غيوم ميسو يعود إلى ماضيه ليروي جريمة قتل غامضة ضحيتها فتاة

من أكثر الكتاب الفرنسيين مبيعا... وترجم الى 42 لغة بينها العربية

الروائي الفرنسي الشهير غيوم ميسو (دار نوفل)

يعد الروائي الفرنسيّ غيوم ميسو واحداً من الروائيين الأكثر مبيعاً في فرنسا على الرغم من أنه في الأربعين من عمره، وباتت رواياته من البست سلرز، ينتظر القراء صدورها ليقبلوا عليها بشغف وحماسة. وقد ترجم ميسو إلى اثنتين وأربعين لغة، منها العربية. بدأ بنشر رواياته منذ العام 2001 وما لبث أن شهد رواجاً كبيراً بين القرّاء. "الصبيّة والليل" أحدث رواياته المترجمة إلى العربية وصدرت عن دار نوفل – هاشيت والمركز الثقافي العربي.

يعود ميسو في روايته هذه "الصبيّة والليل" إلى مسقط رأسه في الجنوب الفرنسيّ، كوت دازور، ويقول في آخر روايته إنّه بعد تنقّله بين دول كثيرة أراد العودة إلى مسقط رأسه ليسرد هذا الفضاء الذي عاشه وهو صغير. ويمكن اعتبار روايات ميسو متأثّرة بعنصرين اثنين منبثقين مباشرة من سيرته الذاتيّة. فأوّلاً حياته في الجنوب الفرنسيّ ووظيفة أمّه التي كانت المسؤولة عن المكتبة في منطقته، ما جعله عاشقاً للكتب منذ صغره ومتعلّقاً بالأدب، أو ما يُعرف بالفرنسيّة بـ "جرذ مكتبات". ثانياً، انتقل ميسو إلى نيويورك وهو شاب بعد، لم يبلغ العشرين من عمره، وتنقّل بين وظائف عدّة فكان في مرحلة معيّنة بائع مثلّجات، وهو ما منحه إلى ثقافته واطّلاعه الواسع على الأدب معرفة بالناس وبقصصهم وأخبارهم ومآسيهم. ويمكن اعتبار هذين الأمرين على وجه الخصوص عنصرين أساسيّين في كتابة ميسو، يظهران في رواياته عند وصفه شخصيّاته وبطريقة إمساكه بثنايا ماضيها وذكرياتها وهواجسها.

جريمة بلا عقاب

يلاحظ القارئ أوّل ما يلاحظه أنّ أحداث رواية "الصبيّة والليل" تدور في زمنين مختلفين تفصل بينهما خمس وعشرون سنة. فبين ليلة 19 ديسمبر(كانون الأوّل) 1992، ويوم 13 مايو (أيّار) 2017، خمس وعشرون سنة من التساؤل والحيرة والشعور بالندم والذنب. خمس وعشرون سنة أخفى فيها الراوي وصديقه مكسيم سرّهما في حائط الجمنازيوم. يظنّ الراوي أنّه هو قاتل الجثّة القابعة في حائط الجمنازيوم، لكنّه مع الوقت يكتشف أنّ آخرين أيضاً لديهم ذكريات عن هذه الليلة العاصفة من كانون، وهي ذكريات لا تتوافق بالضرورة مع ما يعرفه هو.

