مهرجان كان السينمائي... كين لوتش يتربع على عرش السينما العالمية

فيلمه "عفوا، لم نجدكم" يضعه في صدارة الترشيحات لنيل السعفة الذهبية للمرة الثالثة

ينتمي المخرج البريطاني كين لوتش إلى نخبة النخبة من السينمائيين النادرين الذين سبق أن منحهم مهرجان كان السعفة الذهبية مرتين، ونال لوتش هذه الجائزة السينمائية الأشهر عالمياً مرة أولى عام 2006، عن فيلمه الروائي العشرين "الريح التي تهز سنابل الشعير"، ثم عاد وخطفها ثانية عام 2016 برائعته "أنا، دانييل بلايك"، ما خوّله أن يكون ثامن سينمائي يدخل النادي الضيق لـ "أصحاب السعفتين" بعد السويدي ألف سيوبرغ، والأميركي فرانسيس فورد كوبولا، والياباني شوهي إيمامورا، والدنماركي بيل أوغست، والبوسني أمير كوستوريتسا، والنمساوي مايكل هانكه، والتوأم البلجيكي لوك وجان بيار داردين.

"عفواً، لم نجدكم"

وبعد عرض فيلمه الجديد "عفواً، لم نجدكم" بات السؤال المطروح: هل سيكون كين لوتش أول سينمائي في تاريخ مهرجان كان ينال السعفة الذهبية ثلاث مرات؟ بهذا العمل، يستكمل صاحب "خبر وورود" (2000) ثلاثيته المناهضة للعولمة التي بدأها بـ "إنه عالم حر" (جائزة السيناريو في مهرجان "البندقية" 2007)، و"أنا دانييل بلايك" (السعفة الذهبية في مهرجان كان 2016).

وكان قد رصد في الفيلم الأول من هذه الثلاثية معاناة عمال المصانع الذين تعصف العولمة بمصائرهم ومناصب شغلهم، ثم سلط الضوء في الفيلم الثاني على شظف العيش الذي يتقلب فيه العاطلون من العمل في بريطانيا ما بعد الثاتشرية، وها هو يختتمها ببورتريه إنساني مؤثر لـ "عامل مستقل" يشتغل لحساب واحدة من شركات النقل العملاقة العالمية.

الدفاع عن حقوق المسحوقين

في هذه الثلاثية، كما في أعماله كافة، يرافع كين لوتش، المعروف بمواقفه اليسارية، دفاعاً عن حقوق المسحوقين والفقراء والمهمشين، لكن فرادة أفلامه تكمن في النأي عن النبرة الخطابية التي غالباً ما تلقي بثقلها على الأفلام الاجتماعية ذات المنحى اليساري، فبدلاً من الإطناب الخطابي والمرافعة الأيديولوجية، يراهن لوتش على نَفس إنساني ورؤية إخراجية مينمالية يمنحان لأفلامه بُعداً ملحمياً وروحاً تراجيدية ما يجعلها تستقطب جمهوراً واسعاً يتجاوز بكثير حدود الفئات المتعاطفة مع أفكاره اليسارية.

وبخلاف ما هو دارج في "السينما الملتزمة" التقليدية، لا يهتم كين لوتش كثيراً بتصويره شخوصه من منظور الصراع الطبقي، بل يعتمد مقاربة نفسية تتيح له أن ينحت شخوصاً مؤثرة، تجعل من كل عمل جديد يقدّمه شهادة على العصر، تعكس إرهاصات الراهن وتحولات عصر العولمة الذي نعيشه.

شخصية كريس في جديده "عفواً، لم نجدكم" عامل يفقد عمله، ولا يجد عملاً جديداً، على الرغم من جودة مؤهلاته، ما يضطره للالتحاق بإحدى شركات النقل العملاقة، ليعمل لحسابها كسائق مستقل.

يستغل نفسه بنفسه

وتشترط منه الشركة شراء شاحنته الخاصة وتحمل كل نفقاتها، وفي المقابل تمنحه عمولة عن كل طرد يقوم بتسليمه، والشيء الذي يفرض عليه العمل بوتيرة جهنمية لتغطية النفقات وتحقيق قسط ضئيل من الأرباح لإعالة أسرته، وهي الوضعية التي يرى كين لوتش أنها تلخص واحدة من إشكاليات العصر، قائلاً "من قبل، حين كنت شاباً، وبعد ذلك بسنوات طويلة، كان يقال لنا: إذا كانت لديك مهارة ومهنة تتقنها، ستجد عملاً ثابتاً مدى الحياة وراتباً يسمح لك بأن تعيل أسرتك. التغيير الحاصل، والذي بات لا مناص منه، يكمن في الانتقال من وضعية الأمان تلك إلى اللاأمان.

كأن تشتغل بالوكالة أو تكون مثل كريس في الفيلم عاملاً مستقلاً، هنا العامل هو الذي يتحمل كل الأخطار، بينما رب العمل في وضعية قوة ولا يجازف بأي شيء. ما يجعل العامل مضطراً لأن يستغل نفسه بنفسه"!.

المزيد من سينما