Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بنيونس عميروش: مفهوم التشكيل أصبح مفتوحا على كل الفنون

يجمع بين الفن والبحث النظري وأعماله تركز على مخاطبة البعد الإنساني والجماعي

الفنان والباحث المغربي بنيونس عميروش في محترفه (اندنبدنت عربية)

يعرف الحقل التشكيلي في المغرب ازدهاراً كبيراً قياساً إلى العقود السابقة، ويمكن للمتتبع أن يلحظ ذلك من خلال معيارين أساسيين: الجانب الكمي، ونقصد به الزيادة الملحوظة في عدد التظاهرات التشكيلية والمعارض وعدد المنتسبين إلى هذا الحقل، والزيادة أيضاً في نسب الدراسات والمواكبات الإعلامية. أما المعيار الثاني، فهو قيمة الأعمال المنجزة وتطورها وانفتاحها على الفن العالمي. غير أن مجال التشكيل في المغرب ما زال يحتاج إلى دعم الدولة من جهة، وإلى توسيع قاعدة التلقي، ورفع نسب التداول.

نفتح النقاش مع التشكيلي والناقد الفني المغربي بنيونس عميروش، وهو أحد الأسماء الأساسية اليوم في عالم التشكيل المغربي فناناً وناقداً. والهدف أن يضيء لنا كثيراً من النقاط، سواء حول تجربته الفرديةـ أو حول التجربة المغربية الراهنة في الفن التشكيلي.

ولد بنيونس عميروش سنة 1960 في مدينة وجدة شرق المغرب، واشتغل في أكاديمية الدار البيضاء مفتشاً ومنسقاً لمادة الفنون التشكيلية، وكذلك أستاذاً لتاريخ الفن الحديث بالمدرسة العليا للأساتذة بمدينة مكناس. وهو في الآن ذاته رئيس الجمعية المغربية للنقد الفني وعضو العديد من الهيئات الثقافية والفنية داخل المغرب وخارجه.

شارك في كثير من المعارض الوطنية والدولية منذ مطلع الثمانينيات وحاز جائزة لجنة التحكيم في الصالون الدولي السادس للفن المعاصر حول الموسيقى- سان بارتلمي أنجو بفرنسا في 1996. وألف كتباً نظرية مهمة في مجاله من بينها "قراءات في التصوير المغربي المعاصر"، "مسالك البصري- وسائط ورهانات الفن المعاصر"، "النحت المعاصر في المغرب"، فضلاً عن كتب أخرى.

طغيان التجريد

في المغرب، كما في معظم البلدان، قوبل التجريد في بدايته بالرفض. الآن صار التجريد هو الطاغي والمهيمن في أعمال الفنانين. سألت بنيونس إن كان من الممكن القول: كل ما ليس تجريدياً اليوم ليس فناً تشكيلياً، فأكد أنه من البدهي وقوع الاندماج والتفاعل مع الأساليب التجريدية التي وسمت القرن العشرين بعد أن صارت مهيمنة منذ الخمسينيات في معظم الأقطار العالمية والعربية، وما زالت معتمدة لدى الفنانين وفق رغباتهم وميولهم إلى الآن.

واستطرد الفنان المغربي: "غير أننا لا يمكن اعتبار ما ليس تجريدياً اليوم ليس فناً تشكيلياً، ذلك أن الفن التشكيلي لا يعني اللوحات وحدها، كما لا يعني صنفاً معيناً أو أسلوباً من الفن الحديث، إذ ينطبق على كل فنون التشكيل من فن التصوير، ويشمل الرسم وكل ما يتم إنجازه على سند مسطح، وفن النحت (التشكيل المجسم) وحتى الفن المعماري؛ فعمل زها حديد مثلاً، الواقع على ضفاف وادي أبي رقراق بالرباط، هو عبارة عن نحت صرحي (تشكيل حجمي) قبل أن يكون بناية مسرح".  

