Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عابد إسماعيل: ليس لدى العرب ما يتباهون به سوى الشعر

الشاعر الذي ترجم أعمالا من الأدب العالمي ورسخ النظريات النقدية الحديثة

الشاعر والمترجم السوري عابد إسماعيل (اندنبدنت عربية)

يحضر عابد إسماعيل بقوة في واجهة الثقافة العربية المعاصرة، شاعراً ومترجماً، وناقداً أكاديمياً رفيعاً، و يواظب على عمله كأستاذ للأدب الأميركي الحديث في جامعة دمشق، إلى جانب مع اشتغاله المضني على ترجمة عيون الأدبين الإنجليزي والأميركي، مع كتابة الشعر والنقد الأدبي. وقد أصدر أخيراً ديوانه "أشباح منتصف النهار" مؤرخاً بصمت للحظة السورية المأساوية، نابشاً في متون أمهات الكتب، ومنقباً عن خطاب ثقافي مغاير، وقد وصف الشاعر أدونيس هذا الديوان بـ"غرنيكا الشعر العربي الحديث". بلغ عدد الكتب التي ترجمها إسماعيل حتى الآن نحو 24 كتاباً، بين النقد والشعر والرواية، وأحدث ترجماته الأعمال الشعرية الكاملة للشاعرة سيليفيا بلاث، ومن الأسماء التي ترجم لها:هارولد بلوم، ونعوم تشومسكي، وتوني موريسون، ونايبول، وولت ويتمان وسواهم. وله في الشعر ستة دواوين وفي النقد خمسة كتب.

 

نسأله هل هناك اليوم حركة ترجمة غربية، وهل ثمة اختراقات شعرية عربية في الفضاء الغربي؟ فيجيب، "الجميع يكاد يجزم أن الترجمات من العربية ما زالت لا تفي بالطموح أبداً، وما نشهده بين الفينة والأخرى من ترجمات مبعثرة، لدواوين شعرية أو روايات فائزة بجوائز وسوى ذلك، لا يتعدى كونه جزءاً يسيراً من اهتمام أقسام أكاديمية بعينها بالأدب العربي،  وذلك تلبيةً لحاجات بحثية وتعليمية محدودة. هذا إذا لم نقل إن كثيراً من هذه الترجمات تحكمها دوافع وأهواء سياسية، وأحياناً شخصية، لا تمت بصلة إلى القيمة الفنية والجمالية لهذه الأعمال. وأنت وأنا والقارئ نعلم كم من الكتّاب العرب، الذين هاجروا إلى الغرب، ومكثوا فيه، على مدى عقود، فشلوا بالقفز فوق الجدار الشاهق الذي تضربه الثقافة الغربية حول نفسها. والأمثلة التي نستحضرها عن أدونيس وسعدي يوسف ومحمود درويش ونجيب محفوظ من عمالقة الجيل الذهبي، لا تكفي حقاً، لتكريس عالمية الأدب العربي، إذ ما زال أدبنا المترجم إلى لغات أخرى محصوراً بالنقد الأكاديمي الجاف، واهتمام دائرة ضيقة من طلاب الدراسات العليا به".

الطريق الطويل

"قلة قليلة خارج الدوائر الجامعية الأميركية المتخصصة، تعرف شيئاً عن الشِّعر العربي الحديث اليوم"، يعقب إسماعيل ويضيف، "مع أنني لا أنكر الجهود الحثيثة التي يقوم بها بعض المترجمين من عرب وأجانب، في نقل بعض نماذج هذا الشعر إلى اللغات الأوروبية، وتلعب مجلة "بانيبال" مثلاً دوراً ريادياً في هذا المضمار. لكن هل هذا يكفي لتشكيل تيار، أو إحداث صدمة، أو رجة في الوعي الغربي، تجاه التمثل وربما الاقتداء بنماذج شعرية عربية حديثة؟ الجواب مع الأسف، لا، ومازال الطريق أمامنا طويلاً، في ظل تقهقر العلوم والمعارف بأنواعها في مجتمعاتنا، وفي ظل غياب الحريات الفكرية، وانتشار الفكر الغيبي الظلامي، وهيمنة الاستبداد السياسي، وكلها عوامل تمنع العقل العربي من إمكانية التأسيس لأية نهضة حقيقية".

