Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا فشلت تونس في استقطاب الاستثمارات الأجنبية؟

الأوضاع السياسية والاضطرابات الاجتماعية أثرت بشكل لافت في اهتمام المؤسسات الخارجية

أثر انتشار كورونا بشكل لافت على نسق تدفق الاستثمار الخارجي إلى تونس (رويترز)

من المرجح أن تُنهي تونس العام الحالي برصيد سلبي من الاستثمارات الخارجية المباشرة، التي شكلت في السنوات الماضية أحد أهم أعمدة رافعات الاقتصاد التونسي، بتوافد مؤسسات أجنبية أساساً من منطقة الاتحاد الأوروبي تنشئ مشاريع في قطاعات واعدة، لكن المنحى الإيجابي توقف منذ سنة 2018.

ولئن شكل تدفق الاستثمار الخارجي الأجنبي على تونس إحدى منارات البلاد، خصوصاً قبل 2011، إلا أنه بدأ ينطفئ نسبياً ليتحول اهتمام صناع القرار في أوروبا إلى دول مجاورة لتونس، وخصوصاً المغرب الأقصى.

وسجلت تونس في عام 2018 نمواً في جذب الاستثمارات الخارجية بنسبة 17.6 في المئة، غير أنه منذ عام 2019 بدأت الأوضاع تتغير في اتجاه تسجيل نسب سلبية، إذ تراجعت هذه الاستثمارات بـ7.6 في المئة، ثم تتعمق بتقهقر بنسبة 28 في المئة في عام 2020، وتعمق بنسبة 31 في المئة في الربع الأول من 2021.

وفي الوقت الذي يجمع فيه جل المحللين والمشرفين على قطاع النهوض بالاستثمار الخارجي في تونس، على أن انتشار جائحة فيروس كورونا أثر بشكل لافت في نسق تدفق الاستثمار الخارجي، فإن هناك عوامل أخرى جعلت تونس تفشل في استقطاب الشركات الأجنبية، ولم تعد وجهة جاذية للاستثمار الخارجي.

ويتصدر الوضع السياسي السائد في البلاد طليعة الأسباب المباشرة لعزوف المستثمرين الأجانب عن المجيء إلى تونس والاستثمار بها.

كما تسهم الاضطرابات الاجتماعية بتصاعد وتيرة الاعتصامات والصد عن العمل في تخوف الشركات الأجنبية في التحول إلى تونس وإحداث المشاريع بها.

وتنشط في تونس إلى حدود شهر ديسمبر (كانون الأول) 2021 أكثر من 3700 مؤسسة أجنبية تعمل في قطاعات عدة خاصة قطاع الصناعة وتشغل نحو 416 ألف عامل تونس وتبلغ استثماراتها 29.4 مليار دينار، أي 10.5 مليار دولار.

وضع وبائي

وأقر عبدالباسط الغانمي، المدير العام لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي (حكومية)، بأن الاستثمارات الدولية المتدفقة على تونس تراجعت مع نهاية سنة 2020 بنسبة 28.8 في المئة، وبأن هذا المنحى التنازلي يعود بالأساس إلى تأثر البلاد بالتداعيات الناجمة عن جائحة كورونا على غرار بقية دول العالم.

وأبرز أن هذا التراجع كان متوقعاً، إذ قدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في تقريره الأخير لسنة 2020 عن الاستثمار العالمي أن تنخفض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمية بنسبة تصل إلى 40 في المئة سنة 2020.

وأكد أنه تم تسجيل انخفاض في الاستثمارات الخارجية في تونس قبل بداية الأزمة الصحية منذ السداسي الثاني لسنة 2019، حين بدأت البلاد تراجعاً لتدفقات الاستثمارات الخارجية مع نهاية سنة 2019 تعمق أكثر مع الأزمة الصحية.

المستثمرون الأجانب متخوفون من الأوضاع السياسية

ويقول معز الجودي، المحلل الاقتصادي، إن الاستثمارات الخارجية في تونس عرفت توقفاً ملحوظاً منذ سنة 2018 بتسجيل نسبة سلبية بسبب ما وصفه بتردي المناخ السياسي في البلاد وتواصل تعمق الأزمة السياسية في تونس. وشدد على أن أهم عامل يبحث عنه المستثمر الأجنبي لإحداث مشاريعه هو عامل الاستقرار السياسي، الأمر الذي لا يتوفر في تونس في الوقت الراهن.

ولئن اعتبر أن انتشار جائحة كورونا أثرت في نسق تدفق الاستثمارات الأجنبية عبر العالم بشكل ملموس، إلا أنها أثرت بشكل كبير في تونس بتراجع بلغ 28 في المئة في السنة الماضية، الأمر الذي لم يحدث منذ عديد العقود، حين نجحت تونس في استقطاب المستثمرين الأجانب لما كان الوضع السياسي مستقراً جداً، رافقته إصلاحات اقتصادية متواصلة.

ومن العوامل التي يراها معز الجودي ساهمت في فشل تونس في جذب المستثمرين الأجانب في السنوات الأخيرة، اهتراء البنية التحتية بشكل ملحوظ، مستدلاً في ذلك على غياب الإنترنت في عدد من المناطق الصناعية واهتراء التجهيزات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومضى يضيف، "في الواقع هناك عوامل عدة أخرى تجعل المستثمر الأجنبي يتردد في التفكير في تونس كوجهة استثمارية محبذة، على غرار التعقيدات الإدارية بتعدد الهياكل التي يتوجه نحوها المستثمر، علاوة على مسألة الضرائب غير المستقرة، بإقرار كل سنة تغيير في نسبة الضرائب الموظفة على الأرباح".

