Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عالم ما بعد كورونا... وباء الأخبار الزائفة

تحولت هذه الظاهرة إلى قضية عالمية تُخصص لها مئات ملايين الدولارات والمشاريع

هل تنتقل الأخبار الزائفة إلى مرحلة "الانتشار الفتّاك"؟ (أ.ف.ب)

يشهد العالم تهديداً لا يقلّ خطورة وانتشاراً عن فيروس كورونا المستجدّ، وهو الأخبار الزائفة.

قد يظنّ البعض أنّ في الوصف مبالغةً، ولكنّ رصد انتشار الشائعات والأخبار المضلِّلة والكاذبة يؤكد ذلك. في لبنان، مثلاً، يهتزّ السلم الأهلي بشكل حقيقي بمجرد انتشار خبر لا أصل له عن نية الحكومة عزل منطقتين تابعتين لطائفة محددّة.

في إيطاليا، تنتشر أخبار لا تحمل أي دليل حول معاقبة الولايات المتحدة الأميركية للدولة الإيطالية عبر نشر فيروس كورونا، بسبب توقيع الأخيرة اتفاقيات مع الصين في إطار مبادرة "طريق الحرير الجديد".

في فرنسا، مئات الآلاف يتداولون مقاطع فيديو حول وثائق "دامغة" تزعم بأن مختبراً فرنسياً صنع كورونا عام 1995.

وقبل ذلك، تكاد العلاقة الصينية- الأميركية تحتاج إلى شائعة إضافية لتبلغ حدّ الاستنفار للحرب.

في السنوات الثلاث الماضية، وبعد تبلور ظاهرة "الأخبار الزائفة" وما يرتبط بها كـ"الزيف العميق"، تحوّلت هذه الظاهرة إلى قضية عالمية تُخصَّص لها مئات ملايين الدولارات والمشاريع، من دون إيجاد حلول جذرية، ذلك أنّ المشكلة الحقيقية تكمن في التفكير غير العقلاني للمتلقّين، لا في من يصنعها!

وعلى الرغم من المحاولات التي شرعت بها الشركات العملاقة العابرة للحدود مثل "غوغل" و"فيسبوك"، فإنّ الحكومات ظلّت ترى هوةً سحيقة ما بين الواقع والمأمول.

أحد التقارير الصادرة عن مجموعة بحثية تابعة لـ"حلف شمال الأطلسي" (الناتو) خَلُصت أخيراً إلى فشل عالمي في الحدّ من الأخبار الزائفة.

وفي حين تقارب جامعات أميركية حالياً بشكل جدّي مستوى تأثير الأخبار الزائفة في نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإنّ معظم الجهود العالمية لمكافحة هذه الظاهرة تنحصر في خانة "وصف" الأثر، لا علاج السبب.

ولكن، هل يمكن الركون إلى الأزمة الراهنة الناجمة عن كورونا لنمنّي النفس باضمحلال هذه الظاهرة؟ وهل ازداد الوعي العام بعد التعرض لسيل من الأخبار الزائفة حول الفيروس؟

الإجابة عن هذا السؤال سلبية للأسف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من وجهة نظر علم النفس، فإنّ أحد أسباب لا مبالاة "ضحايا" الأخبار الزائفة بالتحقق من صحتها هو "التحيّز" الذي تمارسه عقولنا طوال الوقت وتخدعنا كي نظّن أننا محايدون، حتى حين نقرر العكس!

المقصود بالتحيّز هنا هو أمر أشدّ تعقيداً من المفهوم المضاد للموضوعية، فالتحيزّ في علم النفس هو جزء لا يتجزأ من بنية العقل نتيجة كل ما يصنع شخصية الفرد منذ لحظة ولادته وفي نشأته وما يتعرض له من عادات وعقائد وأفكار وأحداث.

بالتالي، فإن ادّعاء معالجة هذا النوع من التحيّز هو أمر مستحيل عملياً. وإحدى السمات الرئيسة للأخبار الكاذبة تكمن في قدرتها على التطور مع تطور الإدراك البشري. ولعلّ هذا ما يفسر انتشار التضليل والتزييف حتى في المجتمعات الأكثر تقدماً.

ومن المؤشرات الأكيدة على انتقال الأخبار الزائفة إلى مرحلة "الانتشار الفتّاك"- إن صحّ التعبير- في المرحلة المقبلة هو توجه دول وحكومات وجيوش وأجهزة أمنية إلى إدراج صناعة هذا النوع من الأخبار ضمن أدوات الدبلوماسية والحرب.

ومن الأمثلة على ذلك، استثمار جهاز الموساد الإسرائيلي في تمويل منصات رقمية في القطاع الخاص لإدارة "جيش إلكتروني" بكل ما للكلمة من معنى.

وقد كشفت "فيسبوك" في العامين الماضيين كثيراً عن حسابات إسرائيلية مضلِّلة تنشط في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا بهدف تحقيق مصالح إسرائيل.

ولا تشمل صناعة الأخبار الزائفة الأدوات التقليدية فحسب، بل يجري تطويرها حالياً بمساعدة من الذكاء الصناعي، بعدما أثبتت دراسات عدّة أن الجمهور يميل إلى التفاعل مع شخصيات يظنّها حقيقية، من دون أن يدري أنها افتراضية، قد رسم معالمها وتفاعلها الذكاء الصناعي.

هي معركة مستمرة إذاً، ولكن بأدوات أكثر تقدماً، فهل يكتشف البشر عقاراً لهذه الظاهرة التي تزداد خطورةً؟

المزيد من تحلیل