Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ظاهرة "طالبي الفتاوى الشرعية" تستفحل في مصر

تصدر دار الإفتاء 3500 فتوى يومياً ومراقبون: تعكس نقصاً واضحاً في الثقافة العامة

تفخر المؤسسات الدينية المصرية الرسمية بالكم الكبير من الفتاوى التي تصدرها يومياً (أ ف ب)

رد فعل البعض هو "ما شاء الله. ربنا يزيد ويبارك". وآخرون أصابتهم صدمة أسكتتهم بُرهةً، ثم تساءلوا: "لماذا؟"، وفريق ثالث آخذ في البحث والتدقيق والتحليل والتفنيد في الأسباب والعوامل والآثار والنتائج الناجمة عن قدرة المفتيين على إصدار كم مذهل من الفتاوى على مدار الساعة.

عدد ساعات اليوم 24، واليوم فيه 1440 دقيقة، ودار الإفتاء تصدر يومياً 3500 فتوى، ما يعني أن مصر تنتج نحو فتويين ونصف الفتوى في الدقيقة، أو فتوى كل 24 ثانية، وهو ما ينافس عداد البشر الذين يتم ضخهم على مدار الثانية. وإذا كان المصريون يضخون مولوداً إلى الدنيا كل 14 ثانيةً، فإنه في حال شد المفتيون حيلهم قليلاً ربما يتفوقون على العداد البشري، وينجحون في اللحاق به.

أرقام مذهلة

مليون و246 ألف فتوى تصدر في مصر في السنة البسيطة، ومليون و281 ألف فتوى تصدر في السنة الكبيسة، والقاعدة العريضة من المصريين سعداء بهذا العداد المذهل. وتتراوح السعادة بين شعور بالطمأنينة بين المواطنين العاديين الذين يستمدون شعورهم بالطمأنينة وراحة الضمير وسكينة القلب وهدوء العقل بالحصول على فتوى تتعلق بكل صغيرة كل كبيرة في حياتهم، وشعور بفخر الإنجاز وروعة الأداء تعتري المفتين القائمين على ضخ هذا الكم الهائل من الفتاوى.

هذا الكم الهائل من الفتاوى مثار فخر كبير في المؤسسات الدينية الرسمية، وهو الفخر الذي لخصه مفتي الديار المصرية شوقي علام بتدوينة كتبها على صفحته في "فيسبوك" قال فيها، إن "إصدار هذا العدد الكبير من الفتاوى المختلفة والمتنوعة يدل على مدى ثقة الناس في دار الإفتاء المصرية وعلمائها، وهو ما يؤكد نجاح الدار في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من طالبي الفتوى بوسائل وآليات عدة وعبر إدارات الدار المختلفة المتمثلة في الفتوى الشفوية والهاتفية والإلكترونية والمكتوبة، وما تستقبله الدار كذلك من فتاوى من خلال البث المباشر على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، وكذلك تطبيق الدار على الهواتف الذكية".

الفتوى في عقر الديار

والحقيقة أن دار الإفتاء ووزارة الأوقاف والأزهر لا تألو جهداً على مدار سنوات ما بعد أحداث عام 2013 التي أنهت حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ليس فقط لإتاحة الفتوى والرأي الشرعي عبر منصات عديدة، بعضها أثار جدلاً لا يخلو من دعابة ساخرة، بل لدخول عقر الديار، وأحياناً شواطئ الساحل، حيث الاسترخاء، وكذلك المقاهي على الأرصفة وفي المولات، حيث حمى التسوق، وفي محطات المترو، حيث قوة التدافع وزخم التلاحم.

التلاحم الشديد بين المصريين والدين قديم قدم التاريخ، لكنه وصل إلى حد التلاصق والتشابك، وأحياناً التصادم والتصارع بعد اعتناق غالبية المصريين المسلمين نهجاً جديداً يسميه البعض "صحوة دينية"، وينعته البعض الآخر بـ"الكبوة الفكرية" التي غزت البلاد والعباد في نهاية سبعينيات القرن الماضي.

 

هذا التلاحم أدى إلى كثير من النتائج، منها هذا الكم من ضخ الذي لا يكل، والإنتاج الذي لا يمل من آلاف الفتاوى على مدار ساعات اليوم الـ24 طيلة أيام العام، البسيط منها والكبيس.

