ملخص
أفادت "وول ستريت جورنال" بأن مخزونات النفط الإيراني الموجودة في المياه خارج نطاق الحصار، التي بلغت نحو 135 مليون برميل عند اندلاع الحرب، نفدت بحلول منتصف أكتوبر الجاري. وكانت هذه المخزونات تتيح استمرار بيع النفط للصين لبعض الوقت، على رغم القيود على خروج شحنات جديدة. أما الآن، فإذا استمر الحصار البحري، فلن تكون إيران بعيدة من وصول مبيعاتها النفطية إلى الصفر.
بالتزامن مع ادعاء محافظ البنك المركزي كفاية احتياطات النقد الأجنبي لأكثر من عامين مقبلين، يشير مسؤولون آخرون في حكومة الرئيس مسعود بزشكيان إلى تراجع إيرادات النفط ونقص الموارد بوصفهما عائقين أمام زيادة الدعم المعيشي.
وادعى محافظ البنك المركزي عبدالناصر همتي في مقابلة أول من أمس الجمعة، أن احتياطات إيران من النقد الأجنبي تكفي لتغطية واردات البلاد حتى نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بل ما بعدها. ويرى محللون أن هذا الادعاء لا ينسجم مع واقع الاقتصاد الإيراني، لا سيما بيانات تسجيل طلبات استيراد السلع وعجز الموازنة وعجز الحكومة عن إدارة سوق الصرف. ويمكن اعتباره محاولة لتهدئة الأسواق المالية، وهي محاولة فقدت سلفاً صدقيتها وتأثيرها النفسي.
وبلغت القيود على صادرات النفط وتراجع الواردات واضطراب المسارات التجارية والارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية خلال الأشهر الماضية حداً وضع الاقتصاد الإيراني ومعيشة الأسر تحت ضغوط غير مسبوقة تقريباً.
ولا يقدم همتي أرقاماً عن حجم الاحتياطات، أو نسبة الموارد المتاحة فعلياً، أو التزامات البنك المركزي بالنقد الأجنبي. ومن ثم، فإن تقييمه، عوضاً عن الاستناد إلى واقع إيرادات النقد الأجنبي، يتعارض مع البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي نفسه ومركز الإحصاء الإيراني، التي تشير إلى تراجع واردات السلع وتوقف مبيعات النفط.
وتقدم بيانات التجارة الخارجية والأسعار، كل على حدة، صورة واضحة تناقض ادعاءات همتي. وهذه البيانات، إلى جانب إقرار بعض المسؤولين الحكوميين بضرورة خفض النفقات ودعوتهم المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك، لا ترسم آفاقاً مشجعة لتأمين موارد النقد الأجنبي اللازمة.
احتياطات مجهولة
تكشف مراجعة بعض الأرقام التي قدمها همتي نفسه تناقضاً في تصريحاته. ففي الـ 21من أكتوبر) تشرين الأول) الجاري، أعلن توفير 27 مليار دولار لتمويل الواردات منذ بداية العام، والتخطيط لتوفير 20 مليار دولار خلال النصف الثاني منه. وبحسب همتي، تحظى السلع الأساسية والأدوية والمواد الأولية الصناعية بالأولوية لدى البنك المركزي.
لكن وسائل إعلام، استناداً إلى حاجات البلاد من النقد الأجنبي، وباعتماد تمويل سنوي مقداره 47 مليار دولار، تقدر حاجات إيران لتمويل الواردات حتى نهاية ولاية ترمب في يناير (كانون الثاني) 2029 بنحو 106 مليارات دولار. ولا ينسجم توفير هذا المبلغ مع الواقع الاقتصادي في ظل توقف مبيعات النفط وتزايد اضطراب التجارة العالمية. وإضافة إلى ذلك، يرى خبراء أن هذا الحساب يفترض ثبات مستوى التمويل بالنقد الأجنبي، بينما ستكون الحاجات الفعلية أكبر بالنسبة إلى دولة تعيش ظروف إيران الراهنة، وتواجه ارتفاعاً في كلف الشراء والنقل والتأمين بسبب العقوبات.
