Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بملعقة بشفرة بعلبة صفيح... "جواز الهروب" إلى الحرية

عمليات جذبت الرأي العام ووسائل الإعلام وتحوّلت إلى أفلام شهيرة لما فيها من إثارة وتشويق

حارس في سجن جلبوع الإسرائيلي (أ ف ب)

يمكنك أن تضع كائناً في قفص أو إنساناً في سجن محكم الإقفال والحراسة، لكن لا يمكنك أن تتوقع عدم هربه أو إمكانية اختراقه لكل الحراسة مهما اشتدت. فالسجين سواء كان مجرماً مخالفاً للقانون أو معتقلاً سياسياً أو أسيراً في الحرب أو طائراً في قفص أو حيواناً برياً في مدينة حيوانات، لا بد أنه سيحاول الهرب والعودة إلى خارج أسوار السجن، فطلب الحرية أمر غريزي لدى الكائنات وعلى رأسها البشر، كالطعام والشراب والنوم والتنفّس. فلا أحد يرضى أن يكون محبوساً مهما قصرت أو طالت المدة. ولهذا وقعت عمليات كثيرة للهروب من السجون والمعتقلات على مرّ التاريخ، وكثيراً منها تحوّل إلى روايات وأفلام عالمية ولقيت تغطية إعلامية كبيرة. فغالباً ما تلقى قصة إلقاء القبض على مجرم هارب من وجه العدالة أو مناضلاً ومعترضاً تطارده السلطات، تغطية إعلامية واهتماماً كبيرين من الجمهور، ولكن حين يُلقى القبض على فارٍ من السجن، بعد عملية فرار محكمة التخطيط، فهذه تلقى اهتماماً أكبر لأن الإثارة والتشويق فيها مضاعفان. 

الهروب من السجون والمعتقلات الإسرائيلية 

في الأسابيع الماضية، طغت قصة هروب الأسرى الفلسطينيين الستة من سجن جلبوع الإسرائيلي على تغطية الأحداث إعلامياً. وبغض النظر عن المعنى السياسي الذي خلّفته عملية الهروب الكبيرة هذه، فقد شغلت العالم والإسرائيليين بسبب حدوثها في سجن شديد الحراسة بالتقنيات المتطورة وعبر نفق طويل، حفروا الجزء الكبير منه بالملعقة. قبل أن يُعاد إلقاء القبض عليهم بعد استنفار عام في إسرائيل والضفة الغربية، وبعد تهديد أهل هؤلاء الأسرى وأقاربهم وتفتيش كل القرى والبلدات التي قد يمرون فيها.

وفي كل الأحوال، لم تكن هذه العملية الأولى لهروب أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع نفسه. فقد أعلنت إدارة السجون الإسرائيلية عام 2014 عن إحباط محاولة هروب جماعية لأسرى من سجن جلبوع، بعد قيامهم بأعمال حفر في نفق من مرحاض إحدى الزنازين. 

وعمليات الفرار من السجون الإسرائيلية كثيرة ومعروفة، وكانت أول وأكبر عملية هروب قد وقعت عام 1958، في سجن "شطة" بالقرب من بيسان، حين خاض نحو 190 أسيراً فلسطينياً مواجهة مع الحراس قتل خلالها 11 أسيراً وسجّانان إسرائيليان، ونجح  77 أسيراً في الهرب.

أما الأسير حمزة أبو يونس، من مدينة حيفا، فقد تمكّن من الهرب ثلاث مرات. وكان هروبه الأول من سجن عسقلان في 17 أبريل (نيسان) 1964، والثاني من المستشفى ربمعام 1967، والثالث من سجن الرملة عام 1971. وفي الفترة نفسها، تمكّن محمود عبدالله حمّاد من الهروب خلال نقله من سجن إلى آخر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1969، وظل مطارداً لتسعة أشهر قبل انتقاله إلى الأردن. وفي عام 1983 نجح ابن قرية سلواد ناصر عيسى حامد، في الهروب من محكمة الاحتلال برام الله في 27 يناير (كانون الثاني) 1983، لكنه سلّم نفسه بعد أيام من المطاردة لأسباب لم تعلن. 

