Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"طالبان" و"هنري" يتنافسان على الأراضي الأميركية

عجائب الانسحاب من أفغانستان وغرائب اللجوء والهرب دخلت من دون استئذان كل بيت في الولايات المتحدة

دخل "هنري" بكل قوة مزيحاً "طالبان" من على القمة، وبدلاً من سيطرة أفغانستان وهيمنة فوضى الانسحاب على شريط الأخبار الراكض أسفل الشاشات، واحتكارها اللون الأحمر المنبئ بخبر عاجل هنا أو كارثة مدوية هناك، فرض الإعصار "هنري" وجوده فجأة من دون استئذان.

ولأن أفغانستان و"طالبان" وعجائب الانسحاب الأميركي وغرائب اللجوء والهروب دخلت من دون استئذان كل بيت أميركي، فإن "هنري" حذا حذوها وصار حديث القاصي والداني، كلاهما يزاحم الآخر محاولاً السيطرة على حديث الشارع الأميركي واهتمامه وقلقه ليقلب موازين الاهتمام رأساً على عقب.

مدارس و"كوفيد-19" وأفغانستان

فحتى أيام قليلة مضت، لم يكن معظم الأميركيين يفكرون إلا في عودة المدارس والجامعات عودة فعلية بعد عام ونصف العام من الدراسة الافتراضية، ومعها قلق الوباء وتضاربات التحورات وسجالات فرض اللقاح أو اعتباره حرية شخصية، والأمل في أن يلتقط الاقتصاد أنفاسه في ضوء حتمية التعايش مع "كوفيد-19" لحين إشعار آخر.

إشعارات استقبال البلاد آلاف اللاجئين الأفغان المحتملين في ضوء الانسحاب الأميركي المباغت وما أحدثه من فوضى عارمة وعودة غانمة لـ "طالبان" كانت قد أوشكت على تحريك المياه الأميركية الشعبية الراكدة في ملف السياسة الخارجية، وكعادة القاعدة الأميركية الشعبية غير المهتمة كثيراً بملفات السياسة الخارجية أو شؤون الدول الأخرى، لا سيما تلك البعيدة جغرافياً أو غير ذات الصلة المباشرة بها معنوياً وثقافياً، لم تغير موقفها إلا بعد اتضاح معلم "الهجرة واللجوء" المتوقع من الانسحاب الأميركي العسكري المباغت.

وبينما أثير في مواقع التواصل الاجتماعي وتعليقات المواقع الإخبارية وجزء من أحاديث الشارع يدخل مرحلة الإحماء بين ديموقراطي مؤيد للجوء الأفغان وداعم لهربهم من قبضة "طالبان"، وجمهوري مندد بشبح "الأجانب" الذي يلوح في الأفق، وأميركا "التي أصبحت عظيمة مجدداً" بفضل ولاية الرئيس السابق دونالد ترمب، إذ بـ "هنري" الإعصار المريع يهدئ من حدة سجال "طالبان" واللاجئين الأفغان، ويسحب الأنظار بعيداً من الشرقين الأدنى والأوسط شديدي الالتهاب إلى الساحل الشرقي لأميركا شديد الخطورة، ما يزيد على تسعة ملايين شخص في منطقة نيو إنغلند، ولونغ آيلند في نيويورك، وجدوا أنفسهم في حال طوارئ قصوى بسبب احتمالات فيضانات ورياح عنيفة وانقطاع للتيار الكهربائي.

مصير المحتجزين

وبعد الطوارئ المعلنة بسبب مصير آلاف الأميركيين المحتجزين في ربوع أفغانستان وعائلاتهم (ويطلق عليها البعض أسوأ وأكبر أزمة رهائن في التاريخ)، وآلاف غيرهم من الأفغان "الذين ساعدوا الأميركيين" هناك على وعد بالأمان والبقاء بعيداً من أيادي "طالبان" ومدافعهم ودباباتهم وقبضاتهم، أعلنت حال طوارئ أكثر قرباً في مساحة واسعة من الساحل الشمالي الشرقي الأميركي تحسباً لـ "هنري".

حتى تغريدات الرئيس جو بايدن وتصريحاته وكلماته الموجهة لـ "الأمة" لم تعد عن روعة القرار الأميركي بالانسحاب من أفغانستان أو حنكة التوقيت أو روعة التنفيذ فقط، بل زاحمها الوضع في الساحل الشرقي ونوايا "هنري" بين تهديد بخسائر كبرى وإجلاء الآلاف من بيوتهم إلى رحابة المتنزهات العامة وقطع الكهرباء عن عشرات الأحياء.

غرد بايدن معلناً لـ "الأمة" أنه سيتحدث في تمام الرابعة بالتوقيت الشرقي عن استجابة إدارته للعاصفة الاستوائية "هنري"، وكذلك عن العاصفة الأفغانية وخطط إجلاء المواطنين الأميركيين والمتقدمين بطلبات التأشيرات الخاصة التي يتم منحها لإعادة التوطين على الأراضي الأميركية، وذلك للمتقدمين بها من الأفغان وعائلاتهم والأفغان الضعفاء (النساء والنشطاء والمتعاونون مع الأميركيين).

