Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"القيادة القاتلة" تحصد الأرواح وتنتظر القوانين في مصر

تتضارب أعداد ضحايا حوادث الطرق الدامية بين ما يزيد على 3 آلاف قتيل و27 ألفاً سنوياً

مسعفون ينقلون أحد ضحايا حافلة على طريق القاهرة السويس   (أ ف ب)

باتت خلطة القضاء والقدر مع الرعونة وغياب تطبيق قواعد السير فيها سموماً قاتلة تحصد بضعة آلاف من الأرواح وأعداداً مضاعفة من الإصابات وخسائر مليارية تكبد الدولة والأفراد الكثير، في وقت تطل على ملايين المصريين عديد من لوحات إرشادية تقول إن "القيادة فن وذوق" أو توعوية تدعو إلى "عدم التخطي من الجهة الخطأ" أو "الامتناع عن استخدام المحمول أثناء القيادة" أو "ضرورة الكشف على السيارة دورياً" تتبخر في هواء "كله على الله". لكن كثيرين من المتوكلين في ربوع المحروسة إما يفصلون فصلاً تاماً بين قواعد القيادة وقواعد التوكل، أو يعتبرون قواعد الأمان وقوانين القيادة هي والعدم سواء.

قتلى ومتوكلون

 سواء كان المتوكلون هؤلاء أو أولئك، فإن النتيجة اليومية يشهدها المصريون يومياً على الطرق متمثلة في حوادث كبرى وصغرى، وبينهما أعداد القتلى التي تتراوح بين 3087 شخصاً بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2019، و13 ألفاً و475 شخصاً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية خلال 2018، ونحو 27 ألف شخص بحسب الأرقام التي حللها البنك الدولي بناء على إحصاءات وزارة الصحة في 2019. يشار إلى أن التراوح الكبير في أعداد قتلى الطرق يعود إلى اختلاف طريقة الحساب بين إحصاء عدد من قضوا لحظة وقوع الحادث على الطريق ومن يقضون بعدها بساعات أو أيام أو أسابيع بعد نقلهم إلى المستشفيات.

دفاتر الطوارئ في المستشفيات، لا سيما تلك الواقعة على الطرق السريعة وفي غيرها داخل المدن بعد موجة توسعات وبناء جسور تشهدها الطرق، تحفل بآلاف التوثيقات السنوية لحوادث طرق مميتة، صارت لفرط تكرارها "خبراً عادياً" يطالعه المصريون.

حادث مروع كالعادة

واليوم استيقظ المصريون كعادتهم بين الحين والآخر على خبر حادث مروع، حيث وفاة نحو 12 شخصاً بينهم أطفال وإصابة نحو 34 آخرين عقب اصطدام حافلة "أتوبيس" كانوا يستقلونها في طريقهم من القاهرة إلى مدينة شرم الشيخ (جنوب سيناء) بحاجز خرساني على طريق (القاهرة – السويس) السريع. وعلى الرغم من فداحة الحادث، لا سيما أن نسبة معظم المتوفين والمصابين من الأطفال، إلا أنه مر وسيمر غيره مرور الكرام. الملايين ترحموا على من راحوا، وتمنوا الشفاء العاجل لمن أصيبوا، ثم مضوا إلى حال سبيلهم.

التغريدات على "تويتر" تشي بكثير من التراحم والتعاطف. والتدوينات على "فيسبوك" تكشف عن أوجه الرفق والرأفة. وكذلك تعليقات القراء على الخبر في المواقع الإلكترونية تؤكد معدناً إنسانياً أصيلاً. لكن غير الترحم والدعاء بأن ينير الله قبورهم ويغفر خطاياهم ويعتبرهم في منزلة الشهداء، لم يلتفت إلا قليلون.

منظومة القضاء والقدر

قليلون فقط يلفتون عقب كل حادث مروري، وهي كثيرة، إلى أسبابها وسبل منعها أو تقليلها. الغالبية منغمسة في منظومة "القضاء والقدر"، حيث الحذر لا ينجي من القدر، و"قدرهم أن يلقوا ربهم في هذا اليوم". أما العوامل التي تؤدي إلى وقوع الحوادث القاتلة، وغالبيتها المطلقة عوام بشرية، أي يمكن تجنبها، فقلما يلتفت إليها أحد.

