Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل انتهت الحركة التشكيلية الحديثة في تونس إلى سوق؟

علي اللواتي يدرس تاريخ الفن منذ الاستعمار الفرنسي إلى الوقت الراهن

من اللوحات الواردة في الكتاب (اندبندنت عربية)

شغف الشاعر والمترجم علي اللواتي بالرسم قديم، فقد نظّم أربعة معارض فرديّة لأعماله الفنية إضافة إلى مشاركات كثيرة في معارض جماعيّة، وكتب باللغتين العربيّة والفرنسية عددا من المؤلفات انعطفت على الفنّ التشكيلي بالنظر والتاّمل ومنها : "الفن التشكيلي في تونس" و"جمالية الرسم الإسلامي".

في كتابه الجديد "خطوط على جدار الذاكرة" الصادر عن دار كنتراست تونس 2021 الذي يضم عددا من الدراسات يتأمل اللواتي من جديد التجربة التشكيلية في تونس، مسلطا الضوء على أهمّ روادها، راصدا أهمّ منعطفاتها، وباحثا عن وجوه طرافتها وجدتها.

نشأة الفن التشكيلي الغربي في تونس

يرتدّ اللواتى إلى بدايات الفنّ التشكيلي ذي الأصول الجمالية الغربيّة في تونس. فيذكّر القارئ بأنّ هذا الفنّ ظهر خلال القرن التاسع عشر مع الصور الشخصيّة التي كان يرسمها فنانون أوربيوّن لرجال الدولة التونسية في سياق تأثر هؤلاء بالطبقات الميسورة الأوربيّة. وقد أقيم أوّل معرض فنّي تحت اسم "الصالون التونسي" في العام 1894 (علماً أنّ فرض الحماية الفرنسيّة قد تم عام1891) وكان ثمرة لجهود أعضاء القسم الفنّي في أكاديميّة "معهد قرطاج" التي تأسست كواجهة فنّية للحضور الاستعماريّ الفرنسي. واعتبرت الصحافة والمثقفون الأجانب آنذاك تلك التظاهرة "حدثا ثقافيا عظيما في حياة المستوطنين الفرنسيين يرجى منه تعزيز الحضور الفرنسي ومساعدته في مهمة نشر القيم الفرنسيّة على أرض طالما عانت، حسب زعمهم، من الجدب الحضاريّ". واشتمل المعرض على خليط من اللوحات بعضها لفنانين من فرنسا ، وأخرى لفنّانين من الجاليات الأجنبية المقيمة في تونس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عندما أنشىء الصالون اعتبر تكملة للمشروع الاستعماري في بعده الثقافي، وعدّ حافزا للفنانين الفرنسيين على القدوم إلى تونس من أجل الإقامة فيها. وقال أحد أعضاء هذا الصالون بين يدي الحاكم الفرنسي: "إنّ أملنا أن تصبح تونس المركز الحقيقي للفنّ الشرقيّ وأن نجعل شيئا فشيئا من هذا الصالون التونسي مكان لقاء لكل من يدعو في الفنّ إلى الاستشراق".
وفعلا سيطر تيار الاستشراق الفنّي على تظاهرات الصالون إلى حدود الحرب العالميّة الأولى، وبدا متماهيا مع المدّ الاستعماريّ الغربيّ. لهذا بقي الصالون في عزلة كاملة عن المجتمع التونسي .وظل الوضع هكذا حتى ظهور جيل جديد دأب على المشاركة في الصالون من أمثال يحيى التركي وعلي بن سالم اللذين حاولا التخلص من مواضيع الاستشراق والالتفات إلى الواقع التونسي مستلهمين منه مواضيعهما والوانهما واشكالهما الفنية.

الفن التونسي وسؤال الهوية

شهدت الساحة التشكيلية صراعا محتدما بين فريقين اثنين: الأوّل دعا إلى الانخراط في الفنّ العالمي، والإفادة من منجزاته الباهرة بغض النظر عن الفوارق الثقافية والحضارية وفريق ثان دعا إلى إنجاز "فنّ وطنيّ" مستقلّ عن التيارات العالمية يصور، مشاهد مستوحاة من تراث الماضي ومظاهر الحياة التقليدية.

ومن أهمّ الفنانين الذين دعوا إلى "فنّ تونسي" الفنان الكبير عبد العزيز القرجي إذ بدأ برسم الحياة الشعبيّة بمختلف مواضيعها من عادات وتقاليد ونماذج بشريّة وفضاءات معماريّة من الماضي، وكان أكثر ميله إلى صيغة تستلهم المنمنمة الإسلاميّة القديمة في خصائصها الأسلوبيّة ووظيفتها كـ"أيقونة" ترمز إلى الواقع دون أن تحاكيه.

