Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وجه البشرية المعتم كما رسمه غويا في لوحات فريدة

معرض فرنسي لأعمال الرائد الإسباني يغوص في سيرورة إبداعه ومصادره

الرسام الإسباني غويا بريشته (الخدمة الإعلامية للمعرض)

يقيم متحف الفنون الجميلة في مدينة ليل الفرنسية معرضاً استعادياً للفنان الإسباني الكبير فرانشيسكو دو غويا (1746 ــ 1828)، يتيح مشاهدة أعمال رسام الغرابة المعتمة بامتياز وهي فرصة لا تفوت، لأن هذا المعرض الحالي يقترح على زواره، من خلال عشرات اللوحات والرسوم والتجهيزات الصوتية والأفلام، اختباراً جمالياً وحسياً فريداً من نوعه يقود إلى قلب فعل خلق هذا العملاق ومصادر وحيه.

وفعلاً يرتكز المعرض على حياة وأعمال غويا لسرد قصة تحفتين فنيتين له لم تكشف بعد كل أسرارهما، هما "الشابتان" و"العجوزتان". لوحتان أنجزهما الفنان مطلع القرن الـ 19 خلال زمن عصيب (الحرب بين فرنسا وإسبانيا) بلغت فيه نظرته الحادة مقياسها الكامل.

ولإنجاز هذه السردية يجمع المعرض بين أعمال لغويا وأخرى حديثة أو معاصرة مستوحاة من فنه، ما يسمح في اكتشاف "ذريته" في القرنين الـ 19 (دولاكروا، مانيه، أنسور) والـ 20 (دالي، كارتييه بريسون، الأخوان شابمان)، والأثر الكبير الذي خلفه أيضاً في ميدان السينما.

وتجدر الإشارة بداية إلى أن الغوص في حياة غويا يتطلب جهد استقصاء كبير للتمييز بين الخرافة والحقائق التاريخية. فمثل شكسبير ورامبو ثمة العديد من النواقص في سيرته، ولا تكشف مراسلاته والوثائق المتعلقة بمسيرته الفنية وسرديات معاصريه التي تتعلق به سوى القليل عنه، وبالتالي تسهم المناطق المعتمة من حياته في تأجيج أسطورته وبقائه لغزاً يصعب فكه، يضاف إلى ذلك أن طبيعة عمله الفني أثارت أسئلة كثيرة لدى المتخصصين والباحثين فيه، فغذت الكتب والأبحاث التي وضعوها اللغز حول غويا الإنسان وغويا الفنان، عبر تشييدهم فيها نظريات وفرضيات متناقضة، ولأن الفنان صار أصماً في سن الـ 46 وعاش مذاك في صمت مطبق، أسهمت أيضاً عواقب صممه الذي تسبب له في هلوسات في تعزيز فكرة أن أعماله الفنية إسقاطات لروحه المعذبة، في حين أنها أكثر من ذلك بكثير.

زهرة شرقية

وبالعودة لمعرضه الحالي، رصدت صالته الأولى للوحة "الشابتان" التي أنجزها غويا بين عامي 1814 و1819. لوحة نشاهد فيها تحت سماء مشمسة شابة ومرافقتها تتنزهان بزي شعبي إسباني، برفقة كلب وتقرآن رسالة، ولأن الفنان رسم خلفهما مجموعة من الغسالات الناشطات في عملهن، فسر نقاد هذه اللوحة كاستعارة اجتماعية وربطوها بلوحات أخرى له تمثل حرفاً صغيرة، مثل "شاحذ السكاكين" و"حاملة الماء"، علماً أن الشابة بوحدها تسير صورة امرأة شهوانية وحرة، بينما رأى دولاكروا ومانيه فيها "زهرة شرقية" مستقاة من رؤية رومنطيقية لإسبانيا مشبعة بالثقافة العربية.

هل أن اللوحة تحمل شحنة سخرية، كما في سلسلة محفورات غويا "النزوات"؟ عنوان "الشباب – نزوة" الذي أعطي لها عام 1873 في كاتالوغ دار "كريستيز" للمزاد العلني، يدعم هذه الفرضية، علماً أنها حملت عناوين عدة على مر تاريخها، "امرأتان من مدريد بزي شعبي" لدى عرضها للمرة الأولى، ثم "شابتان" فـ "امرأتان تقرآن رسالة"، و"الرسالة" حين وضعت كمقابل للوحة "العجوزتين".

نزوات

عام 1792 أصيب غويا بالصمم. محنة شكلت نقطة تحول في إبداعه بإثارتها داخله الرغبة في إطلاق العنان "للنزوات والابتكار" داخل عمله، كما أشار بنفسه إلى ذلك في واحدة من رسائله، فأنجز أعمالاً جد شخصية مزج فيها الشعوذة ونزعة أكل لحوم البشر ومواضيع أخرى معتمة، وشكلت بداية سيرورة إبداع طويلة بلغت ذروتها في "اللوحات السوداء" التي رسمها في نهاية حياته على جدران منزله الأخير.

أعمال تضمنت أيضاً سلسلة محفوراته الشهيرة، "النزوات"، التي انطلق في إنجازها عام 1797، وتحتل نماذج منها الصالة الثانية من المعرض.

وتفتننا هذه المحفورات بجماليتها القاتمة ومشاهدها الكلبية المتشائمة التي سعى غويا فيها إلى تجسيد وجه البشرية المعتم. ولا عجب في ذلك فالمجتمع الإسباني الذي يشكل خلفية لهذه الرؤى العنيفة الاستيهامية شهد آنذاك تفشياً خطيراً في الجرائم بسبب النمو السكاني السريع والبطالة.

