Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التونسي خاد رداوي يحتفي بالذاكرة شعريا

"المتضائل" ديوان يستدعي النصوص ويحاورها جمالياً ورمزيا

تونس بعين الرسام أوغست ماكه (موسوعة تونس التكشيلية)

لعل المتأمل في الشعر التونسي يلحظ صراعاً بين لغة تجيء من الماضي وتريد أن تستمر في الحاضر، ولغة ثانية تريد أن تنبثق من الحاضر وتمضي في اتجاه المستقبل. اللغة الأولى تستعيد أنموذجاً للكتابة قائماً في الذاكرة، اكتسب من أثر تكرار بعد تكرار شرعية فنية وجمالية، أما اللغة الثانية، فقد عدلت عن السنن الشعرية السائدة ومضت تكتشف ذرى تعبيرية جديدة.

اللغة الأولى تعبير عن الانفعالات والمشاعر، أو إذا أردنا الدقة قلنا إنها "ترجمة" تنقل بمقتضاها الأحاسيس من وجود داخلي، غامض، مشوش إلى وجود خارجي واضح جلي، يتحكم فيه نظام دقيق هو نظام اللغة. أما اللغة الثانية فهي لغة الرموز والأقنعة والأساطير، والإحالات المعرفية بحيث لا يصبح الشعر انسياباً تلقائياً للمشاعر أو فيض إلهام لا يخضع لحكم الإرادة، وإنما يتحول إلى جهد ومكابدة ومواجهة لمعضلة الكلمات تستعصي على الشاعر.

وهذا يعني أن الشعر الحديث لم يعد يكتفي باستلهام الشعر في صياغة خطابه، كما كانت الحال في الشعر التقليدي، وإنما أصبح يستلهم المعرفة الإنسانية، مطلق المعرفة الإنسانية... الشعر الحديث ليس نتاج عفو البديهة بقدر ماهو نتاج كد الروية. ديوان الشاعر خالد رداوي "المتضائل" الصادر عن دار "ديار"، إنما ينتمي إلى النمط الثاني، حيث نجد القصيدة تستدعي نصوصاً أخرى، تحاورها وتزكيها.

بنية الأدب

إن النص بنية داخل بنية أخرى أعم وأشمل هي بنية الأدب، وربما بنية الثقافة على وجه الإطلاق والعموم. واسترفاد النص لجملة من النصوص يستدعيها من حقول معرفية شتى، نفي لاستقلالية النص التي روجت لها بعض التيارات النقدية إمعاناً في فصل حركة النص عن حركة الحياة والتاريخ.

إن النص يتخلق من خلال النصوص يستحضرها فيتشربها فيحولها إلى عناصر فاعلة فيه. هذه النصوص التي تذوب في جسد النص، وتصبح أصلاً مكيناً من أصوله، هي التي تخلع عليه النظام والمعنى، بل هي التي تجعل قراءته متعددة، متنوعة.

ولعل أهم النصوص التي يستدعيها الشاعر في ديوانه الجديد النص الديني، ومن النص الديني اهتم على وجه الخصوص بشخصية آدم بوصفها البدء والأصل والمنطلق. "في البدء كان الشجر امرأة واحدة/ كان الماء الدافق بركة دم/ كان الحزن يسقى من عين آنية/ كان الرمل خميرة حزن فاضت على الصحراء/ الليل أفعى تراودني/ وكنت بلا أجنحة".          

إن الحداثة الشعرية قامت على تغيير نمط تلقي القصيدة الشعرية من خلال تغيير أسلوب كتابتها وطرائق تصريف القول فيها. أي إن الحداثة الشعرية قد عمدت إلى تجاوز شفوية القصيدة العربية من خلال تجاوز عناصرها الإيقاعية التقليدية من بحور وقواف وأروية. إضافة إلى تجاوز عدد من صورها البلاغية وزخارفها البديعية التي ارتبطت بالتقاليد الشفوية القديمة، مستبدلة أداة التلقي المألوفة بأخرى جديدة. فبعد جارحة السمع بات المتلقي يستقبل القصيدة الحديثة من طريق جارحة النظر. فالقصيدة الحديثة قصيدة تحتاج إلى تأمل ومعاودة وطول نظر، ولا يمكن بأية حال "استيعابها" من قراءة أولى.