ويضيف بنيونس: "بعد أن تم المرور من مفهوم الفنون الجميلة إلى الفنون التشكيلية، ومن هذه الأخيرة إلى الفنون البصرية، توسعت الحرية أمام الفنان أكثر فأكثر، في إطار باراديغم الفن العاصر ليشتغل بالمفاهيم والأفكار والمواقف، ويختار الوسائط التي تناسبه من دون شرط، وينقي المادة والتقنية والأسلوب وطريقة التقديم وفق إرادته. وهذا الثراء في وسائل التعبير هو ما جاءت به فنون ما بعد الحداثة التي تحتضن كل الأنماط الحديثة والقديمة، بما فيها أساليب التمثيل بكافة أشكاله عبر التاريخ، لإعادة صياغتها وتوظيفها برؤية جديدة".

إن الأمر في نهاية المطاف بحسب بنيونس: "لا يتعلق بالتجريد أو التشخيص في حد ذاتهما، بقدر ما تكمن المسألة في كيفية المعالجة الفنية التي تجعل المنتج مبتدعاً، ومنزاحاً عن المألوف".  

احتفاء بمعمار المدينة          

في أحد معارضه احتفى بنيونس عميروش بالمعمار داخل اللوحة، وكان يقدم قراءة فنية للعبور الإنساني، مركزاً على الفضاءات العامة والمشتركة. سألناه عن الرسائل التي يمكن أن يحملها هذا النوع من الإنجاز الفني، فتوقف معنا عند حضور المدينة كموضوع إثارة واشتغال فني وفكري في مختلف الأجناس الإبداعية من الأدب والتأمل الفلسفي إلى المسرح والسينما والفنون المرئية قاطبة.

"فإضافة إلى كون المدينة تعكس نسقها البصري الخاص فهي وعاء لنمط حياة مجتمعية تحكم مظاهر التحضر والسلوك، بحيث تتفاعل طبيعة الساكنة مع الطابع المعماري الذي يحتضنها. من هذه الزاوية تمحور معرضي بالرباط 2019 حول علاقتي الشخصية بعديد المدن، واخترت له عنوان "فسحة"، كدعوة لإشراك الجمهور في هذه الفسحة المدينية التي أقترحها. غير أن الأمر لا يرتبط بمحاكاة نظم تخطيط الشوارع وتشييد البنايات وإبراز واجهاتها، بقدر ما يتعلق بالنظرة الخاصة، ضمن مشهدية تعبيرية تحفز استحضار الذاكرة الجمعية للأمكنة والفضاءات العمومية التي تتيح التجمع والمرور. وتمكننا من مشهدية المعمار، وذلك من منطلق التموقع الفيزيقي والرمزي في الفسح المعمارية التي تنسج فعل التنقل والتبادل والتأمل الوجودي، فيما تترجم الذهنيات والمثاقفات والأنساق القيمية، وكل ما يعكس الثقافة الحضرية بمفهومها الإثنولوجي العام."

 من جانب آخر، يضيف بنيونس: "كثيراً ما أثارتني التأملات والكتابات الفكرية للمعماريين إلى جانب إبداعاتهم البنائية، بمن فيهم العرب من أمثال حسن فتحي، محمد مكية، عبد الواحد الوكيل، جعفر طوقان، زها حديد، رفعة الجادرجي الذي ألف عديد الكتب حول مشاريعه وأفكاره وأنظاره المعمارية من زوايا جمالية، بكثير الجهد والعمق".

في أحد معارضه وكان عنوانه "فلاش باك"، ركز بنيونس على الكولاج. وأدخل عناصر عديدة إلى جانب المساحات الصباغية. سألناه عن الحد الذي تتحمل فيه اللوحة عناصر قد تبدو خارجها. فأحب أن يذكرنا بأن اشتغاله في هذا المعرض انصب على موضوع الذاكرة، محاولاً الإجابة على سؤال ظل يتبادر إلى ذهنه باستمرار "كيف يتسنى لي تثبيت صور الذاكرة وإيقاظها، لاسترجاع قيمتها الرمزية، بوصفها تاريخاً جمعياً، يمس بنات أو أبناء جيلي على الأقل؟

