Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عام "عنكبوتي" يضبط مسار العالم الافتراضي بلا إيقاع

2021 عاود توكيد حقيقة نجاحه في جمع سكان الأرض في شارع واحد

لجأ مليارات البشر إلى أثير الإنترنت للعلم والعمل والبحث والترفيه والعلاج والاستغاثة (أ ف ب)

ويمر عام عنكبوتي آخر في أوضاع غير تقليدية وظروف غير مسبوقة. عام عنكبوتي يمضي وهو لا يحمل فقط أبرز ما بحث عنه العالم، أو أهم ما نجم عنه البحث، أو ما عكسته التدوينات والتغريدات والصور والفيديوهات من تحورات في ميول المستخدمين وأهوائهم واحتياجاتهم، وهي التحورات التي لا يمكن النظر إليها بمعزل عن العام الثاني من عمر الوباء، بل يمضي عام عنكبوتي وهو يخبرنا أن المقبل عنكبوتي بامتياز.

عنكبوتية المستقبل القريب ولجوء مليارات البشر إلى أثير الإنترنت للعلم والعمل والبحث والترفيه والعلاج والاستغاثة، وحتى للعثور على شريك الحياة أو بديل للحياة الواقعية المتعثرة، تأكدت خلال عام 2021. الجردة العنكبوتية لعام مضى تحمل عشرة ملامح رئيسة لهذا العالم الافتراضي، الذي نجح بامتياز في إقناع البشرية أنه المخلص والمنجي حين يضيق بها الواقع.

هيمنة افتراضية وعملات أيضاً

واقع الأحداث والأقوال في عام 2021 يشير إلى تقلص التلويح بالمنع وتضاؤل التهديد بالحجب، على الرغم من استمرار وجودهما وشيوعهما في العديد من دول العالم. حجب ومنع مواقع بعينها، أو استبدال بمنصات تواصل اجتماعي أجنبية أخرى محلية، لسهولة السيطرة وإحكام الهيمنة الوطنية وغيرها من شؤون "الحماية" الوطنية استمر في عام 2021، لكن النبرة خفتت والحدة سكنت، لأن الجميع بات معتمداً على الأثير العنكبوتي بشكل متعاظم في عام 2021.

 

استمرار مخاوف الدول والأنظمة من تسلل مواقع أو منصات تحمل مواد أو أدوات يُخشى منها على الشعب وأفكاره والاستقرار واستدامته، يتبدد في هواء اللا مركزية الشديدة في عالم الإنترنت، وهو الهواء الطاغي على أثير 2021. وكأن "بيتكوين" لم تكن كافية ليتعامل بعض الناس بعملات افتراضية، ويظل بعضهم يضرب أخماساً في أسداس حول ما تعنيه عملات غير موجودة أصلاً، أطلت "دوغكوين" على أيدي مهندسي البرمجيات بيلي ماركوس وجاكسون بالمر. عملة افتراضية أخرى لا وجود لها سوى الافتراضي منذ عام 2013، لكنها باتت خلال العام المنصرم ذات قيمة مليارية تقدرها بعض المؤسسات المالية بنحو 35 مليار دولار. ويكفي أن قيمتها ارتفعت بنحو ستة آلاف في المئة في خلال عام واحد فقط. لكن قيمة أخرى تضاف إلى العملات الرقمية، وعلى رأسها "دوغكوين" وهي ضلوع "رجل العام" بحسب مجلة "تايم" الأميركية -وعلى ما يبدو أعوام كثيرة مقبلة- إيلون ماسك في أمر العملات الرقمية، حتى إنه أعلن قبل أيام أن شركته "تسلا" ستقبل بيع بعض منتجاتها في مقابل الدفع بـ"دوغكوين" الرقمية. وبالطبع جاء الإعلان عبر حساب "تويتر" الخاص به ومنه إلى وسائل الإعلام التقليدية وقبلها حسابات ملايين البشر ومنهم 66 مليون متابع لماسك.

الطريف أن "الدوغكوين" ومن قبلها "البيتكوين" هي ضمن قائمة من العملات الافتراضية يقدر عددها بنحو خمسة آلاف عملة، يتوقع البعض أن تحل محل ما يعرفه العالم من عملات حقيقية في المستقبل القريب.

