Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سارا صفي الدين تكتب للحبيب رضا الذي لا يسمعها

رواية شبابية تخوض العلاقة الثنائية بروح جديدة

لوحة للرسامة هبة أمين (صفحة الرسامة على فيسبوك)

في استعادة ذكية منها لعنوان كتاب "اسمع يا رضا"، للأديب اللبناني أنيس فريحة (1903-1993)، تقدم الكاتبة اللبنانية الشابة سارا صفي الدين روايتها الأولى "اسمعني يا رضا" (دار نوفل، 2021) في سرد سريع الوتيرة لا يتخطى مئة وسبعاً وعشرين صفحة، حوّلته في مرحلة لاحقة إلى فيلم قصير بالعنوان نفسه. ولا يجد قارئ صفي الدين في هذا العنوان خياراً اعتباطياً، فالكاتبة شاءت لراويتها أن تتوجه إلى رضا تماماً كما فعل أنيس فريحة. وبينما رضا أنيس فريحة هو ابن الكاتب، فرضا سارا صفي الدين هو حبيبها وصديقها وزوجها والرجل الوحيد في هذه الدنيا الذي، على الرغم من محاولاتها كلها، لا يسمعها.

رضا القرن الـ21

بين "اسمع يا رضا"، عام 1956، و"اسمعني يا رضا"، عام 2021، نقاط تشابه كثيرة، على الرغم من اختلاف الفضاء السردي. ففي الكتابين تنقل بين المدينة والقرية وغلبة لعادات القرية وتقاليدها، وكذلك عودات إلى الوراء واستعادة لأيام مضت، وتحسر عليها. في الكتابين رضا مخاطب لا يسمع ولا يستجيب، ولا يعرف عنه القارئ الكثير. وبينما مادة أخبار أنيس فريحة هي مذكراته وذكريات طفولته في القرية، تكون مادة سارا صفي الدين قصة حب تطورت من الطفولة إلى المراهقة فالشباب، وصولاً إلى مرحلة الزواج والانهيار النفسي للراوية.

تختار سارا صفي الدين أن تحمل بطلتها اسمها نفسه، "سارة"، إنما بالتاء المربوطة وليس الألف الطويلة، فسارا صفي الدين تكتب سارة الحاج حسن التي تكتب بدورها لرضا. وتختار صفي الدين أن تضيف إلى الجملة الفعلية الحاملة معنى الأمر، والتي اختارها أنيس فريحة، "اسمع يا رضا"، ياء المتكلم لتصبح "اسمعني يا رضا". ومع تقدم السرد تفضح هذه الـ"أنا" المضافة إلى العنوان أن الراوية سارة الحاج حسن في حاجة لأن يسمعها رضا ويراها ويشعر بها ليكون لها وجود، وليكون لحياتها معنى. يكتشف القارئ إصراراً وإلحاحاً لدى الراوية ليسمعها رضا، فكم من مرة تكررت الجملة الفعلية "اسمع يا رضا" في النص، وكم من مرة وظفت الراوية الاستفهام والجمل التعجبية لتتأكد من أن رضا سيسمعها وسيبرر وجودها وحبها وحياتها بسماعه لكلماتها وشكواها وقلقها، فتقول: "سوف أبوح بأمور لم أكن أعرفها سابقاً... وأنت يا رضا؟ هل ستسمعني؟".

قلق هائل يعتري الراوية التي ترى رضا غائباً عنها وعن مكنونات قلبها. وعلى عكس ما قد يتوقعه القارئ، غياب رضا عن الحركة والكلام والتصرف ليس نابعاً عن غيابه الجسدي، بل عن صمته وتغيبه عن مشاعر سارة الراوية. فرضا موضوع الكلام، والمخاطب في معظم الجمل، والكلمة المفتاح في العنوان، لا يؤدي أي دور سوى أن الراوية قلقة من عدم سماعه لها. ونتيجة هذه الحلقة السردية من الهوس برضا وبضروة سماعه لسارة، يتحول القارئ إلى مجرد متلقٍ ثانوي هامشي لا أهمية لوجوده ولقراءته لهذه الكلمات، فالوحيد المهم في هذا النص هو رضا.

رضا لا يريد أن يسمع

يحار القارئ أمام شخصية رضا سارا صفي الدين، فمن هو رضا؟ ما هي طباعه؟ ما هي قصته؟ كيف نشأ؟ من هما والداه؟ كم له من الإخوة؟ هل يحب سارة الراوية؟ هل يخونها؟ هل شعر أنه اضطر للزواج منها؟ إن رضا لا يملك حتى اسم عائلة! فكيف يكون هو محور الكلام والمخاطب وهو بهذا الغموض والانعزال؟ الراوية نفسها تصف حبيبها وزوجها بأنه بعيد المتناول قائلةً عنه: "رجل غريب رضا. ليس غريباً بمعنى عجيب. غريب بمعنى غريب".

