Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غيوم ميسو يجعل الحياة رواية في تقاطع الوهم والحقيقة

الروائي الفرنسي يجدد الأدب البوليسي بالبعد النفسي وتقنية السرد داخل السرد

الروائي الفرنسي غيوم ميسو الجامع بين الأدب البوليسي والنفسي (صفحة الكاتب على فيسبوك)

يخطف الروائي الفرنسي الشهير غيوم ميسو الأنفاس بروايته "الحياة رواية" (دار نوفل، ترجمة سمر معتوق) منذ الصفحات الأولى. ينصب الفخاخ للقارئ ليأسره عبر تقنية سرد غاية في التشويق، تُستخدم عادة في الأدب البوليسي الكلاسيكي التي تعتمد تيمة فك لغز ما متعلق بجريمة تُرتكَب. جريمة تبدو كاملة تتكشف خيوطها بشكل متسلسل حتى تنكشف مع نهاية الرواية البوليسية، يقوم بها الروائي أو الروائية بإشراك قرائه في فك لغز الجريمة وتوقع الفاعل لها، وعادة ما يكون أبعد من أن يشتبه به منذ البداية. تقدم "الحياة رواية" للوهلة الأولى انطباعاً أنها رواية بوليسية ذات لغز محير عن "كاري" الطفلة البالغة من العمر ثلاث سنوات. فُقدت أو اختُطِفَت من منزلها الكائن في الطابق السادس في مبنى "لانكستر" الضخم في نيويورك، بينما كانت تلعب "الغميضة" مع أمها فلورا. وعلى الرغم من أن لا دليل على الاختطاف، فإن الأرجح منطقياً بالنسبة إلى التحري "مارك روتيللي" ورئيسته الملازم "فرانسيس ريشارد". وبكلمة، يبدو أن كاري "تبخرت"، إذ لا يزال مفتاح الشقة في قفل الباب من الداخل، والنوافذ محكمة الإغلاق، ويصعب على طفلة السنوات الثلاث فتحها حتى لو أرادت. وإذ تقلب فلورا الشقة رأساً على عقب من دون جدوى ينتابها شعور سيئ مبهم يدفعها إلى الاتصال بالشرطة كسباً للوقت، بعد تأكدها من اختفاء ابنتها كلغز عصي على التفسير.

وعلى الرغم من المراوغة التي يضعنا فيها الروائي ميسو بوصف الرواية بوليسية، نكتشف مع التقدم بالقراءة أنها ليست كذلك فحسب. وعلى عكس الروايات البوليسية التي اشتُهِر بها العديد من الروائيين أمثال إدغار آلان بو، لا سيما في روايته البوليسية الأشهر في العالم "جرائم شارع مورغ"، التي جعلت منه رائد الأدب البوليسي على مستوى العالم. من منا لا يعرف أيضاً موريس لوبلان صاحب سلسلة "آرسين لوبين: اللص الظريف"؟ أو ما أتحفتنا به أغاثا كريستي برواياتها البوليسية وأهمها "مقتل روجر أكرويد" وتميزت بغزارة إنتاجها؟ ناهيك بروايات أخرى لا تقل شأناً برع فيها الروائي والطبيب الاسكتلندي سير آرثر كونان دويل بابتكاره شخصية "شرلوك هولمز" المحقق الاستشاري للشرطة، التي تستعين به عندما تعجز عن فك لغز جريمة "تبدو كاملة"؟ وأتذكر هنا المحاولة اليتيمة لغسان كنفاني في روايته البوليسية الفريدة "الشيء الآخر: من قتل ليلى الحايك؟".

جو بوليسي

على الرغم من البداية البوليسية لرواية "الحياة رواية" تدخل تيمة جديدة على النص البوليسي -بشكل مفاجئ- تتناول علاقة الكاتب رومان أوزوروسكي بشخصياته الروائية، يمارس فيها نوعاً من السادية على شخوص رواياته، لتنقلب الأدوار عبر رواية "المتاهة"، المتضمنة وسط "الحياة رواية" كجزء أصيل منها، ومنفصل عنها في آن. تلك التي يستعرض فيها حدث اختفاء "كاري" ابنة الروائية فلورا كونواي الحائزة جائزة كافكا للإبداع. على الرغم من ذلك يواصل غيوم ميسو استخدام الحبكة البوليسية المحكمة كتقنية سرد لتلك التيمة بتداخلها مع "رواية المتاهة"، وتظهر إلى العلن بشكل مفاجئ شخصية روائية رئيسة لكاتب روائي فرنسي يدعى رومان أوزوروسكي في "الحياة رواية".

