Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عام الأزمات الدائرية

بدت أميركا كأنها تتحرك تحت عناوين سياسية من دون استراتيجية شاملة في مواجهة الصين وروسيا وإيران

لا وداع ولا استقبال بين عامين إلا في تقاليد الحياة العادية للناس. أما في الاتجاهات العامة، فإن الدنيا تدور. مشكلات قليلة تجد حلولاً، وأخرى كثيرة تسوء أكثر. أفظع ما ورثه عام 2021 من العام الذي سبقه ويتركه للعام المقبل هو العدو الصغير غير المرئي الذي كشف أن العالم بكباره وصغاره ضعيف وخائف، وهو كورونا بتحوّراته المتعددة.

لا، بل كشف ما يختفي تحت العولمة من صراعات ونزاعات قومية وإثنية وأنانيات دول، بحيث عزّ اللقاح على البلدان الفقيرة إلا من القليل الذي سمحت به بلدان غنية قليلة "اكتنزت فوق ما تحتاجه من اللقاحات"، كما يشكو مدير الوكالة الدولية للصحة تيدروس أدهانوم غيبريسوس.

وأخطر ما ورثه من أعوام سابقة منذ ولاية الرئيس باراك أوباما بعد نهاية الأحادية الأميركية ومن غرائب الرئيس دونالد ترمب، الصراع بين أميركا الخائفة على مكانتها وبين الصين الصاعدة وروسيا المنتقمة. ولا أحد يعرف مَنْ يتغيّر.

في بدايات العام، تسلّم الرئيس جو بايدن منصبه القوي في البيت الأبيض، واعداً بأمور عدة أبرزها ثلاثة: أولها "عودة أميركا إلى القيادة"، وثانيها ممارسة سياسة خارجية للطبقة الوسطى وسياسة داخلية تُعيد بناء البنية التحتية في أميركا. وثالثها الخروج من الحروب التي "لا نهاية لها"، بالتالي تخفيف الالتزامات في الشرق الأوسط، للتركيز على الشرق الأقصى في منطقة المحيطين الهندي والهادي.

لكن أميركا العائدة بدت كأنها تتحرّك تحت عناوين سياسية من دون استراتيجية شاملة في مواجهة الصين وروسيا وإيران. فلا هي تريد عملياً مواجهة بكين في تايوان، إذا أراد الرئيس شي جينبينغ استعادتها بالقوة، ولا مجال أمامها لاستخدام القوة لمنع روسيا من غزو أوكرانيا، إذا رغب الرئيس فلاديمير بوتين بالغزو، ولا قادرة على دفع طهران إلى العودة عن خرق التزاماتها في الاتفاق النووي حتى كما هو، من دون المطالب المتعلقة بمشروع الصواريخ الباليستية والسلوك الإيراني "المزعزع للاستقرار" في المنطقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا أحد يعرف كيف تضمن واشنطن للسعودية ودول الخليج المشاركة في التفاوض على الملف النووي، الذي يشمل خطره المباشر الدول العربية. طريقة الانسحاب المهينة من أفغانستان أمام "طالبان" بعد عشرين عاماً من طردها، هزّت بايدن داخل بلاده، وهزّت صدقية أميركا في العالم. وليس واضحاً ما يمكن أن يفعله تحالف "أوكوس" بين أميركا وبريطانيا وأستراليا.

الصين تابعت مسارها في مشروع "الحزام والطريق"، الذي وسّع نفوذها ومصالحها في آسيا وأوروبا وأفريقيا، حليفتها روسيا بدأت تواجه ما سمّاه بوتين بـ"الخداع الوقح"، الذي مارسه "ناتو" بالتراجع عن تعهد اللاتقدم نحو حدود روسيا. وهي تطلب اليوم ضمانات بأن لا يكون على "عتبتها نظام سلاح غربي".

حلفاء أميركا في الشرق الأقصى خائفون. حلفاؤها وأصدقاؤها في الشرق الأوسط يبحثون عن ضمانات أمنية غير أميركية. حتى أوروبا، فإنها سمعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدعوها إلى "التوقف عن السذاجة" أمام روسيا والصين، إذ "عندما نتعرّض لضغوط من قوى نحتاج إلى الرد، وإظهار أن لدينا القوة والقدرة على الدفاع عن أنفسنا". وهي مدعوة إلى مشروع "الاستقلال الاستراتيجي"، بناء على مبادرة باريس التي ستستلم رئاسة الاتحاد الأوروبي. لكن القلق كبير من فراغ القيادة الأوروبية بعد قيادة أنغيلا ميركل في ألمانيا وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وضبابية الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

العالم العربي في حال تراوح بين الصعوبة والسوء، باستثناء دول الخليج التي تشهد نهضة تنموية هائلة، وتشكل مع مصر والأردن مركز قوة وقيادة للعالم العربي. 92 في المئة من الشعب السوري يعانون الفقر بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، و13 مليون سوري مشردون في الداخل والخارج كما يقول الموفد الدولي غير بيدرسون.

والحرب مستمرة منذ أحد عشر عاماً. لبنان ينهار، و80 في المئة من اللبنانيين عند أو تحت خط الفقر، العراق في ورطة مع ملالي إيران، اليمن يشلّه الحوثيون، وليبيا تتخبط في العجز حتى عن إجراء الانتخابات على الرغم من الدعم الدولي والحاجة الداخلية، السودان يعود من الثورة على البشير إلى انقلاب عسكري على طريقة البشير، تونس في سرداب لا تعرف كيف تخرج منه، الجزائر تدور حول النظام الساقط من جديد وتبقى تحت قبضة العسكر، و"داعش" لا يزال يمارس الإرهاب في سوريا والعراق وأفغانستان وأماكن أخرى. فمن يبكي على العام الراحل وأزماته التي لا تنتهي، وما الذي يأتي به العام الجديد؟

المزيد من تحلیل