أن يدور السرد حول جثّة فهو أمر متوقّع ومنطقيّ في رواية بوليسيّة، إنّما أن تكون الجثّة مدفونة داخل جدار قاعة جمنازيوم مدرسيّة منذ خمسة وعشرين عاماً فهو أمر غير مألوف بتاتاً، وبخاصّة أنّ نصف شخصيّات الرواية ما زالوا يبحثون عن صاحب الجثّة ظنّاً منهم أنّه حيّ، والنصف الآخر يظنّون أنّهم المسؤولون عن مقتله. أمّا هويّة صاحب الجثّة فهي غير دقيقة وغير معروفة. فمنهم من يبحث عن الصبيّة الباهرة والرائعة الجمال فينكا روكويل، الصبيّة التي يدور معظم السرد حولها وحول طباعها التي سحرت المحيطين بها وجعلتها مثار غيرة صديقاتها ومحطّ إعجاب شبّان صفّها وأساتذتها والمحيطين بها جميعهم. ومنهم مَن يبحث عن الأستاذ ألكسيس كليمان الذي اتُّهِم بأنّه يقيم علاقة مع تلميذته فينكا روكويل والذي تحوّل إلى محطّ إعجاب شباب المدرسة لفوزه بفينكا وبحبّها. ويبقى السؤال الأبرز في هذه الرواية، ماذا تراه حصل للعاشقين؟ لمن تعود هذه الجثّة العالقة في جدار الجمنازيوم منذ خمسة وعشرين عاماً؟ ومن قتلها فعلاً؟ وما علاقة الراوي بها؟ ولماذا تعود هذه المأساة للظهور بعد أن طواها الزمان؟

صفحات من التشويق والإثارة يقطع فيها القارئ أنفاسه ويقفز في أحيانٍ كثيرة فوق سطور الوصف ليتجاوزه، لا لخلل أو إطالة فيه، بل لهفة لمعرفة ما سيأتي، وهو أمر تتميّز به كتابات ميسو، فهو قادر على الإمساك تماماً بزمام السرد من دون أن يسمح لشخصيّاته بأن تفضح قيد أنملة من حقيقة الأحداث.

الكتابة فجر جديد

بأسلوب شيّق متماسك وسلس، تمكّن ميسو من ضبط نصّه، بخاصّة أنّ بطله شكّل مرآة له. فلا بدّ من التوقّف عند مزايا البطل وطباعه، فهناك عناصر كثيرة من شخصيّة الراوي/ البطل تتقاطع مع عناصر من شخصيّة الكاتب ميسو. فبطل الرواية أي الراوي، هو كاتب منذ العام 2000 تماماً كميسو، يقيم في الولايات المتّحدة الأميركيّة، كميسو، وتعود أصوله إلى الكوت دازور-جنوب فرنسا، أيضاً كميسو، ووالدته عملت في المدرسة وكان لها منصب إداريّ فيها، أيضاً كميسو الذي أدارت أمّه المكتبة.

ولا يكتفي ميسو بتحميل بطله شيئاً من سيرته الذاتيّة، بل يصبّ فيه أيضاً عشقه للكتب وإيمانه بالأدب والكتابة. يُسقط ميسو على بطله علاقته بالكتابة وراحته فيها وإيمانه بأنّها المنقذ الوحيد في هذا العالم الغارق في عتمته، فيُنهي ميسو سرده بما يأتي وهو خير دليل على ثقته بدور الأدب في العالم والمجتمع: "أشعر بالراحة. ما عادت الحياة ترعبني. هاجموني ما شئتم، احكموا عليّ إن شئتم، أفلسوني ودمّروني. سوف أجابهكم بسلاحيّ الوحيدين: قلم حبر جافّ عتيق ومقضوم، ودفتر ملاحظات متجعّد، سلاحين تافهين وفتّاكين في آن واحد. لم يخذلاني يوماً، توكّأت عليهما لأجتاز الليل ويبزغ فجر جديد". (صفحة 365).

"الصبيّة والليل"، رواية بوليسيّة شيّقة مثيرة للاهتمام والفضول، وتتيح للقارئ أن يلتهم صفحاتها التي تزيد على الثلاثمئة وخمسين صفحة بسهولة وسرعة. فهنيئاً للقارئ العربيّ بهذه الرواية بترجمتها الأنيقة والمتينة، والتي جهدت لتخفي أمراً جوهريّاً من الحبكة على الرغم من صعوبة ذلك نظراً إلى اختلاف خصائص تركيبة اللغة العربيّة عن تلك الفرنسيّة.

المزيد من ثقافة