 

ويتابع قائلاً، "فوكو وإدوارد سعيد وإيغلتون ونوريس، نقاد أيديولوجيون كبار، شخصوا محنة التبعية التي تكابدها الشعوب النامية في علاقتها بالآخر الغربي، ونحن ببساطة نستعير هذه النماذج والأشكال التعبيرية التي تشير إليها في سؤالك، بل ونقلدها ونجترها، لأننا ببساطة نشعر بعقد النقص الكبيرة تجاه هذا الغرب المتفوق في كل المجالات. لاحظ مثلاً أن الغرب منح العرب جائزة نوبل لفن ليس عربياً من حيث المبدأ، أو المنشأ، أقصد فن الرواية، ونالها نجيب محفوظ قبل أكثر من ثلاثين عاماً، ثم أُوصد البابُ من خلفه. ليس لدى العرب ما يتباهون به اليوم أمام الشعوب الأخرى سوى الشعر، لكن نوبل ترفض أن تعترف بهذا، مع أن أدونيس، كما نعلم، هو مرشح دائم للجائزة".

التمركز العربي حول الغرب

 لكن كيف يرى إسماعيل ظاهرة عزوف معظم شعراء العرب الحديثين عن الاهتمام بالتجارب الشعرية الصينية أو اليابانية أو الأفريقية، في حين أن الغرب منذ عصر التنوير كان منفتحاً عليها؟ يجيب، "اهتمام الشعراء الأميركيين، بالثقافتين، اليابانية والصينية، على وجه الخصوص، هو جزء من رغبة دفينة لفكِّ طلاسم الشرق الغامض والمجهول، كما يحلو للمخيلة الأدبية الغربية تصويره. هذا الجهد هو جزء أيضاً من ثقافة الاستشراق. وقد يكون أيضاً جزءاً من رفض هؤلاء للحضارة المادية الغربية، وذلك عبر البحث عن ينابيع روحية صافية، تماماً كما فعل ألن غينسبرغ حين اعتنق البوذية، أو روبرت بلاي حين عاد إلى التصوف المشرقي. أو كما عبر يوماً المستشرق الفرنسي الشهير هنري كوربان لدى اكتشافه شهاب الدين السهروردي، بعد نصيحة من أستاذه لويس ماسينيون. وإذا كان إليوت قد انفتح على النصوص الهندية القديمة في "الأرض الخراب"، مثلاً، بل وضمنها جملاً باللغة السنسكريتية، لإضفاء صبغة كونية على رؤيا اليباب في القصيدة، فإن عزرا باوند انفتح على الصين القديمة في "الكانتوات" (Cantos) واستعار مقاطع باللغة الصينية، بل ونظّر في مطلع القرن الماضي إلى ضرورة استلهام قصيدة الهايكو، وذلك حين أطلق حركته الشعرية المسماة "الصُورية" (Imagism) القائمة على قيم الاختزال والتكثيف. بل إن أقصر قصيدة في اللغة الإنجليزية هي تلك التي كتبها باوند عام 1913 بعنوان "محطة المترو" وهي مؤلفة من بيتين اثنين، يشكلان جملة اسمية واحدة، تخلو من أي فعل، وتصور وجوهاً هائمة في محطة قطار في باريس. وتعد أشهر قصيدة هايكو في الشعر الأميركي الحديث".

ويتابع إسماعيل ويقول، "في الوقت ذاته لاحظ معي أن بعضاً من الأكاديميين والشعراء في عالمنا العربي اليوم انتبهوا، بعد أكثر من مائة عام، إلى أهمية قصيدة الهايكو، وكأنها ولدت البارحة، في حين أنها نمط في الكتابة الشعرية اليابانية، قديم قِدم المعلقات في شعرنا. يبدو أننا دائماً نصحو متأخرين. الشيء ذاته يحدث مع بعض مدارس النقد الأدبية اليوم، فحين قرر رولان بارت، مثلاً، التخلي كلياً عن البنيوية، بعدما أوصلها إلى قمة شاهقة من الرصانة والإتقان، وبدأ البحث عما أسماه "لذة النص"، وجدنا نقادنا ومثقفينا يتهافتون على تلك البنيوية ذاتها بوصفها آخر مبتكرات الحداثة، لكنها كانت في الحقيقة قد دخلت المتحف للتو، وباتت جزءاً من الأرشيف الأدبي فحسب".

