Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لا تتوخى الصين الحذر مع الولايات المتحدة والغرب؟

الخوف من عواقب الاعتراف بالأخطاء والثقة الزائدة في المستقبل يجعلان بكين أكثر حزماً

يأمل الرئيس الصيني أن تصبح بلاده مركز العالم (أ ف ب)

على الرغم من أن مؤسسات فكرية تابعة للدولة الصينية لفتت الانتباه العام الماضي إزاء تصاعد المشاعر المعادية للصين في العالم، وتحذير قنصل بكين السابق في سان فرانسيسكو من النزعة القومية المتشددة في سياسة بلاده الخارجية، فإن الصين التي تواجه نظرة سلبية قياسية في الغرب وتحالفات معادية متعددة، لم تظهر أي إشارة على تغيير مسارها، وذلك على عكس ما كانت تفعله في الماضي، فقد أصبحت الآن تعتقد أن على العالم التكيف مع خياراتها ونهجها، ولذلك اتبعت الصين سياسة صارمة وحددت شروطها لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة وأستراليا، فما سبب عدم اهتمام الصين بتوخي الحذر في سياستها الخارجية مع الولايات المتحدة والغرب وحلفائه في آسيا؟

السير على الأشواك

في أوائل عام 2017 بدت الصين تسير بخطى متسارعة من النمو والازدهار، فقد كان اقتصادها يتطور بشكل يفوق التقديرات، بينما كان الرئيس شي جينبينغ منهمكاً في تنفيذ مبادرة الحزام والطريق للبنية التحتية، ويستعد في الوقت ذاته لافتتاح أول قاعدة عسكرية خارجية صينية في جيبوتي، كما سعى للاستفادة من افتعال الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب معارك مع حلفاء الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية.

لكن، بعد أربع سنوات تجد بكين نفسها تسير على الأشواك في مواجهة أكبر تحديات سياسية ودبلوماسية وعسكرية منذ عقود، إذ تقترب وجهات النظر السلبية تجاه الصين من تسجيل مستويات قياسية في جميع أنحاء العالم المتقدم، فوفقاً لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في يونيو (حزيران) الماضي، عبر ثلاثة أرباع المشاركين في كل من أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والسويد والولايات المتحدة، عن وجهات نظر سلبية حيال الصين، بينما وصف الاتحاد الأوروبي الصين، التي حرصت على خطب وده والتقارب معه خلال عهد ترمب، بأنها منافس دائم.

كما بدأ قادة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في تنسيق رد مشترك ضد بكين، في حين أعاد قادة أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة تنشيط التحالف الرباعي "الكواد" بينهم كرد فعل على نيات بكين المستقبلية، وذلك قبل أيام من اتفاق الولايات المتحدة وبريطانيا على مشاركة الأسرار النووية الحساسة مع أستراليا، في إطار صفقة غواصات نووية لمساعدتها على مواجهة الطموحات البحرية الصينية في المحيط الهادي.

تكثيف المواجهة

وعلى الرغم من البوادر الإيجابية التي صدرت خلال الساعات الأخيرة بعد لقاء مستشار الرئيس الأميركي جو بايدن للأمن القومي مع مسؤول صيني كبير في زيورخ، والاتفاق على ترتيب لقاء بين رئيسي البلدين قبل نهاية العام، فإن كثيراً من الشواهد تنذر بأن واشنطن تواصل تعزيز مواجهة الصين بشكل غير مسبوق، فخلال هذا الأسبوع دشنت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مكتباً جديداً صمم بشكل واضح لمواجهة الحكومة الصينية العدائية، كما وصفها مدير الوكالة ويليام بيرنز، وذلك بعد يومين فقط من كشف صحيفة "نيويورك تايمز" عن جهود الوكالة لإبقاء عملائها وتعزيز وجودهم في الصين بشكل خاص.

في الوقت نفسه نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين أن عدداً من مشاة البحرية الأميركية يدخلون ويخرجون من تايوان منذ نحو عام، بالتزامن مع صدور التوجيه الاستراتيجي الجديد لقائد سلاح البحرية الأميركي الذي يركز على ردع الصين من غزو تايوان، وهو ما يعد استفزازاً صريحاً للصين.