هنا، نتحسس النزعة النوستالجية، بقدر ما نتطلع إلى استدراجها ككيان ملموس خاضع لـ"التجسيد" والترميز، وللمحسوس المشترك، بالشاكلة التي يتم بها استعادة الزمان والمكان المتقاسمين، لتوليد قيم التشارك والتبادل والتقاسم. من هنا جاء توظيف الكولاج بما اجتمع لدي، منذ بداية الشباب، من أسطوانات موسيقية وصور فوتوغرافية (فنية- تجريبية) وأظرفة رسائل وطوابع بريدية وغيرها، ضمن انتقاء يتماشى مع روح اللوحة التي لا تبتعد عن طبيعة التصوير "الصباغي".

فالأسطوانات الغنائية لفرق "البيتلز" (Beatles) و"البوني أم" (Boney M) و(البيدجيز) (Bidjiz)، وفرق "ناس الغيوان" و"جيل جيلالة" و"المشاهب" لقيت إعجابنا في أوج عطائها، فكان لها الأثر الكبير على جيلنا، وقد صارت اليوم من الكلاسيكيات. ومن ثم، أضحت "تراثاً" مشتركاً. ففي توظيف أسطوانة تنحدر إلى خمسين سنة، أكون قد دمجت تحفة دالة ونادرة في العمل، وبذلك أستثمر مفهوم "اللوحة- المتحف" الموصولة بالذاكرة الجمعية".

السرد والموسيقى في التشكيل

ركز بنيونس في المعرض ذاته على الذاكرة وعلى استدعاء مشاهد الطفولة. لهذا سألناه إن كان للفن هنا وظيفة الأدب (السرد). فتوقف عند تحولات الفن المعاصر الذي لم تعد الحدود فيه بين الأجناس الفنية قائمة، ومن منابعه الفن المفهومي (أو التصوري) L’art conceptuel الذي يقوم على الفكرة التي يمكن أن تكون نصاً مكتوباً، من دون تحقق العمل الفني كمادة بصرية في حد ذاته.

يفسر بنيونس فكرته على هذا النحو "في فنون ما بعد الحداثة يتم تبني كتابات ومحكيات وسرود كنصوص مكملة للعمل (المنشآت الفضائية Installations، الأداءات المشهدية أو فن الأداء Performances، الصور الرقمية، الفيديوهات...).

وليست معزولة عنه، وإن تحدثنا هنا عن (السرد، فإنه محكوم بالإطار التشكيلي أو البصري أو المفهومي الذي يشتغل الفنان داخله. غير أن هذا لا يمكن أن يشغل وظيفة الأدب مطلقاً، نظراً للفروق القائمة في طبيعة الفنون البصرية والأدب بعامة. فالسرد في الرواية مثلاً، يقوم على قواعد وحرفية خصوصاً بـمادة اللغة التي عليها أن تخلق وتركب طبائع الأجواء وطبائع الأحداث وتشابكها وطبائع الصور، ومختلف المؤثرات التي تعكس قدرة الروائي في الوصف، وفي التخييل الذي تنعكس آثاره ومشاهده بقوة اللغة ومن صلب اللغة وحدها، وفق التجربة الخاصة للروائي وخلفيته المعرفية التي قد تستوعب مدارج العلوم الإنسانية، من التاريخ وعلمي النفس والاجتماع إلى الفلسفة والجماليات".       

 اشتغل الفنان المغربي بنيونس عميروش أيضاً على تيمة الموسيقى، وحصل على جائزة لجنة التحكيم في الصالون الدولي السادس للفن المعاصر حول الموسيقى بفرنسا.