لا مركزية الإنترنت والسلطة

المستقبل القريب ينبئنا أن اللا مركزية الشديدة في عالم الإنترنت ستنطبع على العالم الواقعي إن لم يكن اليوم فغداً أو بعد غد على أبعد تقدير. وهذا يعني أن الظاهرة العنكبوتية الثانية في عام 2021 وتقودنا إلى ما يليه من أعوام تعكس تحكم الخوارزميات في مليارات البشر في عالم سلطوي موازٍ لعالم السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التقليدي، حيث الدول وأنظمتها الحاكمة وحدودها المرسومة وسيادتها المتعارف عليها.

ملايين الناس لا يعرف بعضهم بعضاً، ولا يعيشون في البلد ذاته، ولا ينتمون إلى الثقافة نفسها، باتت تجمعهم قاعدة جماهيرية لفيديوهات زوجين على "تيك توك" أو يوميات شاب على "إنستغرام" أو هرولة للحاق بصور شخصية شهيرة على "سناب شات" قبل أن تختفي.

 

العولمة الرقمية

عام 2021 عاود توكيد حقيقة أنه إذا كان العالم الحقيقي أصبح قرية صغيرة، فإن العالم الافتراضي نجح في جمع سكان الأرض في شارع واحد وأحياناً غرفة واحدة. لم تعد العولمة الرقمية مسألة جدلية بقدر ما تحولت إلى واقع معيش يتجادل الراغبون حوله كواقع معيش.

تتعثر الأنظمة الاقتصادية لدول، وتنتعش في دول أخرى، وتمر ثالثة بركود، ورابعة بأزمات، لكن الأنشطة الاقتصادية على الأثير لا تعترف بحدود أو تتأثر بقيود. ولولا أزمة الوباء، لسار الاقتصاد الرقمي قدماً بخطى أسرع، محققاً قفزات أكبر عبر المنصات الرقمية، لا سيما بعد ما شهدت السنوات القليلة السابقة لتفجر الوباء ظواهر رقمية اقتصادية مثل "الشركات المتعددة الجنسيات المتناهية الصغر"، وأخرى كانت محلية تحولت بفضل منصات الاقتصاد الرقمي إلى عابرة للحدود والقارات.

بدائل الواقع على الأثير

الإمكانات الهائلة للاقتصاد الرقمي وظهور أشكال غير مسبوقة من الأعمال التي حققت نقلات كبرى لأفراد وشركات صغيرة ومتناهية الصغر، بالإضافة لاستمرار انتقال مظاهر عدة للحياة من الواقع إلى الافتراض، سمة رابعة من سمات العالم الافتراضي في 2021. فمع انتهاء العام الثاني من عمر الوباء ومعه سائر سكان الكوكب، يخبرنا عام 2021 أنه لولا العالم الافتراضي لأثر الوباء في سكان الأرض تأثيراً أفدح وأقسى.

فمع تأرجح إجراءات الاحتراز بين الإغلاق والإغلاق الجزئي والفتح ثم معاودة الإغلاق وهلم جرا، وجدت مليارات البشر في الأثير العنكبوتي ومنصاته وأدواته بدائل لإغلاق مدارس وجامعات وأماكن عمل بين الحين والآخر، بحسب الوباء وتحوراته وسرعة انتشاره وعداد الإصابات. كما وجدوا فيه ترفيهاً ونصائح علاجية ووصفات طبخ، وعشر خطوات لبدء مشروعك الصغير من البيت، وخمس طرق لإنهاء علاقة أون لاين، وأربعة أسرار للعثور على نصفك الآخر، وثلاث منصات تمنحك دفء الأسرة وود الأصدقاء، والقوس مفتوح في عام 2022.

 

 الـ"سوشيال ميديا" شريان حياة

لكن العام المنصرم شهد كذلك آثاراً جانبية عدة ناجمة عن التخمة الافتراضية. ولت وأدبرت أزمنة كان الخبراء يحذرون فيها من الإفراط في مشاهدة الأبناء التلفزيون أو الخرس الأسري، حيث أفراد الأسرة يجلسون أمام شاشة التلفزيون يتابعون فيلماً أو مسلسلاً يلهيهم عن الحديث العائلي التقليدي. وتوالت سنوات التحذير من الإنترنت والولوج إليها من دون رقيب، ومنصات التواصل الاجتماعي والانغماس فيها من دون حدود، وتجلت في العام المنصرم الآثار الناجمة عن انغماس الأطفال والمراهقين في منصات التواصل الاجتماعي، لتبزغ السمة الخامسة للعام العنكبوتي المنصرم.