وعلى صعيد الموارد، تؤدي آفاق القطاع النفطي دوراً حاسماً. فقد أفادت "وول ستريت جورنال" بأن مخزونات النفط الإيراني الموجودة في المياه خارج نطاق الحصار، التي بلغت نحو 135 مليون برميل عند اندلاع الحرب، نفدت بحلول منتصف أكتوبر الجاري. وكانت هذه المخزونات تتيح استمرار بيع النفط للصين لبعض الوقت، على رغم القيود على خروج شحنات جديدة. أما الآن، فإذا استمر الحصار البحري، فلن تكون إيران بعيدة من وصول مبيعاتها النفطية إلى الصفر.
وأشار همتي إلى بيع الأصول وإصلاحات قطاع الطاقة وتصدير المشتقات النفطية لتعويض عجز الموازنة. غير أن زيادة الإيرادات بالريال أو بيع الأصول محلياً لا يولدان مباشرة نقداً أجنبياً قابلاً للتحويل لتمويل المشتريات الخارجية. وتصدير المشتقات مرتبط بالإنتاج ومسارات النقل وإمكان تحصيل العائدات. ولا تغني معالجة عجز الموازنة بالريال عن توضيح مصادر النقد الأجنبي التي تستند إليها الواردات. ومن جهة أخرى، فإن التعويل على بيع أصول الدولة، في إشارة إلى خطة التصرف في الممتلكات الفائضة، يتعلق بخطة تعد فاشلة سلفاً، إذ جاءت حصيلتها دون المستهدف في الموازنة.
وبحسب تقارير مركز أبحاث البرلمان، لم يصل سوى نحو 27 في المئة من إجمال 2970 عقاراً أقرت إحالتها للبيع إلى مرحلة الحصول على الترخيص أو البيع، فيما بقيت نسبة كبيرة من العقارات بلا مشترين. وهذه صورة واضحة لتراجع إيرادات الحكومة، التي يبدو أن جباية الضرائب أصبحت سبيلها الوحيد لتأمين جزء من موارد الموازنة، في وقت تراجعت فيه بوضوح قدرة الشركات والناشطين الاقتصاديين بفعل أزمات العامين الأخيرين.
تراجع الواردات واضطراب سلاسل التوريد
تبتعد بيانات التجارة الخارجية أيضاً عن صورة وفرة الموارد وتأمين السلع الأساسية دون اضطراب. فبحسب تقارير تستند إلى البيانات الجمركية، بلغت قيمة الواردات من الـ 21من مارس (آذار) إلى الـ 22من أغسطس (آب) الماضيين) نحو 17 مليار دولار، مقابل نحو 23 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بانخفاض يقارب 26 في المئة.
وتراجعت الصادرات غير النفطية بنحو 28 في المئة إلى قرابة 15 مليار دولار. ويزيد الانخفاض المتزامن في هذين التدفقين صعوبة تأمين السلع والموارد البديلة لعائدات النفط. وخلال الفترة نفسها، استوردت البلاد نحو 9.6 مليون طن من السلع الأساسية بقيمة تقارب 7 مليارات دولار، بانخفاض بلغ نحو 11 في المئة من حيث الوزن، ونحو أربعة في المئة من حيث القيمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم اعتماد الحكومة السرية في ما يتعلق بالسلع الأساسية، فإن النظر إلى أسواق أخرى يوضح كيف أدى الحصار البحري والجوي، والبري في بعض المناطق، إلى توقف تسجيل طلبات الاستيراد ودخول السلع. ففي الفترة الممتدة من الـ 23من أغسطس إلى الـ 22من سبتمبر (أيلول)، أُعلن أن تسجيل طلبات جديدة لاستيراد الهواتف المحمولة ظل متوقفاً خلال معظم أشهر العام، وأن السوق اعتمدت على طلبات مسجلة في أعوام سابقة. وقدرت واردات هذا القطاع خلال خمسة أشهر بنحو 200 مليون دولار، بانخفاض يقارب 70 في المئة.
وتشكل القيود على مسارات النقل عائقاً جدياً أمام القدرة على تأمين السلع الأساسية. ففي الـ 21من أكتوبر الجاري، أعلنت وسائل إعلام رسمية تابعة للنظام الإيراني أن إغلاق معبر الجذابة الحدودي وتوقف 3 آلاف شاحنة في الأقل في الجانب الباكستاني ينذران بخطر يهدد تأمين السلع الأساسية والمواد الغذائية.