 

إذاً هل يمكن كسر هذا التمركز الغربي في المشهد الشعري العربي، والانفتاح على ثقافات أخرى، وعربياً في الغالب لم نترجم إلا لشعراء غربيين؟ يجيب إسماعيل ويقول، "أنت محق تماماً في أن تسميه تمركزاً، لكنني أجتهد وأسميه تشرنقاً، فثقافتنا التي وقعت تحت هيمنة الغرب على مدى عقود وعقود ظلت حبيسة المنظومات الغربية في التفكير، وباتت فكرة العالمية حكراً على اللغتين الإنجليزية والفرنسية تقريباً، وكأن الصينية مثلاً ليست جزءاً من هذا العالم. أتساءل من يقرر ويحدد ماهية كونية النص؟ وما هي معاييرنا في إسباغ صفة العالمية على عمل ما؟ أستطيع الآن أن أقدم لك عشرات الأمثلة عن أعمال عربية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، بالكاد سمع بها أحد في لغتها الأم، بل لا ترتقي إلى مستوى ورفعة بيت كلاسيكي واحد من قصيدة لأبي تمام أو المعري".

دخول آلي في لحظة الحداثة

لكن إلى ما يعزو الناقد السوري ندرة أو انعدام مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه في أقسام اللغة العربية والآداب، لنصوص شعراء قصيدة النثر العربية؟ يجيب، "ما زالت الذهنية الأكاديمية السائدة في العالم العربي تعتبر قصيدة النثر فناً مارقاً ملعوناً، ولا يستحق أن يُدرَس أو يُدرج في المناهج التعليمية، وعلى كل المستويات تقريباً. ما زالت الذائقة الأدبية العربية مستلبة جوهرياً لصالح البحور الستة عشرة، بتفرعاتها وتنويعاتها وتجلياتها العروضية. المنبرية كلحظة شفوية، شعاراتية، هي المعيار الوحيد لنجاح الصوت الشعري. من هنا تفشل قصيدة النثر حين نؤديها على خشبة مسرح، وتبدو مقصوصة الجناحين، بل شكلاً من أشكال الهذيان المجاني لا يتجاوز أثرها بياض الصفحة التي دوِّنت فوقها".

ويضيف، "كأن الثقافة العربية السائدة مازالت امتداداً للوعظ الديني التبشيري، وتجد في الصوت، لا الكتابة، قيمة ميتافيزيقية عليا، وإذا أدركنا أننا في هذا الشرق المنكوب مازلنا ضحية الشعارات والهتافات والقبضات المرفوعة في الهواء، ونحدس لماذا تُقصى قصيدة النثر، وترمى في أدراج أساتذة الجامعات لأنها لا تصلحُ للصراخ، وللتهييج، ولاستنفار الجماهير الغفيرة الذاهبة إلى حتفها الوشيك. هذا لا يعني بالمناسبة أن كل قصيدة نثر هي بالضرورة خروج عن الموروث، ونسف لثقافة الأجداد، ودخول آلي مباشر في لحظة الحداثة الشعرية الباذخة، على الإطلاق. ثمة قصائد نثر "عمودية" اتباعية، بل ربما أكثر تقليدية من أية قصيدة عمودية أو تفعيلية أخرى. وأستطيع ذكر عشرات الأمثلة لشعراء مكرسين، معروفين، يكتبون قصيدة النثر، لكنهم ظلوا أسرى معايير فنية بائدة، ولا يفهمون من الحداثة سوى دلالاتها التاريخية أو الزمنية".                        