فعلى الرغم من طوق النجاة الذي وفرته منصات الإنترنت لملايين الأطفال والمراهقين حول العالم، ممن أغلق الوباء مدارسهم وجامعاتهم، فإن الطوق لا يأتي منزهاً عن السلبيات.

انغماس الصغار عنكبوتياً خلال عام 2021 جعل من السوشيال ميديا شريان حياة. لكن ما يسري في الشريان لم يكن علماً وترفيهاً وتواصلاً فقط، لكن سرى كذلك قدر هائل من التنمر العنكبوتي وصورة جسد مثالي لا يتحقق، ولهث جنوني وراء الـ"لايك" الافتراضي لدرجة تلحق الضرر الشديد بصحة الصغار النفسية، وتصل بالبعض -لا سيما الفتيات- إلى ميول انتحارية. ولم تكن شهادة الموظفة السابقة في "فيسبوك" فرانسيس هوغن قبل أسابيع أمام لجنة استماع في الكونغرس الأميركي عن الآثار السلبية لعدد من منصات التواصل الاجتماعي، إلا حلقة في سلسلة من التحذيرات المصاحبة لظاهرة خطيرة، تهدد الملايين من مراهقي العالم ومراهقاته.

وليس أدل على ذلك من أن إحدى شركات التجميل الكبرى أعلنت عن إلغاء أنشطتها على صفحات التواصل الاجتماعي على الرغم مما تحققه من أرباح كبرى، وذلك استجابة للمخاوف المتزايدة على مدى العام من تأثير هذه المنصات في الصحة النفسية والعقلية لملايين المراهقين، لا سيما الإناث اللواتي يجدن أنفسهن تحت ضغوط نفسية وعصبية كبيرة، ليصلن إلى شكل الجسد والبشرة والشعر المثالي.

التنظيم وضبط الإيقاع

وإذا كانت واحدة من آلاف الشركات اتخذت قراراً أخلاقياً فردياً نظمت من خلاله عملها حماية لملايين المراهقين، فإن غيرها لم ولن يضحي بمكاسب مليارية تجنيها من أنشطة منصات التواصل الاجتماعي، حتى وإن كانت تسهم في إلحاق الأذى بفئات عدة وتدفع البعض إلى الانتحار.

الحاجة إلى التنظيم أو ضبط الإيقاع أو الحد من نفوذ منصات التواصل الاجتماعي أو كل ما سبق باتت حديثاً دائراً وحاجة تعبر عنها أنظمة وحكومات بعد ما كانت مرفوضة بحجة الحرية والتمكين ودمقرطة المعلومات وسبل التعبير.

السمة السادسة لعام عنكبوتي مضى هي تصاعد الحديث عن الحاجة إلى التنظيم، وهي حاجة تحل محل محاولات الحجب والمنع. وعلى الرغم من توقعات بأن تبوء هذه الدعوات بفشل في التطبيق أو ممانعة من قبل الشركات، التي بات بعضها أقرب ما تكون إلى قوى عظمى أو تضارب في المصالح يؤدي إلى تعطيل، فإن عام 2021 شهد تصاعداً لنبرة المطالبة بالتنظيم بعد ما مست العديد من الدول الكبرى "أضرار" ناجمة عن الأخبار الزائفة واختراق الخصوصية وشيوع الاستقطاب وانتشار الانقسام.

 

وباء الأخبار الزائفة

وبقدر ما أتاحت الشبكة العنكبوتية ومنصاتها وتطبيقاتها المتعددة نوافذ معلوماتية حول وباء العصر الفيروسي، بقدر ما نجم عن بعض هذه النوافذ السمة السابعة للعام، وهو وباء معلوماتي أشد فتكاً، حيث معلومات مضللة وأخبار زائفة وتداول أهوج فاقم من حجم الوباء خلال عام 2021.

منظمة الصحة العالمية رصدت في دراسة لها صدرت قبل أشهر الحجم الرهيب للمعلومات المضللة التي يجري تداولها على المنصات الرقمية، ما يمثل تهديداً للصحة العامة يعادل وأحياناً يفوق حجم تهديد الفيروس نفسه. وما يجري تداوله من معلومات مضللة وأخبار زائفة، عملت خلال العام المنصرم على تضخيم حجم الوباء وتقويض حجم الاستجابة العالمية والتشكيك القاتل في تدابير السيطرة عليه، لا سيما فيما يتعلق باللقاحات والإجراءات الاحترازية.