زوجة على درجة مدير عام في مؤسسة كبرى ترأس مئات الرجال والنساء. توفي زوجها، فأبت أن تعود إلى عملها بعد أيام الحداد الأولى إلا بعد الحصول على فتوى بأن خروجها من البيت لا غبار عليه شرعياً. سيدة تحب ممثلاً وسيماً وتحرص على متابعة أعماله وتشاهد لقاءاته التلفزيونية تسأل دار الإفتاء إن كان في ذلك شبهة حرمانية، حيث إنها متزوجة.

رجل خان زوجته وأقام علاقة جنسية مع امرأة أخرى يسأل إن كان عليه أن يخبر زوجته بما جرى أم لا من وجهة نظر الشرع. امرأة فقدت جانباً من شعر حاجبيها بسبب التقدم في السن، وتسأل عن رأي الدين في عمل "تاتّو" لتحسين شكل حاجبيها.

رجل يسأل عن حكم أكل لحم بقرة أو جاموسة اعتاد صاحبها تقديم الخمور لها، وأسئلة ومواقف ومنها ما لا يخلو من عجائب وغرائب، وأحياناً سخافات وتوافه.

تفاهات لكن مهمة

لكن، ما يبدو تافهاً لشخص ما قد يمنع آخر من النوم ليلاً، ومن العمل نهاراً. مرفت، شابة في الـ30 من العمر. تقول، "أرتدي النقاب، والحمد لله. تعرفت إلى شاب بغرض الزواج، لكنه يعمل في بنك، وأخشى أن يكون العمل في البنوك من الأعمال التي تغضب الله سبحانه وتعالى. سألت الشيخ محمد، مؤذن الزاوية تحت بيتنا، فأكد لي أن ارتباطي بهذا الشاب حرام، لأن العمل في البنوك الربوية حرام. وحين أرسلت سؤالي لدار الإفتاء عبر الإنترنت قالوا لي إن ذلك ليس حراماً، وأنا الآن حائرة لا أعلم ماذا أفعل في ظل هذا الاختلاف بين العلماء الأجلّاء".

بين السباكة والنجارة والحدادة، وحتى الطب والهندسة والصيدلة من جهة، والدين والشرع والقدرة على الإفتاء من جهة أخرى، خطوط وفروق طمستها جماعات، ومحاها سباكون ونجارون وأطباء وصيادلة نصبوا أنفسهم مفتين، وتعامل معهم المصريون باعتبارهم علماء أجلاء تُطلب منهم الفتوى الصائبة والنصيحة الدينية، وسكتت عنهم الدولة على مدار عقود، فترعرعت دور إفتاء عديدة نافست دار الإفتاء الرسمية للدولة حيناً، وتفوقت عليها أحياناً من حيث الشعبية والقدرة على التغلغل في الأحياء والقرى والنجوع.

وعاشت مصر والمصريون عقوداً من الفوضى الدينية، وهرج الفتاوى، واختلال التوازن بين الدنيا والدين، وهو ما وصل أوجه في الانتخابات الرئاسية في مصر في عام 2012، حيث عدد من المرشحين الإسلاميين في مقابل مرشحين مدنيين. وخرج عديد من الفتاوى من مفتي جماعات إسلامية يؤكد جميعها وجوب انتخاب المرشح الذي يعد بتطبيق شرع الله.

ولأن الفتاوى لا تنضب أو تفتر في عقود تتسم بتداخل المساحات وتشابك الاختصاصات وتوغل المؤسسات والكيانات والجماعات والمجموعات الدينية فيما يختص بها وما لا يمت لها بصلة، بات وضع الفتاوى في مصر ظاهرة تستحق الدراسة، حيث كل خطوة يخطوها المصري المسلم أو لا يخطوها تحتمل الفتوى بالمنع أو المنح، إضافة إلى كونه فوضوياً.

الفوضى وتعدد المصادر

جزء من فوضوية الفتاوى نابع من تعدد المصادر، إضافة إلى إقبال كبير من غير ذي العلم على الفتوى وذيوع صيتهم، حيث تدخلت عوامل أخرى مثل الكاريزما والصراخ والكوميديا والخيال والأسطورة، وجميعها عوامل جاذبة للبسطاء.