سألته: "هل تراهن باستمرار على تقريب التشكيل من عوالم أخرى، في سياق انفتاح الفن وهدم الجسور بين الأشكال الفنية؟" فكان جوابه "في الفن كما في الكتابة، ما ننجزه تحت الطلب، كثيراً ما يحفزنا على طرق مواضيع لم تكن في حسباننا، وتدفعنا للنظر إلى الأشياء من زوايا لم تخطر على بالنا. قبل أن أتناول الموسيقى في أعمالي (فلاش- باك، 2009-2011)، اشتغلت على تيمة الموسيقى استجابة للمشاركة في الصالون الدولي للموسيقى في فرنسا بداية من دورة 1996، ثم في الدورة التالية 1997، بالتركيز على آلة العود. ولعل ذلك كان الدافع، بوعي أو غير وعي، لإدماج الأسطوانات التي حافظت عليها منذ سبعينيات القرن الماضي في أعمالي، والتي احتضنت في هذه التجربة، عديد العناصر التي تحيل على أجناس تعبيرية أخرى، بما فيها الكتابة (اللغوية)، ككتابة مشفرة خاضعة للتراكب والمحو القريب من أشكال الطرس (Palimpseste)".

ويضيف بنيونس: "إذا كانت الفوتوغرافيا حاضرة في اللوحة بالكولاج، كسند فوتوغرافي ملموس لكونها رديفاً للتعبير البصري، فإن السينما تحضر كبعد رمزي أكثر، من خلال التسمية: فلاش- باك (مصطلح إنجليزي ذو بعد كوني معتمد في جميع اللغات والثقافات)، بوصفها تقنية سينمائية تعمل على استرجاع مشهد سابق، للتذكير والربط بين المشاهد وترتيب سياق الأحداث. في حين، تستعمل هذه التقنية في المسرح الذي ينبني على السرد في المقام الأول، بينما كان الروائيون سباقين إلى توظيفها. والاستحضار كمفهوم يتناغم مع ثيمة الذاكرة التي تتقاطع فيها دلالات الاستذكار والاستظهار والاستعادة."  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سبق للباحث الجمالي موليم العروسي أن أطلق على بنيونس صفة "الفنان المفكر". وهذا يقودنا بالضرورة إلى أن نسأله عن الفلسفة التي تقف وراء أعماله الفنية. غير أنه وضح لنا أن العبارة جاءت بصيغة أخرى "فنان تشكيلي اختار أن يفكر الفن بما هو كذلك"، وأضاف: "أشير إلى أن التوصيف أتى في سياق نص تقديم الباحث الجمالي موليم العروسي مشكوراً لكتابي "مسالك البصري" (دار خطوط وظلال بالأردن، 2020). على العموم، لم تكن الفنون على اختلاف أنواعها وأجناسها في معزل عن الفكر، وعن فعل التفكير المرتبطين بهما، إن على مستوى التطبيق أو على صعيد التأطير والنظرية التي تطورت بتوقيع عديد الفنانين أنفسهم عبر التاريخ الفني."

إن العمل الفني، بحسب بنيونس، لا بد أن يقوم على فكرة أو مفهوم أو مبدأ أو موقف وغيره، بينما يكون دافعاً ومحفزاً على المساءلة الذاتية ومساءلة الآخر. ومثلما يمس إيقاظ الحس يمس إيقاظ الفكر، ومثلما يمس الشكل والرمز، يمس المعنى والمعرفة. وكما للعمل الفني وجهه المظهري، له في المقابل خلفيته الفلسفية في قالب أفكار ومسائل وتصورات مجسدة بوضوح بعيداً عن أي التباس مغرق في التجريد الفكري. ذلك أن الفلسفة ذاتها، كان لا بد من أن تنتقل من الماورائيات واقتفاء الحقيقة إلى العقل النقدي مع إيمانويل كانت، ليتحول الفكر الجمالي من داخلها، إلى الفعل والتجربة التي اتخذت أبعاداً ملموسة أكثر فأكثر مع فريدريك هيغل ومن تلاه. ومن ثم، يمارس بنيونس الفن بوصفه إنجازاً ومعرفة، بما هو كل متوافق غير منفصل عن ثقافته وعلومه.

المزيد من ثقافة