وأشارت الدراسة إلى أن الشباب يسهمون في المسؤولية المجتمعية الخاصة بتقليص انتشار الوباء ومتحوراته، لا سيما أنهم الأكثر نشاطاً وتفاعلاً على المنصات الرقمية ذائعة الصيت: "تويتر" و"تيك توك" و"وي تشات" و"إنستغرام" و"فيسبوك". وبين ما كشفت عنه الدراسة ويبدو أنه سيستمر في العام الجديد 2022، أن تناقل الأخبار الزائفة أو الكاذبة أمر بالغ الضرر، لكن عدم الاهتمام كذلك أمر بالغ الضرر. أمر آخر أكدته الدراسة، هو أنه عكس ما يعتقده الكبار من أن الشباب "لا يهتم" بالوباء أو أنه يتعامل معه بخفة شديدة، هو أن هؤلاء الشباب قلقون جداً لحد الذعر من إصابة ذويهم بالفيروس، كما أنهم يشعرون بقلق بالغ من أثر الوباء في الاقتصاد وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى مستقبلهم، وهذا يشكل جانباً كبيراً من البحث على الإنترنت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غياب العدالة الرقمية

وإذا كان عام 2021 شابه الكثير من الأخبار الزائفة، فقد شابه أيضاً الكثير من انعدام العدالة الرقمية وهي السمة الثامنة. الاتحاد الدولي للاتصالات يشير إلى أنه على الرغم من الزيادة الكبيرة التي تسبب فيها الوباء في اتصال ملايين إضافية من البشر بشبكة الإنترنت، كوسيلة بديلة للعلم والعمل والترفيه والحصول على الخدمات، حيث وصل عدد المتصلين بالإنترنت إلى 4.9 مليار شخص فيما يسمى بـ"تنشيط كوفيد"، فإنه ما زال هناك 2.9 مليار شخص في العالم لم يتصلوا يوماً بالإنترنت، 96 في المئة منهم يعيشون في دول العالم النامي. العدالة الرقمية -أو بالأحرى غيابها- ظهر بشكل واضح في فجوة رقمية كبيرة بين الدول المتقدمة والنامية، وكذلك بين الذكور والإناث، وكذلك بحسب الفئة العمرية حيث يبقى المسنون والأكبر سناً الأقل اتصالاً بالشبكة وخدماتها.

البحث عن الخاتمة

الشبكة وخدماتها تقدم كل ما تشتهي أنفس القابعين أمام الشاشات. وعلى الرغم من ذيوع صيت منصات التواصل الاجتماعي التي مكنت مليارات البشر من التعبير بأنفسهم عن أنفسهم، ونجاح البعض في الانتقال من صفوف المستخدمين إلى مقاعد المؤثرين بفعل الاستخدام المختلف والمتفرد والموهوب، فإن "البحث" يبقى من أبرز ما يميز الشبكة العنكبوتية في عام 2021. السمة التاسعة هي البحث المستمر طيلة أيام عام مضى على مدى الساعة.

وقد أفضى عام من البحث في ظل إصرار مستميت من الوباء ليصاحب البشرية في عام ثانٍ، إلى ظهور كلمة جديدة غير مسبوقة بحث عنها مليارات البشر طيلة أيام العام. "التمرير أو التحريك بحثاً عن الخاتمة أو النهاية" أو "doomscrolling"

بحث مفزع ذاع صيته خلال العام الماضي. ويبدو أن الوباء وعداد الوفيات والتحورات وإصرارات البقاء أدت إلى انغماس كثيرين لا سيما من الشباب في البحث عن نهاية العالم. الكلمة الجديدة تعبر عن ميل لدى البعض لمتابعة كل ما هو سيّئ من أخبار وأحداث، ما جعل منها سمة في عام 2021.

لكن السمة العاشرة التي تفتح آفاق الأمل هي انتشار البحث عن "تأكيدات" بأن القادم أحسن وأن الحاضر ليس سيئاً للغاية. انتشر بشكل غير مسبوق البحث عن عبارات التأكيد: أنا ناجح، أنا واثق في نفسي، أنا قوي، أنا أتقدم وأتحسن، سأستيقظ من النوم وكلي طاقة للعمل، أنا لن أبحث عن الأخبار السيئة لأن الحياة حلوة.