لذلك، وبعد ما يزيد على أربعة عقود من فوضى الإفتاء، صدر في يونيو (حزيران) الماضي حكماً من محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة يحوي عشرة مبادئ خاصة بحظر الإفتاء على غير الاختصاصيين.

 

والمبادئ العشرة هي أن إفساح المجال لغير الاختصاصيين للإفتاء واتخاذهم منصات التواصل الاجتماعي كمنابر تنجم عنه آثار سيئة وخطيرة على الأجيال الحالية واللاحقة، وأن التجارب المريرة التي عاشها الوطن من استخدام منابر المساجد والزوايا لاستغلال البسطاء بثت روح الفتنة والعنف، وأن المحكمة تحدد للمجتهد شروطاً للصحة، وأن الإفتاء بالغ الدقة في الفقه الإسلامي فلا يمارسه مع قصر الإفتاء على المؤسسات الدينية للدولة المؤهلة بحكم ولايتها وخبرتها وتخصصها فلا يجوز الإفتاء بغير شروط، وأن المشرع لم يضع تعريفاً للمجتهد، لذا يوجد فراغ تشريعي، وليس شرعياً لتنظيم عملية الإفتاء في المجتمع المصري.

كما شملت المبادئ إشارة إلى قرار رئيس الجمهورية الموقت الصادر في 2014 بممارسة الخطابة، الذي خلا من تجريم استخدام منابر المساجد والزوايا لتحقيق أهداف سياسية أو حزبية، وأن مستجدات العصر في المسائل الخلافية في حاجة إلى اجتهاد جماعي وليس فردياً، فلا ينفرد بها فقيه واحد، وأن الجماعات الإرهابية تتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي منابر للإضرار بالدولة، ويجب استنهاض همة المشرع للتجريم، وأن شرور فتاوى منابر الزوايا ومنصات التواصل الاجتماعي دعاة التطرف تستغل الدين سعياً للسلطة أو جلباً للمال، وأن الدعوة توصم بالضلال والظلام يصيب المجتمع من خلل وتفكك واضطراب وفوضى لا يعلم مداها.

لكن المدى الذي ركز عليه قرار المحكمة هو المدى السياسي للفتاوى والخطابة من على المنابر، حيث اختلاط الدين بالسياسة بجماعات الإسلام السياسي المتناحرة من أجل السلطة والحكم.

إذن شرعي من الشيخ

هذا التناحر الذي انعكس على المجتمع المصري على مدار عقود طويلة من خلال هيمنة التدين المظهري تارة، وتعطيل إعمال عقل تارة أخرى، وتسليم مقاليد الأمور الحياتية إلى "رجال الدين" دائماً حتى بات البعض لا يخطو خطوة إلا بعد الحصول على إذن "شرعي" من "الشيخ"، أي شيخ لم يتطرق إليه قرار المحكمة. وهذا ما يدفع بالفتاوى إلى تحقيق هذه الأعداد الهائلة.

هول عدد الفتاوى والبساطة المفرطة التي يصفها البعض بالسطحية، والبعض الآخر بالمضحكة ضحكاً كالبكاء التي تتسم بها الأسئلة يقول الكثير. الكاتب الصحافي وصاحب سلسلة كتب عن ظواهر الدعاة الجدد التي سماها "دعاة السوبرماركت" والمتبحر في ظاهرة التدين الذي ظهر في النصف الثاني من القرن الماضي وائل لطفي يقول لـ"اندبندنت عربية"، إن لجوء ملايين المصريين للفتاوى بهذا الشكل الغريب يعكس نقصاً واضحاً في الثقافة العامة، وغياباً لمؤسسات الدولة عن ممارسة دورها في التثقيف والتوعية منذ تسعينيات، وربما ثمانينيات القرن الماضي، وغياب المثقفين وأعضاء الأحزاب السياسية والقيادات الشعبية والمحلية والاختصاصيين الاجتماعيين في المدارس وغيرهم من الأفراد الذين كانوا يقومون بمهام تثقيفية تنويرية مدنية في أرجاء مصر. والنتيجة ضعف وعوار في الثقافة العام لدى كثيرين.