"هنري" يعيد التفكير

وعلى الرغم من أن "هنري" قرر في لحظاته الأخيرة أن يلتقط أنفاسه ويعاود التفكير في نواياه المعلنة من اجتياح شواطئ الساحل الشرقي، إلا أنه هاجم مقاطعة همفريز في ولاية تينيسي فقتل 22 شخصاً وخلف 51 آخرين في عداد المفقودين نتيجة للفيضانات التي أحدثها.

وعلى الرغم من البعد الجغرافي لولاية تينيسي عن العديد من أرجاء أميركا مترامية الأطراف، إلا أن غالبية الأميركيين انغمست تماماً في متابعة ما يجري على أراضيها. إشعارات الخطر ورسائل التحذير ومعلومات الملاجئ التي يتوجه إليها المتضررون من "هنري" أو المحتمل وقوعهم تحت طائلته تشغل الرأي العام تماماً، مواقع الملاجئ وحظر التجوال المفروض في بعض الأماكن في المساء ضماناً للسلامة ومنع حدوث عمليات نهب في أثناء الكوارث الطبيعية كما حدث في الماضي القريب جعلت معظم الأميركيين يضعون خطر "هنري" القريب جغرافياً في الصدارة، وما يلوح به من خطورة إضافية لتسريع وتيرة انتشار كورونا في ظل تجمهر الآلاف من النازحين من بيوتهم والتصاقهم حرفياً في المتنزهات، قبل خطر "طالبان" الذي يبدو حتى اللحظة مقتصراً على مشاهد درامية لطائرات أميركية يتعلق بها أفغان يأملون باستبدال "طالبان" بالأميركان ولو وقع بعضهم تحت طائلة "هنري" أو غيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفوضى الضارية

عنوان "سي إن إن" الرئيس يلخص الوضع، "خمسة أشياء عليك معرفتها في 23 أغسطس (آب)، أفغانستان، "هنري"، "كوفيد-19"، هاريس، حقوق الانتخاب"! من الفوضى الضارية في مطار كابول وإصدار تأشيرات إلكترونية خاصة للهجرة من دون أسماء أو أرقام وثائق سفر أو هوية وقيام البعض بتصويرها وتشاركها مع آخرين، إلى اضطرار بعض العائلات الراغبة في النزوح من أفغانستان للتفرق وسفر بعض أفرادها إلى دول أخرى متاحة وبقاء البعض الآخر في المطار أو محيطه شديد الخطورة، إلى مشاهد الدمار والشوارع الغارقة في المياه والسيارات المنقلبة والبيوت التي دهمتها مياه فيضانات "هنري" من كل نافذة وباب في بعض المناطق الأميركية، إلى سجالات اللقاح وجرعاته المنشطة، وملمح الإجبار الذي يلوح في الأفق، يجد الأميركيون أنفسهم غارقين في شعور عام بالطوارئ.

حتى متابعة نشاط نائب الرئيس الأميركي كامالا هاريس في زيارة بالغة الأهمية لآسيا وتحديداً سنغافورة وفيتنام طغت عليها أزمة أفغانستان والانسحاب المسمى إعلامياً بـ "الفوضوي". تعهدات هاريس بـ "الالتزام الدائم" من قبل بلادها في سنغافورة وجنوب شرق آسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتصريحها بأن سبب وجودها هناك هو أن "الولايات المتحدة قوة عالمية" وأن بلادها تأخذ هذا الدور على محمل الجد أثار كثيراً من التهكم والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي.

"الصداقة الأميركية"

ويعرف كثيرون أن دولاً آسيوية عدة تعتمد على "الصداقة" الأميركية لضمان أمنها، وذلك عبر بسط النفوذ الأميركي أو القوات الأميركية أو كليهما، وهذا الاعتماد وهذه الثقة اهتزا وضربهما إعصار ينافس إعصار "هنري" بالانسحاب "الفوضوي" من أفغانستان والاستيلاء الدرامي على المدن والسلطة من قبل "طالبان".

بعض مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي من الأميركيين دعا هاريس إلى التركيز على كارثة أفغانستان التي تسبب فيها إما الانسحاب العجيب أو التواجد الأميركي لـ 20 عاماً من دون بناء دولة، مما أدى إلى سيطرة "طالبان" أثناء الانسحاب الأميركي حرفياً، وبعض آخر طرح أسئلة تتعلق بـ "ماسورة" اللجوء الأفغاني المحتملة وخطورة فتح البلاد أمام آلاف البشر سواء بدافع معاداة الهجرة والمهاجرين أو الخوف من الوباء وانتشار الفيروس الذي يثير قدراً غير قليل من الهلع في ربوع أميركا حالياً، ويشار إلى أن أميركا أعلنت أنه تم إجلاء نحو 37 ألف شخص من مطار كابول منذ 14 أغسطس الحالي والبقية تأتي.