وبين عامي 1973 و1977 شرع سلفادور دالي في إعادة قراءة هذه المحفورات بطريقة شخصية نرى بعض ثمارها في الصالة نفسها، فعلى شكل حوار فني استرسل في كشف الصور المزدوجة داخلها، وعمد إلى تلوينها وإضافة شخصيات عليها بغية شحن خطابها بجرعة من الفكاهة القارصة ذات الصبغة الإيروسية. مقاربة سمحت في تعرية الالتباس الذي يطبع الشابات والعجائز اللواتي يقطن "نزوات" غويا.

القبيح الوحشي

وفي الصالة الثالثة من المعرض تحضر لوحة "العجوزتان" التي أنجزها الفنان بين عامي 1808 و1812، ونرى فيها امرأتين متقدمتين في السن ونحيلتين تجلسان في غرفة معتمة بلا ديكور، وخلفهما كائن مجنح يهددهما بمكنسة.

امرأتان تهجسان بمظهرهما المنفر الذي يستحضر روح سلسلة "النزوات" ويترجم افتتان الفنان بالمواضيع التي تمزج بين الواقع والاستيهام، وباتت مصدر رؤيته الجديدة. وحول هذه الرؤية كتب بودلير عام 1957، "فضيلة غويا الكبرى تكمن في تجسيده القبيح الوحشي المحتمل".

اللوحة كاريكاتورية ساخرة، يتعهد الجانب البشع لجسدي العجوزتين فيها بالتلميح إلى فعل مرور الزمن القاتل. لوحة تنتمي إلى التقليدي الرسامي الذي يربط منذ عصر النهضة الشيخوخة بالقبح، وتعزز بالتالي فكرة أن المرأة تفقد أنوثتها وإنسانيتها مع تقدمها في السن، وأن الشيخوخة ليست مرادفاً للحكمة بل للعار.

وأبعد من جانب السخرية فيها رأى بعض النقاد أن هذه اللوحة تمثل الخوف من الشيخوخة حين تنطفئ الرغبات ويفقد كل شيء معناه، وأن العجوزتين ترمزان إلى العزلة والرهبة أمام الموت، وإلى رغبتهما في البقاء جميلتين على الرغم من فعل مرور الزمن عليهما.

ومن خلال هاتين المخلوقتين الشبحيتين اللتين تحاولان بيأس الإفلات من نهايتهما الوشيكة، يواجهنا غويا مرة أخرى بأعمق مشاعرنا، مخلفاً الخوف داخلنا.

تناظُر

وعلى صورة هذه اللوحة ولوحة "الشابتين"، اللتين يمكننا مقابلتهما أو تفريقهما في معرض تفسيرهما، يوحي عمل غويا الفني ككل بتأويلات متعددة، أحياناً متناقضة، لأنه لم يكن يفكر من منظور كل عمل فني بوحده، بل من منظور يأخذ في عين الاعتبار ذلك التناظر بين أعمال ومواضيع عدة، ولذلك لا تتكشف دلالات لوحاته ومحفوراته الملغزة غالباً إلا بتشريكها ووضعها في حال حوار، كما هو الحال في معرضه الحالي، فتشكل عندها فكراً نقدياً عميقاً حول الجنس البشري يفضح "تجاسُر البشرية الملح على قولبة العالم وفقاً لمقياسها". أعمال "تعري الجنون الذي يصبح قوة إبادة"، على حد قول الفيلسوف ميشال فوكو، جنون بشرية مسؤولة عن شقائها،

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا ما يقودنا إلى الصالة الأخيرة من المعرض التي تبين كيف أن الفنانين التشكيليين والمخرجين السينمائيين المعاصرين الذين تأثروا بفن غويا، لم يتوقفوا عند عمل واحد له، بل تبنوا رؤيته التنبؤية ككل حول نزوات مجتمعاتنا. فسواء الصينيان يان باي مينغ ويو مينجون أو الياباني ياسوماسا موريمورا أو الكندي جف وول أو الأميركي روبرت لونغو أو الكولومبي فرناندو بوتيرو أو الأسترالية ترايسي موفات، جميعهم أعاد تأويل أعمال غويا عبر تحيينها، من أجل تعرية الـ "بروباغندا" السياسية أو فضح آليات التلقين (endoctrinement) الطائفي أو إدانة التعصب والظلامية اللذين يشكلان مصدر الحروب.

ومن هذا المنطلق المعاصر يرى منظمو معرض غويا الحالي أن ما يفسر افتتاننا اليوم بلوحة "العجوزتين" هو الفضول الذي نبديه تجاه مشهد الرعب. فضول تشهد عليه أفلام الأخوين شابمان التي يتعانق داخلها الخارق والمرعب، وفيلم ألان رينيه "ليل وضباب" الذي يوثق لجرائم النازية ضد الإنسانية، وكل أفلام سيرجيو ليونيه وفيديريكو فيليني حيث "يصبح الجنون في الإنسان إمكانية للقضاء على الإنسان والعالم"، وفقاً لفوكو.

ولا ينسى منظمو المعرض فيلم أورسون ويلز، "السيد أركادين"، الذي يتنكر فيه المدعوون إلى حفلة تنكرية بحلة الشخصيات الماثلة في "نزوات" غويا، أو فيلم جان لوك غودار، "قصص السينما، عملة المطلق"، الذي نضد فيه لوحات لغويا وصورا حربية مقتطفة من أفلام أو تحقيقات صحافية، على خلفية نص لفيكتور هوغو، كي يقول مع هذا الأخير، "في بعض الأحيان ينكشف التناقض التالي بشكلٍ جلي: الحضارة في الشعوب والبربرية في حكامهم".

المزيد من ثقافة