شلل فكري

هذا الضعف يصفه الطبيب والكاتب خالد منتصر بـ"الشلل الفكري" الذي يعبر عن نفسه في عدم قدرة الشخص على التفكير لنفسه بنفسه في أبسط الأمور. وسبق وعبر منتصر عن رأيه في كثرة عدد الفتاوى، التي تفاخر بها دار الإفتاء المصرية، بأنه تعكس شللاً فكرياً لدى كثيرين لا يستطيعون التصرف وحدهم، بدءاً من دخول الحمام، مروراً بالعلاقات الجنسية، وانتهاءً عظائم الأمور.

وحلل تعاظم عدد الفتاوى بأنه "دليل على اضطراب القدرة على اتخاذ القرار لدى المواطن المصري وغياب العقل والإرادة في تصرفاته"، مشيراً إلى أن المجتمعات الصحية ترفض فكرة الوصاية على تفكير أفرادها وقراراتهم، لا أن تبحث عمن تعينه وصياً على العقول.

وطالب منتصر أساتذة علم الاجتماع بدراسة هذه الظاهرة "الخطيرة"، كما ناشد الدولة أن تنظر إلى مثل هذه الأرقام والأعداد غير الطبيعية بمحمل الجد نظراً إلى خطورتها.

عدم يقين مرضي

الإعلامي حمدي رزق أيضاً يرى خطورة في هذه الوفرة الشديدة. يقول إنه يبدو أن "المجتمع يعاني قلقاً ضميرياً من أعراضه عدم يقين مرضي، يسمونه وسواساً، يعالجونه بالسؤال والإلحاح المرضى". ويطالب بدراسة اجتماعية نفسية لهذه الظاهرة الغريبة "بدلاً من تلقي أقراص الفتاوى تعالج عرضاً مؤقتاً ولا تعالج مرضاً مقلقاً".

ويتساءل: هل زيادة الطلب على الفتوى تعكس نوبة تدين طارئة وكأن الناس يعاودون التعرف على الحلال والحرام؟ وهل هناك قضايا جديدة يسألون فيها؟ إنها تقريباً الأسئلة نفسها والإجابات ذاتها!

ويضيف، "نزوع المصريين إلى طلب الفتوى بشراهة مفرطة يشى بأن كثيرين باتوا مقلقلين حلالاً وحراماً. صار السؤال "حلال أم حرام" السؤال الرئيس في حياة الناس في أدق الخصوصيات، وفي قضايا أبعد ما تكون عن الحلال والحرام، ومست الفتوى قرارات وسياسات خلت من الحلال والحرام. عيشتنا أصبحت بين حلال وحرام.

وعبر عن تخوف أنصار الدولة المدنية من إعطاء رجال الدين سلطة ليست لهم في تيسير الحياة والتحكم في حياة البشر، محذراً من تديين الحياة وتسييد المراجع الدينية على هذا النحو.

انتصر تديين الحياة

هذا النحو، الذي انتصر لتديين الحياة يفسر جوانب منه الكاتب وأستاذ الاقتصاد الراحل جلال أمين في آخر كتبه "محنة الدنيا والدين في مصر". يقول إن ترييف المدينة المصرية، أي غلبة عادات وتقاليد وطريقة حياة أهل الريف على المدن المصرية بسبب النزوح الجماعي لأهل الريف وتفوقهم في العدد على أهل المدن ومن ثم فرض أساليبهم على الجميع، أثر في شكل التدين في مصر، والمبالغة الشديدة في إقحام رجال الدين ليدلوا بدلوهم في كل كبيرة وصغيرة في تفاصيل الحياة.

 

يقول أمين في كتابه، إن ترييف المدينة أثر على تفسير شرائح واسعة من الطبقة الوسطى للدين، وهو تفسير يميل إلى اللاعقلانية ويهتم بالشكليات أكثر من الجوهر. كما طلت علينا مظاهر مثل فقدان الكثيرين الثقة في النفس وفي الآخرين. وتزامن ذلك وتدهور المستوى الثقافي بشكل واضح. كما أشار أمين في كتابه إلى التغيرات الكبرى التي طرأت على مفهوم المصريين للهوية، إذ هيمنت الهوية الدينية على غيرها.

