Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المجهول جيرمان نوفو شارك رامبو في كتابة "الإشراقات"

بحثان شعريان يبددان بعضا من الغموض الذي يلف شخص الشاعر الكبير ومسيرته

الشاعر الفرنسي جيرمان نوفو صديق رامبو (دار كاييه دو ليغاريه)

لا مبالغة في اعتبار فرنسا موطن الحداثة الشعرية الأول والمكان الذي تلقى فيه أي تجربة شعرية حداثية قيمة آذاناً مصغية، أكثر من أي مكان آخر. لكن كيف يمكن إذاً تفسير بقاء أحد أهم الوجوه الفرنسية لهذه الحداثة في الظل إلى حد اليوم، ونقصد العملاق، على الرغم من قامته القصيرة، الشاعر جيرمان نوفو (1851 ــ 1920)؟ لغز يزداد كثافة حين نعرف أن هذا الشاعر الملهم كان أيضاً صديق رامبو الحميم وشريكه ليس فقط في كم من المغامرات، بل أيضاً في كتابة ديوان الحداثة بامتياز، "الإشراقات"، كما نجح الباحث الفرنسي إيدي بروي في إثباته، أخيراً.

اللعنة التي تلاحق بعض الشعراء، أحياناً لفترة طويلة بعد وفاتهم، لا تشكل جواباً مقنعاً على سؤالنا، وإن لعبت دوراً في الإهمال الجائر الذي كان من نصيب نوفو. كذلك الأمر بالنسبة إلى الجهد الكبير والثابت الذي بذله في إتلاف الكتب والمجلات التي صدرت بعض قصائده فيها، بغية عدم ترك أي أثر له، لأن الجزء الأكبر من أعماله الشعرية أفلت لحسن الحظ من هذا المشروع الجنوني ووصلنا.

لتبديد بعض - وفقط بعض - من الغموض الذي يلف شخص هذا الشاعر الكبير وحياته، وإشباع فضولنا، يمكننا أن نقرأ السيرة التي كرسها له مواطنه الشاعر جوزيه لينزيني وصدرت حديثاً عن دار "دفاتر التائه" (كاييه دو ليغاريه) بعنوان "جيرمان نوفو، شريد الشعر السماوي"، وهي السيرة الأولى التي يحظى بها! يمكننا أيضاً أن نقرأ البحث الذي وضعه الكاتب والوثائقي مارتان ميرابيل بعنوان "جيرمان نوفو، قلب ملهم" وصدر أيضاً هذا العام عن دار "ميشال دو مول". كتابان يتبين لنا فيهما أن نوفو لم يكن فقط شاعراً كبيراً ملعوناً، بل أيضاً رساماً موهوباً و"شريداً سماوياً" ومتسولاً عن قناعة وآثماً تائباً، وأن حياته الصاخبة والمليئة بالأحداث والمنعطفات تشكل روايةً كبرى، لا بل قصيدةً طويلة ممزقة.

سيرة مختصرة

من مواليد بلدة بوريير (جنوب شرق فرنسا)، فقد نوفو أمه في سن الثامنة وأباه في سن الثالثة عشرة. يُتم أدى من دون شك دوراً في تأجيج حساسيته وانطلاقه منذ سن المراهقة في الكتابة. وبعد عام من التعليم في مرسيليا (1871)، توجه إلى باريس في خريف 1872 حيث عاش حياة بوهيمية حمل خلالها 15 اسماً مستعاراً، أبرزها اسم "الوضيع" (Humilis). وفي العام نفسه، نشر أول قصيدة له، "سونيتة صيفية"، في مجلة "النهضة الأدبية والفنية"، وتعرف إلى مالارميه ومجموعة "الأحياء" الشعرية، وعاشر حلقة "المتأففين" (Zutistes) الشعرية التحريضية وشارك في كتابة ألبومها، "قصائد عشرية واقعية"، الذي سخر أعضاء هذه الحلقة فيه من شعراء الحركة البرناسية.

ومع أن رامبو انتمى إلى هذه الحلقة، لكن يجب انتظار نهاية 1873 كي يتعرف نوفو إليه، فارتبطا بعلاقة حميمة قادتهما في مارس (آذار) 1874 إلى الاستقرار معاً في لندن، حيث بيضا نصوص "الإشراقات" بخطيهما، قبل أن يعود نوفو إلى باريس في يوينو (حزيران) من العام نفسه، ثم يتوجه إلى بروكسل في عام 1875 حيث تلقى من رامبو مخطوط "الإشراقات"، عن طريق الشاعر فرلين.