جماليات المتاهة

كناقد أكديمي وضع عابد إسماعيل كتاب "جماليات المتاهة" وتناول فيه عدداً كبيراً من تجارب الشعراء العرب، ممن ينتمون إلى حساسيات وأساليب وأزمنة مختلفة. يقول إسماعيل عن هذا الكتاب، "تشكلت نواة "جماليات المتاهة" في الصحافة الثقافية والأدبية العربية، بخاصة جريدة "الحياة"، التي وفرت لي منبراً للكتابة عن معظم هؤلاء الشعراء. ولم يكن في نيتي البحث عن موجة شعرية ثانية، ولا حتى ثالثة، بل سعيت بأن أتلمس تلك الخيوط الخفية التي تجعل من نص ما بؤرة للتأمل والدهشة الدائمين. ما سر القصائد العظيمة، على اختلاف أنماطها وأشكالها، ولماذا ننجذب مسحورين إلى نصوص بعينها، دون سواها؟".   

 

يخبر المترجم السوري أين يبدأ الشاعر وأين ينتهي في عمله كمترجم لنصوص صعبة قام بنقلها إلى العربية كالأعمال الكاملة لسيلفيا بلاث وبورخيس، "حين تتحدث عن ترجمة الشعر تواجهك صعوبة مضاعفة، إذ كيف تكون وفياً للقصيدة، دقيقاً إلى حد الصرامة العلمية، وفي الوقت ذاته، تنفتح على الصور والتشابيه والاستعارات، وتتركها تجري كالماء الرقراق، سلسةً، عذبةً، لا يعكر صفوها شيء. الدقة وحدها في نقل المعاني لا تكفي، والأسلوب وحده في التلوين والتطريز لا يكفي. يجب أن يسيرا معاً جنباً إلى جنب، في معادلة دقيقة تشبه الوقوف على حبل مشدود، بحيث لا يختل التوازن إلى جهة دون أخرى. الدقة وحدها تنتج نصاً أكاديمياً جافاً كما هي حال بعض ترجمات الشعر العربي الكلاسيكي إلى الإنجليزية (المعلقات نموذجاً)، والشطح البلاغي وحده، ينتج نصاً، مشوهاً، هلامياً، لا يمت بصلة إلى الأصل، كما هيب حال بعض ترجمات يانيس ريتسوس إلى العربية، بخاصة إذا عرفنا أن ريتسوس ليس بشاعر بلاغة، كأدونيس أو درويش مثلاً، بل رسام مولع بالتفاصيل الواضحة، السلسة، والبسيطة، ولغته لا تحتمل النزق اللفظي الحاد".  

ويشرح إسماعيل، "شخصياً أحاول أن أستفيد من معرفتي الأكاديمية باللغة الإنجليزية، نحواً وصرفاً ودلالات، وذلك من أجل نقل المعنى بقدر أكبر من الدقة والأمانة. لكنني أيضاً أستعين بالشاعر في داخلي كي أتجنب الوقوع في فخ التكلس والنمطية. وفي نهاية المطاف أخشى أن يكون روبرت فروست على حق حين قال "إن الشعر هو ما يضيع في الترجمة" بمعنى أن كل ترجمة، مهما سمت وعلت، تظل بالضرورة خيانة مضمرة للنص الأصلي".

"أشباح منتصف النهار"