ووقع الهروب الكبير من سجن غزة عام 1987، بعد قصّ قضبان نافذة المرحاض. أمّا العقل المدبر للهروب فكان مصباح الصوري الذي سبق وحاول الهرب من سجن بئر السبع أكثر من مرة. وتمكّن من الاختفاء أربعة أشهر، لكنه قتل في اشتباك مع قوات الاحتلال، كما قتل خمسة من المجموعة الفارة وتمكّن إثنان من مغادرة غزة، ولم يعرف عنهما شيئاً منذ ذلك الحين.

ونجح الأسير خليل مسعود الراعي وشوقي أبو نصيرة وكمال عبد النبي، في الهروب من سجن نفحة عام 1987، لكن أعيد اعتقالهم بعد ثمانية أيام خلال محاولتهم المغادرة إلى مصر.

وتمكّن الأسير عمر النايف من الهروب من السجن عام 1990. فقد نُقل للعلاج في مستشفى ببيت لحم بعد إضرابه عن الطعام، وبعد فترة وجيزة نجح في المغادرة إلى الأردن ثم إلى بلغاريا عام 1994، وهناك اغتيل داخل مبنى السفارة الفلسطينية في 26 فبراير (شباط) 2016. وفي عام 1996، حاول 16 أسيراً الهروب عبر حفر نفق أرضي في سجن عسقلان. وتمكّن الأسرى من حفر مسافة 17 متراً تحت الأرض، لكن انسداد شبكة الصرف الصحي، أثارت شكوك إدارة السجن بوجود عملية حفر لنفق، وأجرت تفتيشاً أفشل العملية. 

قصص هروب عالمية

في العالم، قصص هروب شهيرة ومتكررة، وعلى رأسها قصة السجين الياباني يوشي شيراتوري الذي اشتهر بالهروب من السجن أربع مرات خلال ثلاث سنوات، بعدما حُكم عليه بالسجن المؤبد بالإضافة إلى 23 عاماً. 

كان شيراتوري قد هرب من سجن أوموري عام 1936، وأعيد القبض عليه، وهرب من سجن أكيتا عام 1942. وفي عام 1944، عمل على جعل الأقفال تصدأ وتمكّن من فتحها ثم تم القبض عليه مرة أخرى عام 1946. وبعدها حكمت عليه المحكمة بالإعدام، مما دفعه عام 1947 إلى حفر نفق والهروب للمرة الرابعة. وأعيد القبض عليه عام 1948، بعد أن أعترف بنفسه لشرطي أنه هارب من تنفيذ حكم بالسجن. فسُجن مرة جديدة حتى عام 1961.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن عمليات الهروب من سجن ألكاتراز الأميركي هي الأشهر عموماً، بسبب موقعه في البحر وصعوبة السباحة منه إلى البر في مسافة طويلة مياهها باردة قد تقتل السجين الهارب تجمّداً. وفي يونيو (حزيران) 1962، هرب ثلاثة سجناء من جزيرة الكاتراز وفُقدوا في ظروف غامضة. كانت العملية عبارة عن خطة كبيرة ابتكرها في السجن ألن ويست وفرانك موريس وجون أنجلين وشقيقه كلارنس، والذين قضوا ما يقارب العامين في حفر نفق الهروب عبر جدران الزنزانات، وبناء طوف للإبحار إلى الحرية.

وضع السجناء الدمى في أسرّتهم لخداع حراس السجن الذين لم يكتشفوا العملية إلا في صباح اليوم التالي. ثم تم العثور بعد نجاح العملية على أجزاء من عدة الهرب في الخليج جنباً إلى جنب مع بعض الأمتعة الشخصية للسجناء، مما دفع المحققين إلى استنتاج أن الرجال قد غرقوا، فأغلق مكتب التحقيقات الفيدرالي القضية رسمياً في 31 ديسمبر (كانون الأول) 1979، وخلص إلى أنه "لم يظهر أي دليل موثوق يشير إلى أن الرجال ما زالوا على قيد الحياة". ومع ذلك، لم يتم العثور على جثثهم على الإطلاق.

