الرئيس عون والنائب باسيل إلى التمايز عنه في هذا المجال، لرفع التهمة عنهما في الوسط المسيحي بأن تغطيتهما لـ"حزب الله" وتدخلاته في شؤون الدول العربية والخليجية وحرب اليمن، ألحق الضرر بالبلد وبالمسيحيين، فإنه أكد، وفق كلامه، أنه باقٍ على تحديد السياسة الخارجية الملتحقة بالمحور الإيراني، غير آبهٍ بموقف السلطة السياسية، انطلاقاً من سطوته عليها.

لكن هذه السجالات التي جرت في ظل الشلل الذي يُصيب حكومة ميقاتي وسائر المؤسسات، كشفت مدى حاجة بعض الأفرقاء إلى رفع درجة التعبئة الإعلامية والسياسية لأسباب انتخابية قبل زهاء خمسة أشهر من الانتخابات النيابية التي حددت وزارة الداخلية موعدها في 15 مايو (أيار) المقبل، وكم أن بعض هؤلاء الأفرقاء يخشى تحول النقمة الشعبية على سياسات الطبقة السياسية التي أفقرت البلد، وأدّت إلى ما يُشبه العُزلة على السلطة فيه، إقليمياً ودولياً، إلى خسائر في هذا الاستحقاق، كما أظهر التصعيد الكلامي أن العلاقات التحالفية بين بعض الأفرقاء معرضة للاهتزازات جراء طموح بعض أفرقائها إلى تعويض الخسائر الناجمة عنها، وخصوصاً تحالف "التيار الحر" و"حزب الله" منذ السادس من فبراير (شباط) 2006 في ما يعرف بتفاهم "مار مخايل".

توتر الأقوياء الضعفاء

والحاجة إلى رفع مستوى التعبئة تنطبق على ما يبدو على "حزب الله" الذي يسعى إلى مهادنة عون وباسيل في شأن التمايزات على صعيد السياسة الداخلية، فهو يحيد حليفه "التيار الحر"، نظراً إلى حاجتهما لبعضهما في الانتخابات، لكنه يعمل على مواصلة استنفار جمهوره الذي ضاق جزء منه ذرعاً بالتحالف مع "التيار" وعون لتسبب سياستهما بتدهور الأوضاع المعيشية في البلد، عبر مواصلة التركيز على صراعه مع أميركا وحلفائها في المنطقة، وعلى السعودية، لحجب الأنظار عن الخلاف والتمايز مع الحليف اللبناني. فالحزب يواجه خسائره بعد اتساع رقعة الاعتراض اللبناني على مغامراته في خوض الحروب الإقليمية وعلى مساهمة سياساته الخاضعة لحسابات إقليمية، في التدهور الذي يعيشه اللبنانيون على الصعد جميع السياسية والاقتصادية والحياتية، بالتركيز على مواجهة الخصوم الخارجيين، من إسرائيل إلى أميركا ودول الخليج ليبقي على جمهوره الذي عمل على تربيته وفق هذه المعادلة متعاطفاً معه باعتباره يواجه قوى كبرى تتربص به.

ويختصر أحد المراقبين المخضرمين حاجة الأفرقاء، ولا سيما الحليفين إلى التعبئة الانتخابية العالية النبرة، بالقول إن التراجع في الشعبية، الذي يصيب "الأقوياء"، والمقصود هنا الحزب الأقوى على الساحة اللبنانية، و"الرئيس القوي"، ومعه كتلته النيابية المسماة "تكتل لبنان القوي"، يدفعهم إلى التوتر واستخدام اللغة التصعيدية خشية استضعافهم وتقزيم حجمهم الذي اكتسبوه نتيجة ظروف مرت، وقد تتغير.

تمايز "التيار" عن حليفه في قضايا جوهرية 

إلا أن سعي عون وباسيل إلى التمايز عن الحزب دفعهما إلى طرح مسائل جوهرية تتعلق بالمعادلة السياسية الداخلية وبتعديل النظام اللبناني، هي التي قال نصرالله في تعليقه عليها بأنها تحتاج إلى حوار في سياق إبدائه التجاوب مع دعوة عون إلى الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية (تتناول مسألة سلاح الحزب)، وخطة التعافي الاقتصادي وحول اللامركزية الإدارية والمالية، والنقطة الأخيرة هي التي أثارت ردود فعل رافضة، كما أن لهجة التهدئة من نصرالله اقتضت إعلانه "أننا حريصون جداً على حلفائنا وأصدقائنا، وعلى علاقاتنا، ونحن متمسكون بالتفاهم مع التيار الوطني الحر وحاضرون لتطويره بما يحتم من مصلحة وطنية"، وهو استجابة لإعلان باسيل أن التفاهم مع الحزب لم يعد كافياً، ويجب تطويره، في مؤتمر صحافي عقده قبل يوم من خطاب نصرالله، إلى حد أن أحد المعارضين الشرسين للحزب من السياسيين المخضرمين رأى أن عون وباسيل أعطيا "تمريرة" لنصرالله كي يجيبهما بالاستعداد للحوار وبالحرص على التحالف، رداً على قول رئيس "التيار الحر"، إن "أولويتنا الدولة وإصلاحها وأولويتهم المقاومة، لكن تبقى المقاومة في كنف الدولة لا فوقها".