أستاذ الطب النفسي لطفي الشربيني يقول في مقال كتبه عنوانه "رؤية نفسية لحوادث الطرق المتفاقمة"، "إن قيادة السيارة عمل مركب يتعرض خلاله السائق لكثير من المواقف والانفعالات التي تتطلب التركيز المستمر والقدرة على ضبط الانفعال ورد الفعل الملائم دون توتر أو قلق، وأن عديداً من هذه العوامل لا تتوافر في كثيرين من السائقين المحترفين، لا سيما الذين يعتمدون على الخبرة والثقة العالية في قدراتهم". ويضيف "أن هؤلاء يتسببون في نسبة حوادث تفوق السائقين المبتدئين الذين يلتزمون بالدقة والحذر أثناء القيادة". وأشار إلى "ارتباط الحالة الانفعالية للسائق بزيادة فرصة تعرضه للحوادث، والمثال على ذلك من يقود السيارة وهو منشغل أو قلق أو خائف من شيء ما، أو يشعر بإجهاد يؤثر في قدرته على التركيز والتصرف السليم حال تعرضه لمفاجآت على الطريق، يكون أكثر عرضة للضلوع في حادث".

حزمة مسببات حوادث الطرق في مصر تحوي الكثير. والكثير يُشَاهد ويُرصَد أحياناً بالعين المجردة، حيث جنون القيادة السريعة أو التخطي الخاطئ أو التوقف المفاجئ أو السير على الجانب الخطأ من الطريق. وبناء على تحليل لحوادث السير على الطرق، فإن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يقسم أسباب حوادث السير كالتالي، "23 في المئة تخطي السرعات المقررة، و15 في المئة لعدم انتباه السائق، و12 في المئة للتخطي الخاطئ، وتسعة في المئة لعيب في مقود القيادة، وتسعة في المئة لتصادم سيارتين، وثمانية في المئة للتوقف المفاجئ، وأربعة في المئة لوجود عيب فني في السيارة، واثنان في المئة للخروج الخاطئ من طريق جانبي، وواحد في المئة لكل من ترنح السيارة على الطريق والطقس السيء. أما النسبة الباقية، فتشمل حزمة من الأسباب غير المتكررة بشكل كبير".

ولأسباب متعددة تقع حوادث السير المميتة أغلبها يتعلق بالسائق. تعاطي المواد المخدرة أثناء القيادة ملف ملغوم فتحته مصر قبل سنوات قليلة، لا سيما بين قادة سيارات النقل وباصات المدارس. مساعد وزيرة التضامن الاجتماعي، مدير "صندوق مكافحة الإدمان "عمرو عثمان يقول "إن الوزارة بالتعاون مع الداخلية تشن حملات للكشف العشوائي على سائقي باصات المدارس للتأكد من عدم تعاطيهم المواد المخدرة، مع التوسع في الكشف كذلك على سائقي الحافلات الخاصة التي تنقل طلاب المدارس والجامعات والمعاهد مع عمل قاعدة بيانات لقادتها، وتلقي شكاوى أولياء الأمور الذين يشكون في أن السائق يتعاطى مواد مخدرة".

المخدرات وحوادث الطرق

في عام 2014، كشف مسح أجراه "صندوق مكافحة الإدمان" أن نسبة تعاطي المواد المخدرة بين السائقين تصل إلى 25 في المئة، والكحوليات 18 في المئة، والتدخين 77 في المئة. وأوضحت نتائج المسح أن المخدر الأكثر شيوعاً هو القنب أو الحشيش بنسبة 79 في المئة، يليه البانغو بنسبة 29 في المئة تقريباً.