كتاب إسماعيل الشعري الأخير "أشباح منتصف النهار" جاء كسلسلة من الأناشيد السردية، الغنائية، التراجيدية، وتوزعت على 131 مقطعاً شعرياً، وهي تشبه من حيث الشكل ما أسماه عزرا باوند "الكانتوات" (Cantos)، وتشكل في مجموعها فسيفساء قصيدة واحدة، أو "ملحمة" كما عبرت الناقدة خالدة سعيد في كلمتها الافتتاحية للطبعة الثانية. فهل ثمة عودة إلى القصيدة الفجائعية الدارمية وإلى ما يقارب "الأرض اليباب" لإليوت في هذا الكتاب. يجيب، "اسمح لي أن أتحفظ على كلمة "فجائعية" في سؤالك، لأنها ليست صفة نقدية بالضرورة بل انطباعية ذاتية. لا يوجد شيء اسمه قصيدة "سعيدة" وأخرى "حزينة". هذا تبسيط رهيب للعاطفة الشعرية. فالقصائد تتكئ على العاطفة (حزناً أم فرحاً) لبناء معمار مجازي، متخيل، يتجاوز الشعور الشخصي الآني. وهذا ما دعا إليه إليوت، حين يقول إن الشعر هروب من الأنا، وليس تعبيراً عنها. فالحداثة الشعرية، كما أفهمها، تقوم على توظيف عناصر كثيرة، كالتورية والتضمين والتناص والاقتباس والسخرية، والأقنعة، والأصوات، والشطح، والمنولوغ، والحوار، والحبكة، وسوى ذلك، لإنتاج نص موشوري مركب، متعدد الدلالات، وهذا ما حاولت فعله في "أشباح منتصف النهار"، دون أن أقع في شرك المحاكاة لإليوت، كما أشار صديقي الشاعر محمد مظلوم في مراجعته القيمة للديوان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بصفته أكاديمياً يعي إسماعيل الآلية الخفية التي تحكم بنية "الأرض الخراب" ويضيف، "كتبتُ مراراً عن هذه القصيدة، وليس سراً أنني أقوم بتدريسها لطلابي عاماً بعد عام. بالطبع، موضوع الديوان هو الحرب بكل إرهاصاتها وفجائعها وآثامها، لكن الحرب هي مجرد ذريعة فنية للحفر في اللغة والذات والذاكرة والموروث، في الحاضر والماضي، سعياً لاقتناص الشعري المحض. أنا لا أعمل كمؤرخ أو عالم اجتماع مثلاً حين أكتب قصيدة، بل أبحث عن الشرارة الشعرية في كل مشهد وسردية ولوحة. باختصار، إنني أتحدث عن نفسي كآخر دائماً، وربما لا يحق لي أن أتكلم إلا بصفتي "الآخر"، الغريب، المنبوذ، ذاك الشاهد الصامت على حرب شعواء كانت تشتعل تحت نافذة منزلي، على مدى سنوات عجاف، ولم يستشرني أحد بها، ولم تكن لي حيلة لمنعها أو إيقافها. كنت دائماً على أهبة الاستعداد لأكون الضحية فيها فحسب".   

شعراء المقعد الدراسي

ولكن كيف يعلق صاحب "طواف الآفل" على مسألة كثرة أو تعدد صدور الأنطولوجيات الشعرية السورية، التي تنمو وتتشعب اليوم بشكل متفاقم؟ يجيب، "لا ضير في ذلك إذا كانت الأنطولوجيا قائمة على معايير واضحة، واختيار الشعراء لا يتم بحسب منطق "الشلة" أو ما أسماه بعضهم في سوريا "شعراء المقعد الدراسي"، وكأن لهؤلاء لغة شعرية هبطت عليهم من سماء أخرى غير السماء السورية. شيء مضحك أن يقوم أحدهم، ولا أريد أن أسمي، باختيار جميع رفقائه في المدرسة الثانوية أو الجامعية، وزجِّهم في أنطولوجيا واحدة. مع أن بعضهم توقف عن كتابة الشعر منذ زمن طويل، واتجه مثلاً إلى كتابة الرواية، والبعض الآخر لا يستحق فنياً ونقدياً أن يسمى شاعراً، في الوقت الذي يتم فيه إقصاء أسماء أخرى لم يحالفها الحظ أن تكون من أتباع مدرسة الناقد وذائقته، فيتم نفي هؤلاء خارج الأسوار العالية لمملكته بذرائع شتى. أو ربما يتم الإقصاء على أسس مضحكة، كالتفريق الضحل بين شعراء داخل سوريا، وآخرين خارجها، مع أن من خرجوا، وقد كتبتُ شخصياً عن معظمهم، نشروا جل أعمالهم إما عن وزارة الثقافة السورية، أو عن اتحاد الكتّاب العرب، وقلة قليلة عن دور نشر خاصة في دمشق. ويجب التذكير أيضاً أن من خرجوا ما زالوا يكتبون الشعر باللغة العربية ذاتها، ولم يتقنوا بعد لغات أجنبية أخرى تتيح لهم الكتابة بغير لغة الضاد، كي نميزهم في الأقل عن أقرانهم "المنكوبين" الذين رمتهم أقدارهم داخل البلاد".

المزيد من ثقافة