يعالج فيها ميسو علاقة الروائي بأبطال روايته لكونه يخلق عالماً خيالياً موازياً للحياة الواقعية يُكوِّن فيها شخصيات روائية أشبه بعبيد للروائي، يتحكم بأقدارهم كحاكم مستبد. ويبدو رومان أوزوروسكي مكيافيلياً صارماً في تلاعبه بها. لكن لا يلبث أن ينقلب السحر على الساحر حين يتخبط رومان بعلاقة زوجية يكتشف فيها مكائد زوجته ألمين عارضة الأزياء السابقة التي تحيك ضده مؤامرات خبيثة في سعيها للطلاق منه والاستيلاء على أمواله وانتزاع حضانة ابنه ثيو منه. يفقد معها رومان صوابه ويدخل في حالة من الهذيان حين تقرر زوجته أن تصطحب ابنه ثيو إلى الولايات المتحدة الأميركية للعيش في محمية بيئية بصحبة صديقتها. يدخل صدفة كنيسة أرثوذكسية "وهو الملحد" حد التمادي باعتبار نفسه إلهاً، بوصفه خالق شخصيات رواياته -الأكثر مبيعاً- ويتحكم بمصائرها، ويشعرنا نحن القراء أننا إزاء سيرة ذاتية للروائي يختبئ فيها غيوم ميسو خلف شخصية رومان أوزوروسكي أو هكذا أراد لنا أن نعتقد.

هناك في الكنيسة يخشع رومان أمام تمثال يسوع، ويعده أن يتوقف عن الكتابة ويعترف بألوهيته، في حال أعاد له ابنه ثيو بعد أن أخذته أمه إلى الولايات المتحدة. يُحرم من ابنه كإيحاء لانتقام فلورا كونواي الشخصية الروائية لروايته "المتاهة" التي جعلها تفقد ابنتها. يتوقف عن استكمال رواية "المتاهة"، بما يحمله ذلك من عدم حل لغز اختفاء "كاري" على الرغم من توسلات فلورا كي يستمر بالكتابة وتعرف مصير ابنتها. ولأنه لم يفعل، لم تستطع فلورا العيش وسط فاجعة ابنتها من دون حل لغز اختفائها، فتنتحر بقطع شرايين معصميها.

في نهاية صفحات "الحياة رواية"، تظهر فانتين فجأة كعشيقة سابقة لرومان، في سياق حبكة تزداد تعقيداً واستحكاماً. وبعد علاقة حب صاخبة وعميقة مع رومان أوزوروسكي -تسبق علاقتها بفلورا- يتركها رومان في اللحظة التي ينوي فيها إخبار زوجته برغبته في الانفصال ليرتبط بفانتين. يفاجأ أن زوجته حامل بابنه ثيو، فيعدل عن الطلاق.

أزمة الروائي

"الحياة رواية" تتناسل تفاصيلها وتتشعب بين تيمة اللغز البوليسي وأزمة الروائي الوجودية بعلاقته مع أبطال رواياته بتداخلها المتوازي مع "رواية المتاهة"، فتنتقل الشخصيات وتتمدد على إيقاع متوتر يخطف الأنفاس يجعلنا نتابع ونتابع بشغف لمعرفة ما سيحصل لهذا وتلك، أو في اللحظة التالية. وتمتزج فيها اللحظات الوجودية والأزمة الشخصية لبطله الروائي رومان وبطلته فانتين التي تلعب دوراً ثانوياً نوعاً ما، في فصل "المتاهة" كناشرة لفلورا، وتتحول إلى بطلة رئيسة لاحقاً في الرواية الأصلية "الحياة رواية".