أستاذ الطب النفسي لطفي الشربيني يشير في مقاله إلى "أن قيادة السيارات تحت تأثير العقاقير التي تؤثر في الجهاز العصبي والحالة النفسية تزيد بين فئة السائقين المحترفين، كذلك بين الشباب الذين لا يجدون غضاضة في قيادة السيارة وهم تحت تأثير المخدر أو الكحول"، مشيراً إلى "أن تداخل هذه المواد مع وظائف الجهاز العصبي يؤثر في الإدراك الحسي والتوافق العضلي العصبي، ما يؤثر بالتبعية في قدرة الشخص على القيام بالحركات وردود الفعل المعتادة التي تتطلبها القيادة بأسلوب سليم".

وأوضح، "أن القنب أو الحشيش، وهو الأكثر تداولاً بين فئات بعينها من السائقين يؤدي إلى اضطراب الإحساس بالزمن، وعدم تقدير المسافات، ما يؤدي إلى التصادم مع أشياء يعتقد أنها بعيدة. كما يجعل المتعاطي يشعر أن الطريق ممهد أمامه، وفي الجهة المقابلة وكأنه يجري على سطح الماء. وتؤدي مواد أخرى مثل الأمفيتامين إلى حالة من التوتر والرعونة والميل إلى المجازفة، أو تخيل وجود أشباح تجري على الطريق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أشباح وأشكال

لكن الأشباح أشكال وأنواع، منها ما لا وجود له على أرض الواقع، ومنها ما يفرض سطوته في ظل غياب فعلي لتطبيق القوانين على حرم الطريق. ودفاتر الشرطة عامرة بالأمثلة. ففي اليوم نفسه الذي وقع فيه حادث السير المروع للحافلة على طريق (القاهرة- السويس)، كان طفل قد قرر قيادة سيارة والده في مدينة السويس، فانطلق بها بأقصى سرعة ومعه ثلاثة من الأطفال من أصدقائه. وكانت نتيجة عدم السيطرة على السيارة التي انقلبت مقتله وأحد أصدقائه، وإصابة الآخرين. وقبلها بأيام، مات ثلاثة أشخاص في حادث مروع على طريق (الإسكندرية – القاهرة). وقبلها لقيت سيدة مصرعها وأصيب تسعة أفراد من عائلتها بعدما انقلبت سيارة على محور الضبعة في اتجاه مرسى مطروح (شمال مصر). وعلى الطريق نفسه مات اثنان وأصيب سبعة في حادث مشابه. وفي أسيوط، قبل أربعة أسابيع توفي أربعة شباب في سيارة بعدما تفحمت تماماً إثر اصطدامها بسيارة نقل. وكان بين المتوفين شقيقان، توفي والدهما بسكتة قلبية ما إن علم بما جرى. والأمثلة كثيرة ويومية.

خبر ومناشدة

ولأنها يومية، فقد اعتاد المصريون أخبار حوادث الطرق. وبات كثيرون يعتبرونها تفصيلة بديهية من تفاصيل الحياة اليومية. أما قواعد السير المضروب بها عرض الحائط، فغالباً لا تلقى سوى خبر عابر في صفحة أو مناشدة من وزارة الداخلية للسادة قائدي السيارات توخي الحذر أو ربط حزام الأمان أو عدم استخدام المحمول أثناء القيادة أو اتباع قواعد القيادة أو التزام السرعة المقررة. وأحياناً يتم شن حملات مرورية أغلبها يدقق في رخص القيادة والسيارات ووجود طفاية الحريق أو عدد الركاب أو ما شابه. كما تصدر إدارة المرور في وزارة الداخلية بين الحين والآخر بياناً بعدد المخالفات التي تم تحريرها لسيارات تعدت السرعات المقررة أو تكاتك تمت مصادرتها أو دراجات نارية يقودها قائدوها من دون رخصة أو تروسيكل غير مرخص أو ما شابه.

دقة البيانات وغياب المخالفات

وعلى الرغم من دقة البيانات، فإن البيانات وقيمة المخالفات وأعداد المصادرات وجهود لجان وكمائن التفتيش تبقى بعيدة من مدن سكنية جديدة مثل الشروق وبدر (على مشارف القاهرة) وأحياء شعبية ومناطق عشوائية شبه خالية تماماً من الخدمات والرقابة المرورية. كما أن كثيرين من قادة السيارات باتوا على علم بأماكن أجهزة الرادار فيهدئون من السرعة قبلها، بل يخبرون زملاءهم على الطريق بأماكنها كـ"خدمة شعبية مميتة".

