Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أوجيني غراندي" بلزاك على الشاشة العريضة في أزمان أقرب إلينا

يوم تحررت الصبية من جمود الريف وأعرافه القاسية وبخل أبيها

مشهد من فيلم "أوجيني غراندي" (موقع الفيلم)

هل يمكن لأحد إحصاء عدد المرات التي نقلت فيها روايات للكاتب الفرنسي أونوريه دي بلزاك إلى الشاشتين الكبيرة والصغيرة؟ مئات المرات بالتأكيد منذ فجر السينما الصامتة حتى اليوم تحديداً، إذ عُرض على الشاشات الباريسية فيلم شديد المعاصرة يلقى نجاحاً كبيراً مقتبساً عن واحدة من أشهر روايات هذا الكاتب، "أوجيني غراندي"، التي كتبها في عام 1833 وكان في الرابعة والثلاثين من عمره، لتشكل لاحقاً واسطة العقد بين نحو التسعين رواية التي يتكون من مجموعها متن عمله الجامع "الكوميديا الإنسانية". والحقيقة أن هذا الاقتباس الجديد والناجح إلى حد كبير لرواية بلزاك الأشهر - وسنوضح هذه الشهرة وأسبابها بعد سطور- يأتي ليدفعنا إلى تبديل السؤال الذي انطلقنا منه أول هذا الكلام، لأن السؤال المنطقي هنا هو التالي: كم عدد المرات التي اقتبست فيها روايات بلزاكية مع عصرنة أحداثها بحيث تنتقل من منتصف القرن التاسع عشر إلى أزمان أكثر حداثة؟ والحقيقة أن مبرر هذا التحويل في السؤال هنا تلك الفرضية التي تقول دائماً إن قوة عمل إبداعي ما تبدو أكثر رسوخاً إن كان من الممكن تكييفه مع أزمان أكثر حداثة من تلك التي يدور فيها. بمعنى أن المحك هنا قدرة الموضوع وربما الشكل أيضاً على التعبير عن شتى الأزمنة. وفي هذا السياق سيبدو المتن البلزاكي بالغ القوة والحضور بالنظر إلى أن عدداً كبيراً من اقتباساته السينمائية تجاوب جيداً مع لعبة عصرنته. وهكذا هي الحال تحديداً اليوم مع الاقتباس الجديد لـ"أوجيني غراندي"، الذي قام به الكاتب والسينمائي مارك دوغين، الذي من دون أن يخرج عن موضوع الرواية الأصلي وأحداثها تمكن من أن يزرع في الفيلم جملة من مواضيع راهنة كالتكالب على المال والربح، والسيطرة الذكورية والمسألة النسوية بل حتى العولمة، مع تبديل في منطق النهاية عما رسمه بلزاك إلى درجة أن المرأة التي تهزم في النهاية عند هذا الأخير ستكون هي المنتصرة في التفسير السينمائي الجديد. وهو تبديل أثار على أية حال إعجاب النقاد بمن فيهم غلاة البلزاكيين الذي لم يتوانوا عن الإفتاء بأن كاتبهم المفضل كان من شأنه أن يكون في طليعة الراضين عن ذلك التبديل، بل حتى عن تدخلات الفيلم الذي أتى ليثبت مرة أخرى عصرية أدب بلزاك.

شهرة غير منطقية

ونعود هنا إلى الرواية نفسها لنذكر سبب شهرتها، وربما السبب في النجاح الكبير الذي يحققه الفيلم الجديد المقتبس عنها. ونبادر إلى القول هنا بأن هذا النجاح لا يتعلق أبداً بقوة الرواية وغرابة أحداثها أو جمال أسلوبها. فرواية "أوجيني غراندي" لا تتميز بأي من هذه الصفات عن أية رواية أخرى لبلزاك، بل على العكس فإنها تكاد تكون خطية لا تحمل أية مفاجآت، بل تكاد تكون أيضاً خالية من الأحداث والصراعات. كل ما في الأمر أن مسؤولاً تربوياً فرنسياً ما في زمن سابق يعود إلى عشرات كثيرة من السنين قرر ذات يوم أن هذه الرواية جديرة بأن تفرض على تلامذة الصفوف المتوسطة كي يحللوها ويدرسوها، ولا يزال هذا القرار ساري المفعول من دون أن يعترض عليه أحد. وبالتالي لا يوجد مواطن فرنسي أو حتى في أي بلد في العالم يسير في مناهجه على الخط التربوي الفرنسي أفلت من قراءة هذه الرواية، فعايشته سنوات طويلة من حياته ليعتقد كثر من الذين لم يكملوا تعليمهم أن ليس في الأدب الفرنسي الاجتماعي غير هذه الرواية! ولنا أن نتصور عدد الشبان والكهول والشيوخ بل عدد العجائز الذين ما إن بدأ هذا الفيلم الجديد عروضه حتى أسرعوا إلى الصالات، ليستعيدوا من خلاله بعضاً من ذكرياتهم المدرسية وبعضاً من صباهم. ولقد سمعنا بالفعل من على شاشات التلفزة الفرنسية لمناسبة بدء عرض الفيلم عجائز يقولون إنه قد جرّهم مرغمين إلى صالات لم يطؤوها منذ عقود، وجعلهم يعودون إلى ما يحتفظون من نسخ قديمة منها يعيدون قراءتها، ولكن من دون أن يكون أي منهم قادراً على تذكر اسم ذلك المسؤول الذي أجبرهم يوماً على قراءتها!