يُفقد "غيوم ميسو" القراء رؤية الخيط الرفيع بين الخيال والواقع، لكنه لا يتنازل ألبتة عن أسرهم داخل حبكته الروائية الفذة وبذكاء فني حاد متماسك ليأخذهم إلى مكان آخر في نهاية الرواية "غير متوقع"، على وقع سرد غير مألوف وعميق تتخلله خواطر إبداعية يستكشف فيها غيوم مفارقات الحياة وعذاباتها، سواء كنت روائياً مستبداً (رومان) أو خاضعاً (فلورا) أو إنساناً عادياً بسيطاً ضعيفاً مهما بلغت سطوته. تتعارض الأدوار على مدى الرواية وتتزاحم تفاصيل الحبكة المُحكمة -على الرغم من تعقيداتها- يمتزج فيها الأدب البوليسي بالسرد الروائي والسيرة الذاتية، وترتقي اللغة الروائية إلى مستويات رشيقة جذابة يلجأ فيها غيوم إلى شعرية الكلمات المنتقاة في أكثر اللحظات توتراً، من غير أن يتخلى ولو للحظة عن تركيب جمل سهلة ممتنعة لا نراها -بالضرورة- في تقنيات السرد البوليسي الكلاسيكية. يجمع كل ذلك في بنية نص باهرة تليق بهذه الحبكة المحكمة العصية على التفكك أو الانزلاق في متاهة الحبكة نفسها، على الرغم من تعقيدات تفاصيلها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"الحياة رواية" لا تشبه أية رواية قد نقرأها، وغير قابلة قطعاً للتقليد. فهي فريدة. إنها وصفة فنية أصيلة يحرص فيها غيوم ميسو على ألا يفقد قارئه لثانية واحدة، بل ينساق القارئ له بمتعة، غير قادر على الإفلات من براثن أسلوب كتابي مشوق مليء بالمفاجأة تلو المفاجأة من غير كلل أو ملل، وبحنكة محترف بارع يحوز سعة معرفية يُسَخّر فيها إمكانات الإنترنت المتاحة في حاسوبه الشخصي الذي يتحول إلى "آلة سفر عبر الأزمنة والأمكنة"، لا سيما في تجواله بين باريس ونيويورك لملاقاة شخصياته في أماكن عيشها. ويبحر عبر النقر على أحرفه إلى عوالم مختلفة ويجوب في زمن الرواية كفارس على صهوة جواده من غير تكلف أو زيف. ويصل إلى ذرى إبداعية تنطوي على مخيلة واسعة، تندمج مع العصر الأكثر حداثة، الذي نعيش نعيمه ونقمته سواء بسواء.

 وهنا لا بد من التنويه أن مترجمة الرواية سمر معتوق رافقته في رحلاته المراوِغة، وأتقنت نقل روح النص. فهي تغيب خلف جمله ومفرداته الأنيقة، على الرغم من الحبكة البوليسية التي ترتكز إلى التشويق، والتي قد تُفقد اللغة بريقها الأدبي في أعمال أخرى لكتاب آخرين. لا سيما في استعمال المفردات أو تركيب الجمل والفقرات. حتى ليظن القراء أن رواية "الحياة رواية" كتبت باللغة العربية وليست رواية مترجمة. وهذا يُحسب للمترجمة سمر معتوق التزامها "الأمانة" للنص و"الإخلاص" للروائي.

غني عن القول أني تجنبت استعراض الرواية وأسقطت عمداً عرض تفاصيل فيها -على الرغم من أهميتها في الاقتباس- حفاظاً على متعة التشويق التي هي حق للقراء، خصوصاً في رواية أبدعت في فن التشويق والحبكة البوليسية، حتى حين يتطرق كاتبها غيوم ميسو إلى تفاصيل لا تتعلق بالرواية المتضمنة "المتاهة" وتتداخل مع تيمة الروائي في إشكالية علاقته مع شخصيات رواياته. "الحياة رواية" هي حقاً كذلك. حين يدخلنا غيوم ميسو في تفاصيل ومفارقات وأزمات وجودية تشبه الحياة، لا أقل ولا أكثر. وبما يجيب عن سؤال ما يزال يتكرر: هل الأدب أسبق من الحياة أم أن الحياة تسبق الأدب؟ مع غيوم ميسو نقرأ لنستعيد متعة القراءة.

المزيد من ثقافة