عام 1878، التحق نوفو في وزارة "التعليم العام" وأسهم في صحيفتي "غولوا" و"فيغارو" تحت اسم جان دو نوف، قبل أن يلبي مجدداً رغبته في السفر التي قادته عام 1883 إلى بيروت، ثم إلى منطقة عرمون اللبنانية حيث علم اللغة الفرنسية والرسم في مدرسة المحبة. لكن ارتباطه بعلاقة عاطفية مع والدة أحد تلامذته أدى إلى طرده، فعاد إلى فرنسا وأصدر قصائد مجموعته "سونيتات من لبنان" في مجلتي "القط الأسود" و"العالم الحديث". ولكسب قوته، مارس الشاعر آنذاك مهنة تعليم الرسم في المدارس، قبل أن يرمى إثر أزمة جنون صوفي، في مصح عقلي عام 1891، وما أن خرج منه حتى بدأ حياة تسول مستوحاة من حياة القديس بونوا لابر.

القصائد الأولى

وبعد سنوات من التشرد والتيه قادته إلى الجزائر العاصمة عام 1909، ثم إلى روما وسان جاك دو كومبوستيل، عاد إلى قريته في عام 1911 حيث توفي بعد تسع سنوات في حالة فقر مدقع، إثر قيامه بصوم طويل. لكن قبل رحيله، كان قد عاد إلى الكتابة فوضع بحثاً في علم الإملاء لم يصلنا مع الأسف، مثله مثل نص مسرحي بثلاثة فصول. وفي الشعر، استعاد قصيدة "عريضة مقفاة" التي كان قد بدأها قبل 12 عاماً، ونقرأ فيها ما يلخص على أكمل وجه قدره: "لم يكتب أحد أو يرسم أو ينحت أو يشيد أو يبتكر، إلا للخروج من الجحيم. لأننا جميعاً مثل ذلك المسكين فان غوغ ضحايا المجتمع".

باستثناء قصائد معدودة له، جميع أعمال نوفو الشعرية صدرت بعد وفاته. والسبب، كما سبق وأشرنا، معارضته أي مشروع لنشرها. أعمال وزعها ناشروها على النحو الآتي: "القصائد الأولى" (1872 ــ 1978)، "قصائد عشرية واقعية"، "مدونات باريسية"، "عقيدة الحب"، "سونيتات من لبنان"، "فلانتين"، "آفيه ماريا ستيلا"، "القصائد الأخيرة". أعمال متفاوتة القيمة ومتناقضة في طبيعتها، تتجاور فيها حسية ملتهبة مع نزعة روحية حلولية ومسيحية. لكن في جميعها، يتبين لنا أن نوفو، بخلاف معظم معاصريه، لم ينتظر من الشعر أن يمنحه مفتاح الكون. ففي قصائده، نراه يفضي بمكنون صدره فحسب، ومثل فرلين وأبولينر، ينتشي ويتهادى على وقع أناشيده. وبالتالي، نوفو منشد قبل أي شيء، منشد يقظ وبصير، وشعره ينبثق بفرح من إيقاعاته وصوره.

هذا ما يتجلى منذ قصائده الأولى التي يظهر فيها تأثره برامبو على مستوى الصوري، وفي الوقت نفسه، مضارعته في إشراقاته، قبل أن تصبح كتابته جد شخصية فتعكس "نفساً أنثوية مدلهة بالعشق". ولا عجب في ذلك، فلطالما انتظر نوفو ذلك الكائن الذي يمكنه، أخيراً، أن يختلط به إلى حد الانصهار. حساسية شديدة تفسر عنف مشاعره وتعلقه بمن أحبهم. فمن أجل صداقته برامبو، ثم حبه لفالنتين، فعشقه للبارئ، تخلى عن كل شيء. وما قد يبدو ضعفاً عند الوهلة الأولى هو في الواقع ما يمد شعره بكل قوته وحيويته.

ومن المسيحية التي يظهر أثرها في "عقيدة الحب"، لم يحفظ نوفو سوى قانون الحب وفهم هذه الكلمة الأخيرة بمعناها الأوسع. وفي هذا السياق، يختلط البارئ في نصوصه تارةً بالطبيعة: "أينما يكتب الإنسان الطبيعة، اقرأوا الله"، وتارةً بالجمال. ولذلك، لا نفاجأ في حلول الشابة الجميلة فالنتين مكان البارئ، في السنوات اللاحقة، أو في رؤية الشاعر الفردوس على الأرض، بعد أزمته الصوفية الكبرى، وبالتالي، في اختلاف نبرة قصائده وإطارها ومضمونها، خصوصاً في ديوان "فالنتين" الذي أعاد فيه ابتكار فن التروبادور لإنشاد شابة نورماندية التقى بها في مقهى باريسي ووقع في غرامها: "في الظل حيث ينطفئ حلم/ رغباتي المنجزة/ كانت نشوتك التي يسمو الفن بها/ تفتح، يا ابنة حواء النبيلة/ القفص لجميع القبل!". ديوان يضعف أحياناً سعي نوفو فيه خلف القافية بأي ثمن الاندفاع الشعري لبعض قصائده، بينما تشكل الإكراهات الشكلية التي التزم بها، أحياناً أخرى، مقفزاً لإشراقات باهرة. وفي الحالتين، تفتننا نصوص هذا العمل وتغربنا وتثير انفعالات جمة داخلنا سواء بصورها الغريبة أو بنبرتها الجديدة أو بحرية نظمها.