ومع ذلك فقد خاض في الستينيات مغامرة التجريب فترك قوالب المنمنمة إلى فضاء أرحب يتيح لأعماله أن تتحرّك بحرّية اكبر بعيدا عن نمطية أسلوبه المعتاد. انقلب أسلوبه الرصين رأسا على عقب وتحولت اللوحة من بناء متماسك متناسق إلى حلبة تجري فوقها الخطوط على نحو انفعاليّ منفلت.

الزبير التركي أوالحياة امتداد للفنّ

عاد الزبير التركي إلى تونس بعد دراسته في السويد سنة 1958 ليفاجىء الجميع بطرق مبتكرة لم يتبعها غيره من الفنانين التشكيليين في ممارسة الفنّ وتبليغه إلى الجمهور.لم يقتصر الزبير التركي على عرض أعماله في إطار الأروقة الفنّية والتظاهرات الأخرى مثل الصالونات والبيناليّات على عادة الفنّانين بل اتخذ منهجا اتصاليّا من خلال أشكال تعبير مختلفة مثل الكاريكاتور والقصص المصوّرة والإشهار، والتصاوير المصاحبة للنصوص الأدبيّة. وكان له إسهام واضح في مجال النحت، فهو الذي أنجز تمثال ابن خلدون، كما قام بتزويق الكتب وتصميم المناظر والملابس للمسرح  ممّا أسهم في تيسير التعامل مع تلك الأنماط من التعبير  لدى الناس وبثّ فيهم حسّا فنّيا جديدا، محقّقا لعمله تأثيرا مباشرا في الواقع الاجتماعي لم يتحقق لغيره من الفنانين.

تميز الزبير التركي بتعدّد مواهبه، فهو مارس الرسم المسنديّ والفنّ الجداري والنحت. وأكثر ما عرف به التصوير المعتمد على خط مرن ينساب معبرا عن جوهر الأشكال. وخاصة الصورة البشرية التي يشحنها بحيوية فياضة حتى لنكاد ننفذ من خلال حركتها وملامحها إلى أفكارها ومشاعرها. وينطوي تصويره الخطي على إيحاءات ذات أبعاد حضارية وروحيّة تعبر عن بيئة عربية عميقة الجذور. وقد كان الفنان يعتبر  أسلوبه أقرب إلى تقاليد التصوير العربي القديم منه إلى الفن الغربي . وكان معجبا بمنمنمات مدرسة بغداد القديمة وبنابغتها الواسطي.

التجريد في الفن التشكيلي التونسي

لا شك في أن ظهور التجريد في الفنون التشكيليّة في تونس في نهاية الخمسينيات أدّى دورا مهمّا في تطور الحركة الفنّية في الساحة الثقافيّة التي كانت آنذاك تعيش بداية التحولات في مفاهيم الأدب والمسرح والسينما. وطرح الرسّامون التجريديون أمثال الهادي التركي ونجيب بالخوجة ّورفيق كامل رؤى جديدة حول دور الفن ووظائفه في المجتمع.

وعلى الرغم من تطور الفن التجريدي في شبه عزلة عن الجمهور فقد جلب إليه عددا من الفنانين التونسيين، منهم الفنان الكبير الهادي التركي الذي اكتشف "التعبيرية التجريدية" خلال رحلة دراسيّة إلى الولايات المتحدة الأميركية.لكنه سرعان ما تحوّل إلى التجريد التأمّلي وقوامه مساحات هادئة ذات حدود ضبابية تغطيها الوان شفافة.

ومن مزايا التجريد أنه دفع التشكيليين إلى الاهتمام بالإرث الفنّي الإسلامي وإعادة اكتشاف خصائصه الفنية. وقد أفاد الفنانون التونسيّون من العودة إلى المنابع الفنّية، وكان من أبرزهم نجيب بلخوجة الذي استوحى بنية العمارة الإسلاميّة ، ولطفي الأرناؤوط الذي تأثر بالرقش العربي ونجا المهداوي الذي قدّم تأويلا بصريّا خاصّا للخط العربي.

والآن وقد اختفى أهم التجريديين، يتحوّل الفن التشكيلي، في نظر على اللواتي، إلى سلعة تعرض في الأروقة العديدة دون استناد إلى تنظير جادّ، ودون أن يبرز من بينها ما يشكل اتجاها يطرح بوعي قضايا الفن وموقعه في حياة المجتمع. فقد انتهى في نظره عصر الجدال والحجاج وتبادل الآراء وتحولت، الساحة التشكيلية حسب عبارته، إلى مجرد سوق والأعمال الفنية إلى مجرد بضاعة.

المزيد من ثقافة