تغريدة بايدن الأحدث في هذا الشأن أثارت كثيراً من الجدل، "بمجرد فحصهم والتأكد من سلامة موقفهم، سنرحب بهؤلاء الأفغان في وطنهم الجديد في الولايات المتحدة بأذرع مفتوحة. نحن أمة عززتها أجيال من المهاجرين التي أضافت مواهب متفردة إلى نسيجنا الأميركي. هذا ما نحن عليه".

نسيج ممزق

لكن النسيج الأميركي الشعبي حالياً يجد نفسه ممزقاً بين العقل والقلب، الجمهوري والديموقراطي، والخارجي والداخلي، والوباء وتحوراته، والإجبار والحرية في التلقيح، و"هنري" وإعصاره.

ولعل الصاعقة الناجمة عن غضب الإعصار "هنري" التي ضربت "مركز التجارة العالمي الواحد" قبل ساعات تلخص الوضع المتشابك بطريقة رمزية، فقد اختارت الصاعقة المبنى الذي أعيد بناؤه بعد تدمير برجي التجارة العالمي في 11 سبتمبر (أيلول) 2011 في مانهاتن في نيويورك في أعقاب الهجوم الشهير الذي نُسب إلى تنظيم "القاعدة". وتنظيم "القاعدة" ينسب إلى مؤسسه أسامة بن لادن، وأسامة بن لادن كان يتخذ من أفغانستان مقراً له تحت حماية حركة "طالبان" صديقة "القاعدة" فكراً وأهدافاً، والتي كانت ممسكة بزمام السلطة هناك منذ عام 1996، وحين رفضت "طالبان" طلب أميركا تسليم ابن لادن لمحاسبته على الهجمات الإرهابية ومقتل نحو 3 آلاف شخص، ناهيك عن الدمار المادي والهلع النفسي اللذين تسببت فيهما، اجتاحت أميركا أفغانستان عسكرياً وتمكنت بسرعة ملحوظة من إزاحة "طالبان" وقواتها، وأعلنت أميركا في حينها تعهدها بدعم الديموقراطية في أفغانستان وإنهاء تهديد الإرهاب الصادر منها، وهو ما جعلها تقيم هناك لعقدين كاملين من الزمان.

إقامة أميركية

وقد نجم عن هذه الإقامة وجود أعداد كبيرة من الأميركيين على الأراضي الأفغانية، وليس مجرد قوات أميركية، واتضح أن الإدارة الأميركية ليست على علم بالعدد المؤكد للأميركيين في أفغانستان، ذلك لأن "الأميركيين حين يسافرون إلى الخارج لا يخبرون الحكومة بالضرورة عن سفرهم" بحسب ما قال أحد متحدثي الخارجية الأميركية.

طالب أميركي جامعي متخصص في دراسات الشرق الأدنى والعلاقات الدولية واسمه هنري كلارك (20 عاماً) يقول ساخراً، "هذه الفوضى الكبرى التي لم أتوقعها من قبل إدارة الرئيس بايدن في إدارة الانسحاب من أفغانستان، والمفاجأة الصادمة الأقرب ما تكون إلى الأفلام الهزلية حيث 20 عاماً من الوجود الأميركي هناك لم يبن ديموقراطية أو يؤسس قوات وطنية يعتمد عليها أو يناهض الفكر الطالباني المتشدد، تجعلني اليوم أتابع إعصار "هنري" أكثر من إعصار طالبان، لا سيما وأن أهلي يقيمون في تينيسي الأكثر تضرراً". ويضيف ضاحكاً بمرارة، "كما أن اسمه على اسمي بفرق الـ  Iوالـ y". ويشار إلى أن اسم هنري عادة يكتب "Henry" لكن الإعصار معروف بأنه "Henri".

أسماء الأعاصير

ومعروف أن الأعاصير تحدث بصفة مستمرة، وقد يحدث أكثر من إعصار في وقت واحد، لذلك قرر علماء الأرصاد قبل سنوات طويلة إطلاق أسماء على العواصف الاستوائية التي يتم اكتشافها في كل موسم من مواسم الأعاصير منعاً للالتباس، ويمكن تكرار الأسماء بعد فاصل زمني مدته ست سنوات، لكن أسماء العواصف الشديدة جداً تتم إحالتها للتقاعد ولا تستخدم أسماؤها مجدداً، ومن أشهر الأسماء المستخدمة "نانا" و"كريس" و"بيرتا". أما الأعاصير مثل "دوريان" و"لورا" و"إيتا"، فقد أحيلت للتقاعد لأنها تسببت في دمار هائل وقت حدوثها، منعاً لمعاودة استحضار الهلع وربما تشاؤماً من تكرار الكابوس، والطريف أنه يجري تسمية الأعاصير بأسماء رجال ونساء بالتبادل ضماناً للمساواة، وربما هذا ما دعا بعضم على سبيل "شر البلية" إلى اقتراح إطلاق اسم "طالبان" على أحد الأعاصير المتوقعة، لكن الدعوة الهزلية قوبلت برفض دامغ خوفاً من تكرار الإعصار أو تحوله إلى إعصار مدمر يأتي على الأخضر الأميركي ويابسه.