شهادة بروتون وأراغون

ولا شك في أن الحب المشتعل داخل هذا الديوان، وفي مختلف أعمال نوفو السابقة واللاحقة، هو الذي يفسر افتتان السورياليين به واعتبار أندريه بروتون إياه كأحد الممهدين لمجيء السوريالية، وقوله فيه: "في كل مرة يحدث أن أذكره، أستسلم كلياً لسحره، وبلذة أصغي إلى تفتح النشيد الغريغوري في أبياته". أما لويس أراغون فلم ير فيه "شاعراً ثانوياً، بل شاعراً عظيماً، ولا مقلداً لرامبو، بل نظيراً له".

وهذا ما يقودنا إلى بحث إيدي بروي الصاعق، "ثمة شيء من نوفو في رامبو" (2014)، الذي سعى فيه - ونجح في نظرنا - في إثبات مساهمة نوفو في كتابة ديوان "الإشراقات"، عبر تذكيرنا أولاً بأن هذا الديوان يتألف من قصائد متفرقة مكتوبة بيد نوفو ورامبو معاً، وبأن ناشريه هم الذين جمعوها لاحقاً، بطرق مختلفة، وكونوا منها ديواناً نسبوه إلى رامبو فقط، علماً أن هذا الأخير أرسل مجموع هذه القصائد لنوفو، عن طريق فرلين، بهدف نشرها، ونوفو لم يكترث لهذا المشروع للسبب الذي سبق وذكرناه. وحين نقرأ هذه النصوص على ضوء مقاربة بروي لها، وبعد قراءة أعمال نوفو، يتبين فعلاً لنا أن عدداً مهماً منها ينتمي إلى عالم هذا الأخير الشعري ويستحضر شاعراً قادماً من الجنوب الفرنسي، "ابن شموس حقيقية".  شاعر حسي حتى في تصوفه، عاشق حقيقي للنساء، للمسرح وللرسم، اختبر كل شيء وتذوق المناظر النيرة للجنوب الذي ولد ونشأ فيه، روائحه، نباتاته... باختصار، كل الطبيعة البروفانسية.

وقبل قصائد "الإشراقات"، منحنا نوفو "مدونات باريسية" التي تشكل، لمن يقرأها، خير تمهيد لها، ونجد فيها تشييدات وصفية مماثلة تختلف كل الاختلاف عن فكرة "أنا هي آخر" التي تتسلط على عمل رامبو الشعري منذ "فصل في الجحيم"، لا بل منذ قصائد "صحاري الحب" النثرية السيرذاتية التي كتبها عام 1872.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن كيف اشتغل الشاعران على هذا الديوان، وهل يتوجب نسب بعض نصوصه إلى نوفو وبعض آخر إلى رامبو، أم كان هناك تعاون بينهما في كل نص خلال جلسات نظم شفهية، خصوصاً أن الطابع السوريالي السابق لأوانه لهذا الديوان يوحي بإمكانية عمل مشترك كذلك الذي جمع بروتون وسوبو في كتاب "حقول مغناطيسية"؟ حين نقرأ نصوص "الإشراقات"، حين نصغي إليها، يتملكنا الانطباع بأن عمل رامبو ونوفو عليها اتخذ شكلاً قريباً من تقنية "الجثة اللذيذة"، بمعنى أن كل واحد منهما كان يضيف رؤيته أو جملته على رؤية أو جملة الآخر، ضمن عملية تناوب كانت تقود كل قصيدة إلى خاتمتها.

بالتالي، نوفو حاضر في هذا الديوان، على الأقل بقدر رامبو. وما يعزز هذه الفرضية قول بروتون في كتابه "الجرم المشهود": "رامبو ــ نوفو، نوفو ــ رامبو: لن نكون قد قلنا أو تجاوزنا أي شيء طالما لم نسبر سر هذه العلاقة". وفعلاً، رامبو الذي كان يريد "الحرية الحرة"، ونوفو "الحقيقة الحقة"، لم يتوجها إلى لندن للكتابة بدافع الصدفة، فـ"الآخر" الذي يمكن أن يتماثل رامبو به لم يكن فرلين، البورجوازي المغموم، الذي كانت علاقتهما محكومة بالفشل، بل نوفو، الشاعر "ذو النعلين من ريح"، مثله، و"الشريد السماوي".

المزيد من ثقافة