لا حذر أو تنازل

وعلى الرغم من كل هذه التحالفات من قبل الغرب وجيران الصين المتحالفين معه فلا تظهر بكين، حسبما تقول مجلة "فورين أفييرز" الأميركية، أي مؤشر أو علامة على تغيير نهجها الحالي، أو توخي الحذر مما تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها بالقرب من الصين أو بعيداً عنها، فعلى عكس التعاطي الصيني الإيجابي مع الغرب خلال العهود السابقة، مثلما حدث عقب مذبحة ميدان السلام السماوي (تيانانمين) في بكين عام 1989، لم تدفع المواجهات التي تلوح في الأفق، المسؤولين الصينيين إلى إعادة تقييم سياساتهم، بينما يبدو أن القادة في بكين يعتبرون أن قوة بلدهم المتصاعدة اقتصادياً وعسكرياً خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تنامي موجة من العداء تجاه الغرب، يعني أنه يتعين على بقية العالم التكيف مع ما تقرره الصين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انعكس ذلك في رد فعل بكين على التدهور السريع في العلاقات مع أستراليا، التي طالبتها بكين بقائمة من شروط أساسية لتحسين العلاقات، كما شدد قادة الصين مراراً على أن أي تحسن في العلاقات مع الولايات المتحدة يجب أن يبدأ بتنازلات من واشنطن أولاً، وهكذا بدأ المسؤولون في واشنطن ينظرون إلى عدم قدرة بكين على تغيير مسارها على أنه محاولة لإظهار التميز في المنافسة الناشئة بين البلدين، وخلال المحادثات الثنائية في مارس (آذار) الماضي التي جرت على الأراضي الأميركية في ولاية ألاسكا، ألقى كبير الدبلوماسيين الصينيين، يانغ جيتشي، محاضرة على نظرائه الأميركيين حول الإخفاقات الأخلاقية للولايات المتحدة، بما في ذلك قتل الشرطة الأميركية المواطنين السود، لكن مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، رد على يانغ بأن الولايات المتحدة لديها القدرة على الاعتراف بالأخطاء وإصلاحها، وكان المعنى واضحاً في أن الصين بدت غير قادرة على فعل الشيء نفسه.

الخوف والطموح

وفي حين يخشى المسؤولون الصينيون عواقب الاعتراف بالأخطاء، إلا أن المحللين السياسيين الأميركيين يعتبرون أن أداء بكين في الماضي كان أكثر حكمة عبر قدرتها على تصحيح المسار، فخلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي نجحت بكين في كسب أصدقاء في العالم النامي، وساعد ذلك على بناء الدعم للحزب الشيوعي الصيني كحكومة معترف بها دولياً، كما أنه في الفترة التي أعقبت مذبحة ميدان تيانانمين عام 1989، ساعد الدبلوماسيون الصينيون على تغيير صورة بلادهم في أعين العالم، وبدأوا سلسلة من النجاحات التي استمرت ما يقرب من عقدين، وبلغت ذروتها في استضافة الصين دورة الألعاب الأولمبية الصيفية عام 2008 في بكين.

غير أن فشل الصين في إعادة تقييم سياساتها حالياً هو نتاج الجو السياسي الحالي في بكين، الذي يعكس الثقة الزائدة التي شكلتها السنوات الأخيرة، ففي أعقاب الأزمة المالية العالمية 2008 - 2009، بدأت بكين في التحول نحو أسلوب دبلوماسي أكثر حزماً، مدعوماً بالاعتقاد بأن نظامها نجح في الاختبار بعد استجابتها السريعة في مواجهة الانهيار المالي، وتسارع هذا التحول بشكل كبير بعد أن أصبح شي رئيساً للحزب الشيوعي الصيني عام 2012.

لكن، بحلول عام 2017، كان كبار القادة الصينيين يشيرون إلى تغييرات خفية ستحدث هذا القرن، كما أعلن الرئيس شي علناً أن الصين تقترب من أن تصبح مركز العالم على المسرح الدولي، وستقف شامخة في الشرق.

واقترنت الثقة بالنفس المكتشفة حديثاً في بكين مع ازدياد اقتناع الصين بالضعف والتدهور الغربي بشكل عام والأميركي بشكل خاص، فقد عززت أخطاء السياسة الخارجية لواشنطن في الشرق الأوسط، واستجابتها غير الحاسمة للأزمة المالية العالمية، وتعاطيها المتخبط للوباء الحالي، وجهة النظر الصينية بضعف أميركا والغرب، وهو ما عكسته تصريحات الرئيس الصيني في فبراير (شباط) من العام الماضي، حين أبلغ كوادر حزبه بأن أزمة كورونا أظهرت المزايا الرائعة لقيادة الحزب الشيوعي الصيني والنظام الاشتراكي ذي الخصائص الصينية.

محاربو الذئب

وعلى الرغم من أن الصين واجهت انتقادات دولية متزايدة بدءاً من احتجازها نحو مليون مسلم من الأويغور في معسكرات لإعادة التأهيل، ومروراً بحملتها القمعية في هونغ كونغ، وسياساتها الصناعية المثيرة للجدل، وانتهاءً بدورها في تفشي جائحة فيروس كورونا، فإن البعض مثل بيتر مارتن، مؤلف كتاب "جيش الصين المدني: صناعة دبلوماسية محارب الذئب"، يرى أن الدبلوماسيين الصينيين هم الذين يلحقون الضرر الأكبر بسمعة البلاد.