قفزة الأسعار وقسائم شراء تتخلف عن التضخم
تمثل سوق الصرف معياراً آخر لقياس الوعود. ففي الـ 31من ديسمبر (كانون الأول) 2025، بالتزامن مع بدء ولاية عبدالناصر همتي الجديدة في رئاسة البنك المركزي، بلغ سعر الدولار الواحد في السوق الحرة 137 ألفاً و750 توماناً. واليوم، الـ 24من أكتوبر الجاري، سجل السعر المعلن عند افتتاح التعاملات مستوى قياسياً بلغ 271 ألفاً و905 تومانات. وتكشف المقارنة بين الفترتين ارتفاع سعر الدولار بنحو 97 في المئة خلال إدارة همتي، في تناقض واضح مع تصريحاته السابقة عن امتلاك الحكومة القدرة الكافية على إدارة السوق عبر ضخ النقد الأجنبي.
وكان همتي قد تحدث مجدداً، خلال الفترة الممتدة من الـ 23من أغسطس إلى الـ 22من سبتمبر الماضيين، عن كفاية الموارد والاستعداد لطرح ملياري دولار، مدعياً أن ارتفاع سعر الصرف مسألة نفسية وموقتة. لكن استمرار الدولار عند مستويات مرتفعة تجاوزت جميع سقوفه السابقة يظهر أن الإعلان عن التدخل لم يحقق استقراراً مستداماً. وخلافاً لادعاء همتي، فإن ما يندرج في إطار محاولة التأثير النفسي هو تصريحات محافظ البنك المركزي نفسه، التي تفتقر إلى أساس ولم تعد تؤثر حتى في سوق الصرف.
ويؤكد المتخصص الاقتصادي كامران ندري أن طرح الاحتياطات يمكن أن يخفض سعر الصرف، لكن استمرار أثره يرتبط بالموارد القابلة للاستخدام وإيرادات النفط والتجارة والطلب على النقد الأجنبي.
وعلى المستوى المعيشي، تبدو الضغوط أشد. فبحسب تقارير تستند إلى بيانات مركز الإحصاء، بلغ التضخم السنوي خلال الفترة من الـ 23من أغسطس إلى الـ 22من سبتمبر الماضيين نحو 73.6 في المئة، ووصل تضخم أسعار المواد الغذائية على أساس سنوي إلى 121.8 في المئة، أي إن كلفة سلة غذائية مماثلة تجاوزت ضعفي مستواها قبل عام.
وخلافاً لادعاء همتي، قال وزير الاقتصاد علي مدني زاده بوضوح إن تراجع إيرادات النفط أثر في موارد برنامج قسائم شراء السلع، وإن الحكومة استعانت بموارد أخرى لصرف المخصصات السابقة نفسها. ويبدو كأن مدني زاده وهمتي يتحدثان عن اقتصادين مختلفين: أحدهما يدعي تأمين جميع الموارد المطلوبة، والآخر ينبه إلى عدم توافر موارد كافية حتى لصرف الدعم المعيشي عبر قسائم الشراء.
وفي هذا الاقتصاد، تقدر جهات مستقلة خط الفقر للأسرة العمالية بأكثر من 70 مليون تومان، أي أكثر من 270 دولاراً، وتشير إلى تفاقم أزمة فقر السعرات الحرارية واستمرار حذف السلع من سلة الأسر شهراً بعد آخر.
ولا تمثل احتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي بالضرورة أموالاً متاحة للحكومة بالريال دون قيود، لكن على الحكومة توضيح كيفية التوفيق بين وعود كفاية الموارد وعجزها عن تعزيز الدعم المعيشي. وما لم تتضح الموارد القابلة للاستخدام والالتزامات وأولويات تخصيصها، فلن يكون الوعد بتأمين الواردات جواباً عن أزمة المعيشة. وبالنسبة إلى أسرة خفضت استهلاكها من الضروريات، فإن معيار كفاية الاحتياطات هو استمرار توافر السلع بأسعار تتناسب مع دخلها.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"