في الإنترنت متنفس

يبدو أن الهوية الدينية وجدت في الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي ما يقوي من طغيانها ويغذي نعراتها على حساب غيرها من الهويات الوطنية والقومية. يقول وائل لطفي إن ثورة الاتصالات وإتاحة خدمات الإنترنت لملايين البشر يسر عمليات "التبرع" بالإفتاء، وما يعنيه ذلك من نشر أفكار متشددة أو مغلوطة أو غريبة، أو ليس لها علاقة بالدين، بل بخرافات؟ كما يسر إقبال المستخدمين على طلب الفتوى حول كل شيء وأي شيء، بما في ذلك إشباع الحاجة إلى التدين والشعور بالأمان.

واقع الحال يشير إلى أن دار الإفتاء وغيرها من المؤسسات الدينية الإسلامية الرسمية تبذل كل ما في وسعها لتحقيق "الشعور بالأمان" للمواطنين. في المترو على الرصيف، في الساحل الشمالي على البحر، في المقاهي والمطاعم في الشوارع، في الأثير على التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، عبر الهاتف الأرضي والخلوي تصلك الفتوى أينما كنت، بل لا يشترط طلب الحصول عليها لتصلك إلى عقر دارك أو عملك أو ترحالك.

دار الإفتاء سعيدة

دار الإفتاء من جهتها، ومعها ملايين المصريين السعداء بتسليم مقاليد أمور حياتهم إلى المرجعيات الدينية، سعداء وفخورون بهذا العدد الضخم، بل تسعى الدار إلى مزيد، حيث السبب المعلن هو درء خطر الإفتاء غير المسؤول، وسد الباب أمام غير الاختصاصيين.

وتبشر الدار المصريين وغير المصريين الباحثين عن الفتوى بأن الفتوى متاحة عبر منصات عدة وبطرق بسيطة، حيث الفتاوى الشفهية التي يأتي السائل بها إلى مقر الدار، أو الهاتفية عن طريق الخط الساخن، أو الإلكترونية عبر الموقع الرسمي للدار، إضافة إلى تطبيق دار الإفتاء على الهواتف الذكية، وكذلك عبر البث المباشر على منصات التواصل الاجتماعي.

يقول الكاتب وائل لطفي، إن سعادة مفتي الديار المصرية بهذا الكم الهائل من الفتاوى أمر طبيعي ومتوقع، "هناك اعتقاد يسود في عملية رسم السياسات الدينية للدولة المصرية بأن هناك طلباً كبيراً على السؤال الديني واستهلاك الفتاوى، وأنه في حال لم تتم تلبية الطلب من قبل المؤسسات الدينية الرسمية ستتم تلبيتها من قبل أصحاب الآراء الفقهية المتطرفة، أو من قبل المنتمين إلى جماعات الإرهابية أو جماعات الإسلام السياسي وهؤلاء سيصطحبون السائلين معهم بالطبع في دائرة الخروج على الدولة".

إغلاق صنبور الفتاوى الدائرة رحاها على مدار الدقيقة أو بالأحرى ترشيدها لن يحدث إلا بملء الفراغ الفكري والثقافي والتعليمي، وإعادة الثقة إلى العلم والهوية والتنوير والبحث والتعليم وإعمال العقل وإزالة هالات الخوف من استخدامه. وإلى أن يحدث ذلك، فإن المضخة ماضية قدماً في عمليات ضخ لا تفتر أو تخفت.

يشار إلى أن الأزمة الأخيرة التي أثارها رد اللاعب المصري العالمي محمد صلاح في رده على سبب عدم شرب الخمر بأنه لم يشعر بالرغبة في ذلك، وهجوم الكثيرين عليه أنه لم يقل إن الخمر حرام خير مثال على استحضار الفتوى في كل صغيرة قبل كبيرة، فقد هرعت دار الإفتاء وأطلقت فتويين، الأولى "أن عدم التفكير في إتيان الأشياء المحرمة عبادة في ذاته"، ثم ألحقتها بأخرى تقول إن "تحريم شرب الخمر ثابت بنصوص الكتاب والسنة وعلماء المسلمين".