مطلب اللامركزية المالية والهجوم على بري

ومن المسائل التي أثارها باسيل، الذي شنّ في الوقت نفسه هجوماً على خصمه المسيحي رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، تحت شعارات الحرص على الدولة والإصلاح والتوازن التي يرددها، انتقاده الشديد للركن الثاني في التحالف بين الحزب وحركة "أمل" أي رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي بينه وبين "التيار" خلاف عميق حول عديد من القضايا، فعون وباسيل شنّا هجوماً عنيفاً على بري، واتهماه بعرقلة إقرار قوانين إصلاحية، وأنه "يمشي القانون الذي يريده، والباقي إلى الجوارير"، وانتقدا اشتراط "الثنائي الشيعي" (حركة أمل وحزب الله)، تنفيذ مطلبهما الحد من صلاحيات التحقيق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، وإلا لن يحضر الوزراء الشيعة أي اجتماع للحكومة، إلا أن ما يثير حفيظة الحزب هو مطالبته بالوقوف مع "التيار" في صراعه مع بري، في وقت يعتبر أن وحدة الطائفة الشيعية من المقدسات لديه، لا سيما بسبب شعوره بأنه يتعرض لضغوط خارجية و"لهجمة" دولية تستهدفه، تحتم عليه إبقاء تحالفه مع بري كأولوية.

واندفع باسيل بسبب تراكم الخلافات نحو اعتبار الدولة المركزية التي تسلب رئيس الجمهورية صلاحياته بالقوة من قبل مجلس النواب والمجلس الدستوري وتسلب بقية الطوائف حقها بالمداورة بوزارتي المالية والداخلية، وهذا الأمر لم نعد نريده، بأنها "دولة مركزية فاشلة". أضاف، "وهل من المقبول أن تصبح الثنائية الشيعية أحادية في القرار وتختزل قرار طائفة على حساب مصلحة البلد؟"، ودعا إلى إقرار اللامركزية الإدارية والمالية "إذ لا نستطيع إجبار الناس في مناطق معينة أن تدفع وحدها 75 في المئة من الضرائب، وتحصل فقط على 25 في المئة من الإنفاق"، وهو يلمح بذلك إلى انخفاض نسبة جباية الضرائب في المناطق الإسلامية الفقيرة، وخصوصاً في جنوب لبنان والبقاع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان عون قد اعتبر أن الانتخابات المقبلة استفتاء على اللامركزية الإدارية والمالية. وقال أكثر من نائب في "التيار الحر"، إن هذا المطلب سيكون الأساس في المرحلة المقبلة، في وقت رأى خصومه أن اتفاق الطائف لا ينص على اللامركزية المالية، بل على الإدارية فقط، ويخشى هؤلاء من حصول نوع من الاستقلال الذاتي لدى الوحدات الإدارية في حال تطبيق اللامركزية المالية، التي مارستها الميليشيات الحزبية إبان الحرب الأهلية الطائفية بين عامين 1975 و1990، حيث اتهمت الميليشيات المسيحية في حينها بالسعي إلى تقسيم لبنان والانفراد بحكم مناطقها، ما حدا بمثيلاتها الإسلامية إلى التمثل بها عن طريق جباية الضرائب بحجة "المجهود الحربي"، ما أدى إلى ملء جيوب بعض أمراء الحرب، أي إن "التيار الوطني الحر" يحيي بطرحها ميلاً أخذ يتنامى بين بعض المجموعات المسيحية التي أخذت تدعو إلى نوع من الفيدرالية في السلطة رداً على انفراد "حزب الله" بسبب قوته وارتباطاته الإقليمية، في قرارات هي من اختصاص السلطة المركزية، لا سيما في مسألتي امتلاك السلاح والسياسة الخارجية، كما أن إحياء مطلب اللامركزية المالية يدغدغ مشاعر جزء من المسيحيين بهدف استعادة "التيار الحر" ما خسره من شعبية في الحكم، قبيل الانتخابات.

مهادنة نصرالله لعون وباسيل

وفي كل الأحوال، فإن نصرالله اتبع سياسة المهادنة حيال انتقادات عون وباسيل لسياسته لاعتقاد حزبه أن حليفه المسيحي يحتاج إلى مساحة من الحرية في الانتقاد لأسباب تتعلق بالبيئة المسيحية، في وقت تولى حليفه في "الثنائي الشيعي" الرد العنيف على رئيس "التيار الحر"، على لسان نواب حركة أمل" ووسائل الإعلام التابعة للرئيس بري، وفي مؤتمر صحافي للمعاون السياسي للأخير وزير المال السابق علي حسن خليل، وفي وقت تولت قناة "أن بي أن" التلفزيونية (تابعة لحركة أمل)، وصف باسيل بـ"الفهلوي"، و"الخصم غير الشريف"، اتهم خليل وزراء "التيار الحر" بالصفقات خلال توليهم وزارة الطاقة في شأن تأهيل الكهرباء، وقال، "اللبنانيون يشهدون من شوّه الديمقراطية التوافقية بتعطيل الدولة والقرارات في مجلس الوزراء لتمرير الصفقات، وأنتم من عطلتم التصويت في مجلس الوزراء في ملفات الطاقة والاتصالات والبيئة"، ورأى أن "الخطير هو الحديث المتكرر عن اللامركزية المالية التي تنسف أساس الدولة الموحدة، وهذه المطالبة تقدم معطوفة بتحريضهم على بعضهم البعض". واعتبر "أن باسيل ينادي بحقوق التيار والجماعة، لا بحقوق المسيحيين التي تم هدرها في الصناديق السود، والمشكلة في الدولة عندما ننتخب رئيسين للجمهورية في الوقت نفسه، هنا تضيع المسؤولية".

ورد "التيار الحر" على خليل متحدياً إياه بالذهاب إلى القضاء لكشف حقيقة اتهاماته بالفساد، مكرراً اتهامه بأنه عرقل مشاريع الكهرباء حين كان وزيراً للمالية، فعاد خليل وقبل التحدي.

المزيد من تحلیل