مع مرور الزمن

السؤال التالي هنا: كيف رأوا الرواية مقارنة مع الفيلم بعد مرور كل ذلك الزمن؟ كان الجواب بشكل عام أنهم فضلوا الفيلم، إذ وجدوا الرواية مملة متهافتة عتيقة الموضوع، فيما وجدوا الفيلم متحركاً حيوياً يتماشى مع العصر الذي نعيش فيه. ويقيناً أن بلزاك نفسه كان من شأنه أن يرى الأمور بهذا المنظور نفسه. فهو كان من أولئك الكتاب الذين يسايرون أزمانهم ويعرفون حدودهم ويسعون دائماً إلى التجديد. وبالتالي لا بد من القول إن "أوجيني غراندي" كانت رواية طليعية في أفكارها حين صدرت، تغوص في ذهنيات زمنها وتفضح أخلاقيات اجتماعية معينة وتطالب، ولو مواربة بتغييرها. فمن هي في النهاية تلك الفتاة التي أعارت الرواية اسمها عنواناً لها؟

كل الحكاية

مجرد فتاة حسناء تعيش في ريف منطقة سومور الفرنسية مع أب يتاجر في النبيذ وزراعة عنبه، محققاً ثراءً هائلاً، لكنه لا يكف عن ادعاء الفاقة والإفلاس ولا سيما أمام ابنته وزوجته بل حتى خادمتهم البائسة، بحيث إن النساء الثلاث يعشن عيشاً مزرياً يعرف كل أهل المنطقة أنه من اختراع الأب البخيل المكدّس للثروة على غير علم من تينك النساء الثلاث. والحقيقة أن هذه الثروة التي يعرف كل أهل المنطقة بوجودها وبالتالي بأن أوجيني تملك من دون أن تدري مهر زواج ضخم، تجعل عائلتين موسرتين من عائلات المنطقة تتطلعان كل من ناحيتها إلى تزويج ابن لها من أوجيني طمعاً بالمهر والإرث بعد ذلك. لكن أوجيني التي تعيش وأمها عيش الكفاف تحت سلطة الأب وقمعه وفي ظل بخله وأكاذيبه، لا تبالي بذلك كله، بل تعيش في حرمان ولن يخفق قلبها إلا لابن عم لها يقصدهم يوماً ليعيش لديهم بعد أن أفلس أبوه شقيق والدها وانتحر. وعلى الرغم من أن الفتى أُلعُبان باريسي فإنه سرعان ما سيبادل أوجيني عواطفها، فيما سيرفض عمه أية فكرة تؤدي إلى قبوله زوجاً لابنته، وذلك بالتحديد لخشيته وهو الذي اضطر إلى الوفاء بديون شقيقه المنتحر حفاظاً على سمعته هو في الأقل، أن يسير الفتى على خطى أبيه فيبدد كل ما جمعه عمه ويمكن ألا تتمكن أوجيني من الحفاظ عليه. وربما سيكون الأب محقاً في ذلك نظراً إلى أن الابنة يرق قلبها ذات لحظة لابن عمها وتعطيه من دون علم الأب عدداً من قطع نقود ذهبية كانت تجمعها خفية عاماً بعد عام لكي يسوي بها أموره. وهذا يتوجه من فوره إلى العاصمة كي يسعى إلى بناء مستقبل ما وتنقطع أخباره. في تلك الأثناء تكون أوجيني قد اقترنت بابن واحدة من العائلتين السابق ذكرهما. بيد أن هذا سرعان ما يموت إثر الأب الذي يموت بدوره، ما يجعل أوجيني وارثة مرتين وتتمكن من العودة إلى حياة موسرة كانت تحلم بها، وتتحول إلى سيدة أعمال ناجحة على الرغم من خيبة أملها من الزواج والرجال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مرافعة ضد جمود الريف

كما سبق أن أشرنا أعلاه يكشف لنا هذا الملخص السريع كم أن هذه الرواية تبدو خالية من أحداث وصراعات حقيقية. والواقع أن هذا الخلو لم يكن غائباً عن بال أونوريه دي بلزاك (1799 – 1850) الذي كان دائماً ما يعلق على هذه الرواية قائلاً إنه إنما يريد فيها أن يتحدث عن الريف نفسه ومنطقة سومور تحديداً، واصفاً جموده والحسابات الصغيرة التي يعيش بها أهله وتخلفهم وارتباطهم بصغائر الأمور وبطقوس ضيقة لا يحيدون عنها، ومن هنا كان تركيزه كما كان يقول على الوالد غراندي الذي "يميزه أنه لا يسوق حياة ابنته ونساء بيته لا بالسوط ولا بالقوة، ولكن بالسير ضمن إطار التقاليد الاجتماعية والأعراف التي وحدها تعطيه هذا الحق".

المزيد من ثقافة