النص الصوفي

لكن الشاعر لم يقتصر على استدعاء النص الديني، بل استدعى النص الصوفي أيضاً، مستخدماً على نحو واسع معجمه ورموزه وصوره: "أنا المحو/ والمحو بك كنت/ أنا الفناء/ والفناء بك كنت/ حتى انفنيت في إرادته وبقيت بك/ فلا أين لي/ ولا متى/ حتى أدركني معشوقي". والواقع أن الشاعر ليس شاعراً صوفياً، وإنما هو شاعر حديث يستدعي "جوهر "التصوف ويتشرب أبعاده الروحية العميقة، ويوظف رموزه من

غير أن يعمد إلى استنساخه أو محاكاته أواسترجاع مفاهيمه القديمة. ومن ثم يمكن القول، إن للشاعر "تصوفه" المخصوص الذي يختلف عن التصوف القديم اختلاف تباين وافتراق. تصوف الرداوي تصوف أرضي، يفصح عن أسئلة الإنسان الحديث الروحية والوجودية. إنه تجربة شعرية، في المقام الأول، حركة في أعماق النفس وأغوارها. سعي إلى استشفاف المطلق في المحدود والباقي في الداثر والمجرد في المجسد.

لكن الشاعر لم يكتف باستدعاء رموز المتصوفة وصورهم، بل استدعى الأساليب الصوفية في الكتابة، وبالتحديد استدعى أسلوب الشذرة الصوفية وما تنطوي عليه من إمكانات استعارية ورمزية كبيرة. وهذا الأسلوب أسلوب الشذرة، يتجلى بوضوح في شطحات البسطامي ومواقف النفري، حيث ينفتح الشعر على النثر وتتكثف العبارة بحيث تقول المعنى الأكثر في اللفظ الأقل. في كل فصول هذا الكتاب تتلامح رموز "الإشارات الإلهية" لأبي حيان التوحيدي، وإيقاعات "طواسين" الحلاج، وصور "الإنسان الكامل" لعبد القادر الجيلاني ومعجم "الفتوحات المكية". هذا الأسلوب يجمع بين الوضوح والغموض، التجريد والتجسيد، الروحي والفكري، بحيث تتحول تجربة الكتابة الى كتابة للتجربة مع كل ما تنطوي عليه تلك الكتابة من مكابدة للحرف، يلتاث فلا يستسلم بيسر. هكذا تحول الشعر إلى خطاب استعاري يوسع من دائرة معرفتنا، ويتيح لنا استجلاء ما استخفى في نفوسنا وما استسر في العالم من حولنا. لا شك

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في أن الشعر "يفكر" لكن طرائقه في التفكير تختلف عن الطرائق التي يتوسل بها الخطاب العقلي. الشعر لا يعول على البرهان والمنطق في إدراك الحقائق، وإنما على الحدس والبصيرة، لهذا يقدم لنا ضرباً من المعرفة المخصوصة التي تختلف اختلافاً بيناً عن المعرفة التي يقدمها العلم والفلسفة. الشعر الشعر، كما أوضح أدونيس، دخول في غير المفكر فيه، في الذي لا يزال مخبوءاً وبعيداً. إن الشعر يجوس مناطق في الإنسان مازالت غامضة معتمة. وجمالية هذا الديوان إنما تتأتى من الإيحاءات التي تشع بها الصور. هذه الإيحاءات تنبجس من الطاقات الكبيرة التي تنطوي عليها لغة الشاعر، أعني الإيقاع والأصوات كما تنبجس من الكلمات، وقد تواشجت على نحو غير مألوف.

إن الشاعر ما فتئ يسير على الحد الفاصل بين الشعر وبقية الأجناس والفنون ويغتذي منها. فشجرة نسب قصيدته لا تنبثق من الشعر العربي فحسب، وإنما من قارات شعرية وفنية أخرى نخص بالذكر منها الرمزية والسوريالية اللتين وشمتا ذاكرة قصيدتها بنار حرائقها. كما تركت قصيدة النثر الغربية أثرها واضحاً في قصيدته ولونت لغتها ومجمل الرموز التي انطوت عليها. بحيث يمكن القول إن قصيدته باتت فضاء تتجاوب فيه أصداء شعرية وفنية ومعرفية شتى، لكن هذه الأصداء ظلت على اختلافها تحيا، داخل هذه القصيدة في كنف الانسجام. لكن أهم ما يجذب الانتباه أن قصيدة الرداوي سعت إلى استدراج الأضداد إلى التصالح بعد تنافر، وإلى الائتلاف بعد الاختلاف، وكأن وظيفة الشعرعند هذا الشاعر  تتمثل في نقض كل أواصر القربى القديمة التي تصل الكلمات ببعضها

بعضاً، وعقد شواجر أرحام جديدة تجمع بينها. إن جدل النقض والإبرام، نقض العلائق القديمة بين الألفاظ وإبرام علائق جديدة تصل بينها، هي التي تتيح للغة أن تبتكر نفسها دائماً. هكذا يتبدى الشعر وكأنه حيلة اللغة حتى تقاوم الموت والبلى وتتجدد باستمرار .

المزيد من ثقافة