أما جون هربرت ديلينجر جونيور سارق البنوك الأميركية خلال فترة الكساد في عشرينيات القرن الماضي، فقام بسرقة 20 بنكاً وأربعة مراكز شرطة. وبعد إلقاء القبض عليه، هرب من السجن مرتين. في سجنه في ولاية إنديانا، أقام ديلنجر صداقة مع سلسلة من لصوص البنوك المخضرمين الذين علموه أن يكون سارقاً ناجحاً. وبعد إطلاق سراحه في ذروة الكساد الكبير عاد على الفور إلى الجريمة. وبعد سطوه على مصرفين تم القبض عليه وسجنه في ليما في خريف عام 1933. في هذا السجن، قام ديلنجر بمساعدة مجموعة من السجناء بالهروب من دونه، ثم قام هؤلاء الفارين بالعودة إلى السجن منتحلين صفة ضباط سجن ولاية إنديانا ونجحوا في إطلاق سراح ديلنجر من زنزانته.

وبعد سلسلة أخرى من عمليات السطو على البنوك، تم القبض عليه مرة أخرى عام 1934، وتم إرساله إلى سجن "كراون بونيت" الذي لطالما تباهت الشرطة بأنه منيع على الهرب. ولكن ليس على ديلينجر الذي قام بنحت مسدس خشبي من خشب الرفوف في السجن بمساعدة شفرة صنعها بنفسه، وبهذا المسدس المزيّف أجبر أحد الحراس على فتح زنزانته ثم أخذ 17 رجلاً كرهائن، قبل أن يجذب الحراس للعودة إلى زنزانته وحبسهم فيها، ثم هرب. 

هرب ديلينجر من ملاحقة الشرطة في أربع ولايات أميركية، قبل أن يلقى حتفه في 22 يوليو (تموز) 1934 في تبادل لإطلاق النار في شيكاغو.

وتمكّن السجين البريطاني ألفريد جورج هيندز من الهروب من ثلاثة سجون شديدة الحراسة، بينما كان يقضي عقوبة بالسجن لمدة 12 عاماً. كان أول هروب لهيندز من سجن نوتنغهام عام 1958، حيث تمكن من عبور أبواب مقفلة وجدار يبلغ ارتفاعه 20 قدماً. أكسبه هذا العمل القوي لقب "Houdini Hinds" في وسائل الإعلام. ثم تجوّل في جميع أنحاء أوروبا خلال الفترة التي قضاها هارباً، وعمل كرسام ديكور قبل أن يتم القبض عليه بعد 248 يوماً من الحرية.

في المرة الثالثة والأخيرة، تمكن من الهرب من سجن تشيلمسفورد. هرب إلى إيرلندا، حيث عاش لمدة عامين تحت اسم مستعار، قبل أن يتم إيقافه بسبب قيادته سيارة غير مسجلة.

أما الهروب الكبير فهو ذاك الذي خطط له قائد سرب الطيران الحربي البريطاني روجر بوشيل في ليلة 24 مارس (آذار) 1944 من أحد المعتقلات الألمانية. وكان بوشيل يقود مجموعة هروب الطيارين البريطانيين. وتضمنت خطته "الهروب الكبير" بناء ثلاثة أنفاق عميقة وطويلة تحت أسوار المخيم. وأُطلق على الأنفاق اسم توم وديك وهاري، وكانت الخطة تقضي بأن اكتشاف أحد الأنفاق لن يؤدي إلى الكشف عن الأخرى. وشارك في بناء الأنفاق أكثر من 600 سجين. تم حفر الأنفاق على عمق 30 متراً، وكان اتساعها قدمين مربعين فقط، وتم تدعيم الجدران بقطع من الخشب كانت قد أخذت من أسرة السجناء.

استخدم السجناء عُلب الصفيح كمغارف وحفارات وصنعوا حاملات للشموع وشموعاً من الدهون المتراكمة على الجزء العلوي من الحساء الذي يتم تقديمه في المخيم، بينما تم صنع فتائلها من الملابس القديمة. وتمت بعثرة الرمال والأتربة في ساحات المعتقل بعد أن يخرجها الحفارون في جيوبهم أو بطرق خفية مختلفة وينثرونها هنا وهناك على أرضية الساحة العامة للمعتقل من دون أن يشك الحراس بالأمر.

في يوم الجمعة 24 مارس، بدأت محاولة الهروب ليلاً. ظهر الرجل الأول واكتشف أن النفق لم يصل إلى النقطة البعيدة التي حددوها. فبدلاً من الوصول إلى غابة قريبة، خرج النفق بالقرب من خط الأشجار القريب من برج حراسة. ومع ذلك، زحف 76 رجلاً عبر النفق إلى الحرية، قبل أن يرصد الحراس السجين 77 صباح 25 مارس.

المزيد من تقارير