Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"التبوريدة" المغربية تدخل قائمة اليونسكو بالخيول والفرسان

مبادرة ترد الاعتبار إلى فن شعبي عربي أمازيغي عريق بجوه الفانتازي

يبدو أن اليونسكو انتبهت متأخرة إلى واحد من أعرق الفنون الشعبية في المغرب. فقد أعلنت وزارة الثقافة المغربية أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة أدرجت الفانتازيا المغربية "فن التبوريدة" ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي غير المادي، خلال اجتماع الدورة السادسة عشرة للجنة الحكومية الدولية لاتفاقية صون التراث الثقافي. وقد نوه الوفد الدائم للمغرب لدى منظمة اليونسكو بهذا القرار، الذي يشكل "اعترافاً دولياً بإرث حضاري عربي أمازيغي فريد في العالم يتشبث به المغاربة كثيراً"، وفق بيان لسفارة المغرب في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم الثقافة، التي كانت تلقت مطلب إدراج فن الفروسية التقليدية ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي قبل سنتين.

 ويعتبر "فن التبوريدة" في المغرب أحد أقدم أشكال الاحتفال التقليدي سواء في المناسبات والأفراح أو في التظاهرات التي كانت تنظمها السلطة أو القبيلة أو ما يطلق عليه في المغرب "الموسم". ويندرج ضمن الفنون الاستعراضية التي تتوخى الفرجة والاحتفالية. يصطفّ عدد من الفرسان وهم يمتطون الأحصنة والأفراس، ويرتدون زياً تقليدياً موحداً. تقف الخيول والخيالون -أو ما يطلق عليه في الثقافة الشعبية "السّربة"- على رأس المضمار لإلقاء التحية عبر إحناء الرأس، ثم تؤدي الأحصنة رقصة استعدادية، تناغماً مع الأهازيج التي تؤديها فرق شعبية مصاحبة. ثم ينطلق الفرسان بأحصنتهم من بداية المضمار المستطيل الذي يحفه الجمهور، وتبدأ الخيول في الحركة بإيقاع يتدرج مع المسافة، ويشرع الخيالة في أداء حركات متناسقة بالبنادق والألجمة.

خيول وبارود

وبعد أن يصل إيقاع الركض السرعة القصوى يوقفون خيولهم عند نهاية المضمار ليطلقوا البارود في اللحظة ذاتها بعد صيحة معروفة يصدرها رئيس الفرقة "العلّام". ويصفق الرجال ويهللون وتزغرد النساء كلّما كانت الطلقات متزامنة، لتسمع كما لو أنها طلقة بارود واحدة. بينما تخفت حماسة الجمهور حين تكون طلقات البارود متفاوتة، أو حين يتخلف أحد الفرسان أو يتقدم على زملائه في ضغط زناد بندقيته. وتعتبر الفانتازيا محاكاةً لحركات الكرّ في المعارك القديمة.

 ويرتدي الخيَّال في أغلبية الأقاليم جلباباً وبرنساً أبيضين وحذاءً خاصاً بالفروسية التقليدية أصفر اللون يسمى "التماك"، ويمتشق خنجراً وحقيبة جلد تراثية. وفي الجنوب والصحراء يرتدي الفرسان اللباس الصحراوي الأزرق والعمامة السوداء. وتُصنع بندقية البارود من الخشب الأحمر وماسورة الحديد، وتزين بخواتم وحلقات من النحاس أو الفضة أو الذهب حسب المكانة الاجتماعية والاقتصادية للفارس، أو حسب درجة ولعه بعالم الفروسية. وقد اعتاد الخيالة المغاربة على استعمال سروج مزينة وملونة وأرسان وركائب وأحزمة منمقة يعدها أمهر الصناع التقليديين في البلاد، الموجودين بالأساس في أعرق المدن المغربية مثل فاس ومراكش.

ويتطلب إعداد الحصان لأداء عروض الفانتازيا فترة زمنية غير يسيرة، ووجود مروض مختص في تدريب الخيول على الرقص والتفاعل مع الإشارات الصوتية والحركية التي تنظم عملية الركض داخل المضمار.

التحاق النساء بالفانتازيا

وكان هذا الفن حكراً على الرجال منذ ظهوره، غير أن العقود الأخيرة عرفت انضمام النساء إلى صفوف الخيالة المغاربة، لتسهم المرأة بدورها في إشعاع أو ديمومة هذا الطقس الاحتفالي والفلكلوري العريق.

ويعود تاريخ استخدام البارود في العالم العربي إلى القرن السابع، حيث كان يوظف إما في الحرب على شكل كرات وقذائف ناسفة، وإما للتسلية من خلال الألعاب النارية. لكن أول استعمال عربي للبارود في البنادق بالتحديد كان في القرن الرابع عشر دفاعاً عن غرناطة قبل سقوط الأندلس، ثم بدأ كفن استعراضي في المغرب خلال القرن الخامس عشر. وكان هذا النوع من البنادق المستعملة في فن التبوريدة يسمى "القربينة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مع تعاقب السنين تطورت وسائل الحرب، لكن بنادق البارود ظلت رمزاً تراثياً كبيراً في الثقافة العربية: ثقافة الحرب من جهة، وثقافة الفرجة أيضاً، وتحول استعمال هذه البنادق في عدد من الأقطار العربية، بخاصة في شمال أفريقيا، إلى مضمار الفروسية والخيالة.

في السنوات الأخيرة خرج الخيالة المغاربة بفنهم من المحلية بحثاً عن امتداد له في بلدان العالم، فأقاموا تظاهرات الفانتازيا ببعض الدول الأوروبية التي تضم جالية مغربية كبيرة مثل فرنسا وبلجيكا.

والجدير ذكره أن من أطلق اسم الفانتازيا على عروض الخيالة هو الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا خلال سفره إلى شمال أفريقيا. وبالأخص خلال زيارته للمغرب سنة 1832، حيث أقام في البلاد مدة ستة أشهر، شاهد خلالها عروض الخيالة في عدد من المدن المغربية، وقد جعل الفانتازيا تيمة أساسية لعدد من لوحاته.

المزيد من ثقافة