كما لفت المحلل الاقتصادي الانتباه إلى مسألة اعتبرها في غاية الأهمية، وهي منع البنك المركزي التونسي في السنوات الأخيرة المستثمرين الأجانب المتمركزين في تونس من إخراج أرباحهم بالعملة الأجنبية من أجل الحفاظ على رصيد تونس من العملة الأجنبية.

وقال معز الجودي، إن هذه المعادلة تعد مؤثرة جداً في مصداقية تونس كوجهة استثمارية تحمي المستثمرين الأجانب.

وأشار أيضاً إلى أن المستثمر الأجنبي عندما يقرر إحداث مشروع في أي بلد، يطلع على الترقيم السيادي لتلك الدولة. وفي وضعية تونس، فإن ترقيمها السيادي تراجع بشكل مخيف في عامي 2020 و2021.

وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، خفضت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، الخميس، التصنيف السيادي لتونس من  B3إلى Caa1، مع نظرة مستقبلية سلبية.

رسائل طمأنة

ومن الحلول العاجلة التي يراها معز الجودي مجدية لوقف نزيف هروب المستثمرين الأجانب، وجوب إرساء مناخ أعمال ملائم وتغيير ترسانة القوانين وتبسيط الإجراءات الإدارية وإقرار إصلاحات اقتصادية عميقة وجوهرية. ويعتقد أن أهم إجراء هو أن يعطي رئيس الجمهورية قيس سعيد رسائل طمأنة لكل الفاعلين الاقتصاديين، بمن فيهم المستثمرون في تونس.

تغيير القوانين

ويرى عبدالباسط الغانمي، أن اليوم، وبعد مضي نحو 5 سنوات من المصادقة على المنظومة القانونية المتمثلة في قانون الاستثمار، أصبح من الضروري مراجعتها وتطويرها في إطار رؤية استراتيجية واضحة تتماشى مع أولويات تونس التنموية، الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتنشيط دور القطاع الخاص، علاوة على الأخذ في الاعتبار تطلعات جميع الشركاء وإعادة ثقة المستثمرين في الوجهة التونسية، خصوصاً في فترة ما بعد كورونا.

كما يجب أيضاً السعي إلى وضع استراتيجية قطاعية تتلاءم مع متطلبات المرحلة الراهنة، والتأكيد في هذا الباب على إعطاء الجهات الداخلية ما تستحقه من اهتمام من خلال إبراز مكامن الثروة فيها وميزاتها التفاضلية.

مراجعة منهجية العمل

وبحسب المسؤول الأول عن جهاز النهوض بالاستثمار الخارجي التونسي، تقوم الوكالة الخارجي على مدى 25 سنة بالترويج لتونس كوجهة للاستثمار الأجنبي المباشر، ومن مهامها مرافقة المستثمرين الأجانب لحثهم على إحداث مشاريعهم وتقديم الدعم الضروري لتذليل كل الصعوبات التي يمكن أن تعترضهم.

و"تعمل الوكالة بصفة دورية على أقلمة أنشطتها مع كل المستجدات التي يفرضها الظرف المحلي أو الدولي، وتبعاً لتأثيرات جائحة كورونا، راجعت الوكالة منهجية عملها وحددت ثلاث أولويات تتعلق بالمحافظة على الاستثمارات الأجنبية الحالية واستقطاب استثمارات جديدة"، يضيف الغانمي.

وتتمثل الأولوية الأولى في العمل على مساعدة الشركات الأجنبية العاملة في تونس، على استمرارية نشاطها وتيسير عمليات التصدير لتمكينها من الوفاء بتعهداتها وتسهيل عمليات التوسعة.

وترتكز الأولوية الثانية على اعتماد سياسة نشيطة بهدف استقطاب المزيد من الاستثمارات الخارجية من خلال تدعيم عمليات الاتصال المباشر بالشركات الأجنبية، خصوصاً على ضوء المتغيرات التي تشهدها سلاسل الإنتاج على مستوى العالم، والعمل على وضع تونس على خريطة المستثمرين الذين يعتزمون تحويل أنشطتهم أو جزء منها إلى جنوب حوض المتوسط.

وذكر في هذا الخصوص أنه يجري الاتصال بمكاتب خبرات مختصة، سواء عبر المقر الرئيس للوكالة في تونس، أو عن طريق مكاتبها في الخارج، لحث هذه الشركات للاستثمار في تونس واعتبارها موقعاً محتملاً لهذه الأنشطة المتعلقة بالقطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

أما الأولوية الثالثة فتتعلق باعتماد الاتصال الرقمي للترويج للمزايا التفضلية لتونس وإبراز قدرتها التنافسية، وللتعريف بالفرص المتاحة للاستثمار باستهداف قطاعات معينة مثل قطاع النسيج التقني وقطاع الصناعات الصيدلانية والقطاع الرقمي، وذلك من خلال تنظيم ورشات وملتقيات عن بعد ومن خلال اعتماد الوسائل الحديثة للترويج.