ويعود ذلك إلى أنه بعد سلسلة من الأفلام الرائجة المعروفة باسم "وولف ووريورز" وتعني "محاربو الذئب"، التي صورت أبطالاً صينيين يلحقون الهزيمة بأعدائهم الأجانب، بدأ الدبلوماسيون الصينيون يتخذون مواقف أكثر تحدياً تجاه الولايات المتحدة والغرب، فعلى سبيل المثال، أثار المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في مارس 2020، غضب المسؤولين الأميركيين عندما ادعى أن جائحة كورنا بدأت فقط بعد أن جلب الرياضيون الأميركيون الفيروس إلى إقليم ووهان في الصين، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، نشر المتحدث نفسه رسوماً توضيحية تظهر جندياً أسترالياً يحمل سكيناً ويضعه في عنق طفل أفغاني، ما دفع رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون إلى مطالبة بكين باعتذار.

رصد المشكلة

غير أن نخب السياسة الخارجية في الصين لاحظت هذه المشكلة قبل سنوات، ففي عام 2018، حذر دينغ بوفانغ وهو نجل الزعيم السابق دنغ شياو بينغ، من أن الصين يجب أن تعرف مكانتها، وأن تتوخى الحذر في سياستها الخارجية، وفي مايو (أيار) عام 2020، ذكرت وكالة "رويترز" أن المعاهد الصينية للعلاقات الدولية المعاصرة، وهي مؤسسة فكرية تابعة لوكالة الاستخبارات الصينية، حذرت قيادة البلاد من أن المشاعر المعادية للصين كانت في أعلى مستوياتها منذ حملة القمع في ميدان تيانانمين عام 1989.

وفي سبتمبر (أيلول) 2020 حذر يوان نان شنغ، القنصل العام السابق للصين في سان فرانسيسكو، من القومية المتطرفة في السياسة الخارجية الصينية، كما اعترف الرئيس الصيني نفسه بشكل ضمني في الأقل بالمشكلة، وطالب في اجتماع للمكتب السياسي للحزب الشيوعي في يونيو الماضي بتقديم صورة محببة عن الصين للعالم.

قنوات مسدودة

وأدى صعود دبلوماسية "محاربو الذئب" في الصين إلى جعل القنوات الدبلوماسية المنتظمة مع الولايات المتحدة غير فعالة، فقد أصبحت الاجتماعات الرسمية أكثر من مجرد فرصة أمام المسؤولين الصينيين لتوبيخ نظرائهم الأميركيين بشكل علني أمام أجهزة الإعلام، في وقت سدت فيه قنوات التواصل الخلفية عبر المسؤولين السابقين أو على هامش الاجتماعات الرسمية، التي أصبحت أقل فاعلية، بسبب ترديد المسؤولين الصينيين الخطاب الرسمي نفسه بدافع الخوف، وخشية وصفهم بالضعف أو حتى السقوط في ورطة سياسية.

وعلى سبيل المثال، توقف كوي تيانكاي، سفير الصين في واشنطن، عن الاجتماع بمفرده مع نظرائه الأجانب في السنوات الأخيرة من منصبه، وكان يعقد الاجتماعات دائماً في حضور دبلوماسي آخر لتسجيل نقاط الحديث، وبسبب وباء كورونا توقفت معظم الاتصالات الشخصية، بينما لا توفر المناقشات والحوارات عبر الإنترنت أي ميزة بين المسؤولين السابقين أكثر من مجرد تكرار لنقاط الحوار السابقة.

الماضي لا يعود

ولا يعني ذلك أن الدبلوماسيين الصينيين يستطيعون وحدهم استعادة سمعة الصين العالمية، لكن دورهم أسهم عبر عمليات إعادة التقييم السابقة في تغيير السياسة الخارجية الصينية مدعومة بتغييرات في السياسة الداخلية، جعلت البلاد أكثر جاذبية أمام العالم الخارجي، فقد كان صعود الصين القوي والساحر في فترة التسعينيات مصحوباً بالتزام سياسة التحرر الاقتصادي قبل انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، واتسق ذلك مع تعاظم رغبة بكين في تنحية الخلافات الحدودية مع جيرانها جانباً، فضلاً عن اتخاذ خطوات مؤقتة أو محدودة على صعيد الإصلاح السياسي المحلي.

لكن، حكومة الرئيس الحالي شي لم تظهر أي مؤشر على استعدادها العودة إلى نهج سياسات الماضي التي اتبعتها الرئاسات السابقة، ولهذا رفضت بكين تغيير السياسات الصناعية التي تقودها الدولة، التي أدت إلى عزل الشركات المتعددة الجنسيات، كما أنها لم تحرك ساكناً من أجل تخفيف القمع في شينجيانغ أو هونغ كونغ، فضلاً عن تصلبها وعدم تنازلها عن النزاعات الإقليمية في جبال الهيمالايا أو بحر الصين الجنوبي، وهذا من شأنه كما تقول مجلة "فورين أفييرز" أن يترك الدبلوماسيين ووسائل الإعلام الصينية محملين برسائل متشددة يصعب تسويقها حول العالم إن لم يكن ذلك مستحيلاً.

المزيد من تقارير