إن رضا التي تحرص الراوية على أن يسمعها هو شخصية مجهولة المعالم لا يعرف عنها القارئ سوى ما تراه سارة. وتكمن قوة السرد في هذه الرواية ببساطة الجمل وسلاسة التعبير ودخول مفردات العامية إلى معجم السرد والحوار، ما يجعل الحبكة بأسرها قريبة إلى الواقع والقارئ، ويضاف إلى ذلك قدرة الفضاء السردي على حمل المعاني الحقيقية والعميقة لواقع الزواج والمرأة في الزواج، فنساء متعددات سيقرأن هذه الرواية ويجدن صدى حياتهن الزوجية بين كلماتها، وهو أمر بالغ الأهمية ولافت، بخاصة أن الكاتبة شابة للغاية (23 عاماً).

تعكس حياة سارة ورضا بتفاصيلها وماضيها مجتمعاً محافظاً وعائلة نمطية وعلاقات زوجية توافق الواقع. فكم من سارة ورضا حياتهما يسودها الصمت والوحدة والغياب؟ كم من سارة ورضا لهما جارة كمثل أم محمد، وصديق للزوج يجعل الزوجة تشعر بعدم الأمان وعدم الراحة لوجوده في حياة زوجها؟ وكم من عم أو جد أو جدة يتصرفون بالطريقة نفسها التي تتصرف بها عائلة سارة؟ هذه القدرة على إعادة خلق الواقع، إنما بشيء من الوجدانية والذاتية هو ما يجعل هذه الرواية قريبة من القارئ من دون أن تكون متوقعة أو مملة. البعد عن الإطالة في السرد والتوقف عند التفاصيل منح الحبكة أيضاً قوة ودفعاً، يضاف إلى ذلك أن لعبة المحقق الذي يفتتح السرد بتصرفاته وأسئلته وتطفله على حياة سارة ورضا تثير فضول القارئ وتشوقه: أين هو رضا؟ ولماذا تبحث عنه زوجته لدى الشرطة؟

أنثى تعترف

يدرك قارئ "اسمعني يا رضا" حاجة الراوية إلى الكلام والاعتراف، يدرك حاجتها إلى أن يسمعها رضا ويعترف بوجودها ومشاعرها وتخبطاتها. فبين الخوف والقلق والصمت والوحدة أنثى خسرت حبيبها عندما أصبح زوجها. حتى الخوف من الخيانة الزوجية يصبح هاجساً عندما تسمع سارة سائق سيارة الأجرة يخبر عن مغامراته النسائية فتقول متوجهة لرضا مباشرة عبر ضمير المخاطب كعادتها في عدة مواضع من السرد: "أين رحلت صباحاتنا يا رضا؟ أنا أخاف! أخاف على صباحاتك، من أن تدخل عليها واحدة غيري".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن الخوف من الخيانة ومن صمت الزوج أمر مبرر في المجتمعات كلها، لكنه في مجتمعات تقليدية محافظة يثير التوجس والرعب في قلوب النساء، تشعر سارة أنها لم تعد تعرف رضا، وجوده وغيابه مكللان بالصمت واللا سماع، لذلك نراها تصر على أن يسمعها، تصر على أن يسمعها هي شخصياً، فكم من مرة تقول وتشدد، "سأعترف لك بشيء يا رضا. هل ستسمعني يا رضا؟".

"اسمعني يا رضا" رواية سارا صفي الدين، رواية الصمت المخيف، صمت في العلاقات الزوجية، صمت في روح المرأة، صمت يحل محل الحب في مجتمعاتنا التقليدية، لتتحول الحاجة إلى الكلام وإلى أن يسمع الآخر صرخة الألم ضرورة لا بديل عنها. وقد يجد المرء في هذه المعادلة مبالغة، إنما الكلام في معظم الأحيان ينقذ. وكما أن سارة احتاجت إلى أن تعترف بأمور كثيرة لنفسها لتفهم، كذلك احتاجت من رضا أن يسمعها، على غرار معظم نساء مجتمعاتنا العربية. فكم من مرة ستضطر أن تعيد "اسمعني يا رضا" ليسمعها رضا حقاً؟

المزيد من ثقافة