منظمة الصحة العالمية ذكرت قبل سنوات أن 12 ألف شخص في المتوسط يموتون سنوياً على الطرق المصرية نتيجة حوادث سير، وآلافاً غيرهم يصابون إصابات غير مميتة، لكن بعضها يؤدي إلى إعاقات طويلة المدى. وحذرت المنظمة أنه في حال عدم التعامل السريع مع المشكلة، ستظل حوادث الاصطدام على الطرق في زيادة وتصبح أحد أكبر أسباب الوفاة في مصر مع قدوم عام 2030.

ومع حلول عام 2021، كانت شبكة الطرق في مصر خضعت لإعادة هيكة كاملة. ونجحت مصر في تنفيذ 85 في المئة من خطتها القومية للطرق حتى يناير (كانون الثاني) الماضي. وكانت النتيجة ارتفاع تصنيف مصر وفقاً لمؤشر التنافسية الدولية في جودة الطرق والبنية التحتية من المركز 118 في عام 2014 إلى المركز 28 في عام 2019.

شبكة طرق رائعة ولكن

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ربطت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية هالة السعيد بين شبكة الطرق والجسور الجديدة في مصر وبين انخفاض حوادث السير والوفيات الناجمة عنها. وقالت "إن الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق انخفضت من 12 ألفاً في عام 2019 إلى سبعة آلاف في عام 2020، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسة 41.6 في المئة"، مشيرة إلى "أن الاستثمارات في الطرق والجسور بلغت 14 مليار جنيه (نحو 891 مليون دولار) عام 2018 لترتفع إلى 26 مليار جنيه (مليار و665 مليون دولار) في 2019، ثم إلى نحو 28 مليار جنيه (نحو مليار و782 مليون دولار) في 2020، مشيرة إلى أن هذه المليارات أسهمت في خفض الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق.

حركة الطيران على الطرق

المتابع لحركة سير، أو بالأحرى طيران، السيارات على طريق السويس بعد وقوع الحادث المروع للحافلة بساعات قليلة يشعر أن اتساع الطرق وتجديدها، دون مراقبة كافية وتطبيق حاسم لقواعد القيادة بدءاً من إصدار رخصها بحزم وحسم، مروراً بمراقبة الطرق وسرعاتها وانتهاء بتوقيع غرامات حقيقية غير قابلة للتظلم على خارقي القوانين، ينجم عنه مضاعفة الأخطار على الطرق.

يقول مهندس الطرق المتقاعد محمود مصطفى (70 سنة)، "إن توسعة الطريق من ثلاث حارات إلى خمس في ظل استمرار جنون القيادة وضعف الرقابة والتساهل مع من يخرقون قوانين السير يؤدي إلى جنون قيادة مضاعف والإتيان بحركات بهلوانية مميتة من قبل بعض السائقين بشكل أكبر على الطريق الأكثر اتساعاً".

ويقترح أستاذ الطب النفسي لطفي الشربيني "أن تشتمل الاختبارات الطبية التي تسبق إصدار رخصة القيادة اختبارات نفسية، إذ قد يكون الشخص مصاباً باضطراب عصبي أو حالة نفسية مثل الفصام أو الهوس أو اضطرابات الشخصية التي تسبب السلوك العدواني دون خوف من العقاب".

الخوف من العقاب

يشار إلى أن "الخوف من العقاب" هو أيضاً أحد الأدوات الرادعة لحقن الدماء على الطرق. قانون المرور الجديد في مصر يحوي ترسانة متكاملة من العقوبات والغرامات والمخالفات والقيود التي في حال تطبيق 10 في المئة منها كفيلة بتغيير مرتبة مصر، حيث تتبوأ المكانة الـ19 بين أكثر الدول الـ22 التي تعاني ارتفاع وفيات الطرق، بحسب التقرير العالمي لحوادث الطرق الصادر عن منظمة الصحة العالمية في 2018 إلى مرتبة أفضل بكثير.