Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فوضى أفغانستان تثير القلق من تضرر إجراءات الأمن لمكافحة الإرهاب

سيناريوهات متوقعة بعد سيطرة "طالبان" ومراجعة لاستثمارات الشركات المتخصصة التي وصلت تكاليف عملها إلى مستوى قياسي في عقدين

الفوضى تضرب أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية  (أ ف ب)

أدى الانسحاب السريع للقوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي "الناتو" من أفغانستان، وسرعة استيلاء حركة "طالبان" على السلطة، إلى جدل واسع حول واحد من القطاعات الاقتصادية التي شهدت نمواً وازدهاراً كبيرين في العقدين الأخيرين.

ربما كان الأثر الجانبي الأهم لتطورات أفغانستان الأخيرة غير ملحوظ حتى الآن، ليس على الصعيد السياسي أو الاقتصادي التقليدي، فعودة "طالبان" واحتمالات تفريخ الإرهاب مجدداً أو اشتعال الحرب الأهلية في هذا البلد الآسيوي بدرجة حرارة أعلى مع احتمال انسحابه إلى دول الجوار كلها احتمالات مقدرة، ويخطط الجميع على أساس سيناريوهات تتضمنها.

وحتى اقتصادياً، معروف أن الصين وأميركا تتنافسان على ثروة أفغانستان من المعادن النادرة المقدرة بنحو ثلاثة تريليونات دولار. وفي مقدمة تلك المعادن الليثيوم المستخدم في صناعة البطاريات، المكون الرئيس في تطور صناعة السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة من المصادر المستدامة كالشمس والرياح.

لكن المتأثر أكثر من عودة "طالبان" بعد خروج أميركا و"الناتو"، وبالطريقة التي شاهدها العالم على الشاشات، فهو قطاع "صناعة مكافحة الإرهاب". ليس القصد انتعاش "القاعدة" و"داعش" وغيرهما، فهذه الجماعات الإرهابية ربما تجد حافزاً لتجنيد المزيد بدعوات "انتصار طالبان"، لكنها لم تختفِ تماماً. إنما القصد هو قطاع "مكافحة الإرهاب" والصناعة المرتبطة به، التي تطورت منذ الهجوم على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وعلى الرغم من أن هذا القطاع بدأ وشهد نمواً هائلاً في الولايات المتحدة، فإنه سرعان ما انتشر حول العالم، في عملية عولمة للاقتصاد الأمني مثل بقية قطاعات الاقتصاد المتعولم.

ويشمل هذا القطاع شركات الأمن المتخصصة في مكافحة الإرهاب، وصناعات كثيرة ترتبط بها من أسلحة إلى بوابات ومعدات كشف المتفجرات، مروراً ببرامج الكمبيوتر للرصد والتحليل للوقاية من المخاطر الإرهابية. وهناك على هامشه "مهن" جديدة ظهرت في العقدين الأخيرين، من محللين وخبراء إرهاب إلى مراكز ومؤسسات رصد وتحليل خاصة باستثمارات كبيرة، وأضيفت تلك إلى بروز وحدات "مكافحة الإرهاب" في أغلب الأجهزة الاستخباراتية والأمنية في دول العالم. ولا يقتصر الأمر فقط على اقتصاد الأمن، الذي يشمل أعمالاً مختلفة كثيرة، مثل المحققين الخاصين والأمن الخاص ووسائل التأمين والحماية، بل يشمل أيضاً التسلح والعمليات العسكرية وشبه العسكرية لمكافحة الإرهاب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على الرغم من أن نشاطات مكافحة الإرهاب كانت موجودة بالولايات المتحدة وغيرها من دول العالم قبل سبتمبر 2001 فإن الهجمات على نيويورك وواشنطن كانت بداية طفرة في تلك الأعمال. وزادت وتيرة خصخصة الأمن منذ ذلك الحين، فلم تعد الشركات الخاصة "مورد" منتجات وخدمات للحكومات، بل أصبحت تقوم بمهام كانت في السابق قاصرة على الجيوش النظامية والهيئات الحكومية.

في 2004، نشر المعهد الدولي لأبحاث السلام بستوكهولم "سيبري" دراسة مفصلة بعنوان "الأعمال والأمن" رصدت توسع الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص في مجال أعمال الأمن ما بعد سبتمبر 2001. وفي 2010 نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية تقريراً عن شركات الأمن الخاصة، ذكرت فيه أنه "أصبح بالولايات المتحدة 1931 شركة خاصة تعمل في مجال مكافحة الإرهاب".

وتضاعف قطاع "صناعة مكافحة الإرهاب" في الاقتصاد الأميركي والاقتصاد العالمي نحو خمس مرات في العشرين عاماً الأخيرة. وبحسب دراسة ضمن مشروع "تكلفة الحرب" من معهد واتسون للشؤون العامة والدولية بجامعة براون الأميركية، فإن الولايات المتحدة "أنفقت ما يقارب ستة تريليونات دولار (5.9 تريليون دولار) على هذا النوع من الحروب منذ 2001 حتى الآن، وتوقعت أن يصل الرقم إلى سبعة تريليونات دولار الآن. ذلك غير الإنفاق على حرب أفغانستان (1.6 تريليون دولار)". وتقدر الدراسة أن "تلك التكلفة مرشحة للزيادة في السنوات القليلة المقبلة"، إذ تتوقع أن تصل "تكلفة الحرب على الإرهاب في 2023 إلى 6.7 تريليون دولار". وهكذا يزيد نصيبها من الميزانية الأميركية إلى 16 في المئة.

وتضرر قطاع صناعة مكافحة الإرهاب بشدة من الطريقة التي انسُحب بها من أفغانستان والانهيار السريع لكل ما أنفق في 20 عاماً. ولا شك أن كثيراً من المراجعات والتقييمات بدأت بالفعل لكل ذلك الإنفاق على الشركات والخبراء وأنظمة الرصد والتحليل. وبالتأكيد لن يكون الاستثمار في هذا القطاع بعد ذلك مثلما كان قبله. صحيح أن تلك الصناعة لن تختفي تماماً طالما هناك جماعات إرهابية، لم تعد قاصرة الآن على منطقتنا إذا أخذنا في الاعتبار "الإرهاب الأبيض" من اليمين المتطرف في أميركا والغرب، لكن ذلك القطاع البالغ حجمه الآن تريليونات الدولارات تعرض لضربة كبيرة موجعة.