أميركا وإيران... نذر حرب أم تجويع اقتصادي؟

التصعيد من جانب واشنطن هدفه الضغط على طهران لإعادتها إلى التفاوض

الرئيس الإيراني حسن روحاني أثناء اجتماع حكومي في العاصمة طهران. مايو 2019 (أ.ف.ب)

تتسارع وتيرة التصعيد في منطقة الخليج العربي بفعل التحركات الأميركية الأخيرة، وما يقابلها من تصعيدات من جهة إيران ووكلائها في المنطقة.

فقد أرسلت الإدارة الأميركية حاملة طائرات وقاذفات بعيدة المدى وبطارية مضادة للصواريخ إلى الخليج العربي، وتحدثت خطط للحرب مع إيران. إيران أيضاً تصعّد، فالعناصر الأكثر تشدداً بها تحث القيادة على فرض تكلفة على الولايات المتحدة لردعها عن تشديد العقوبات، وإظهار أن إيران أيضاً يمكنها إلحاق الضرر. وفي ظل التصعيد بين الجانبين يقول قائد الحرس الثوري الإيراني إن إيران على شفا مواجهة مع العدو.

خطورة تلك التطورات، مع أن كلاً من الطرفين يعلن عدم نيته خوض حرب في مواجهة الآخر، أنها يمكن أن تؤدي إلى وقوع مناوشات تتطور إلى مواجهة عسكرية، لا سيما أن ما كان يمكن اعتباره في الماضي خطوطاً حمراء قد تم تجاوزه بالفعل، إذ تعرضت ناقلات النفط بالقرب من الخليج العربي للتخريب، ووقع هجوم بطائرات دون طيار من قبل الحوثيين اليمنيين المتحالفين مع إيران على محطتين لضخ النفط على طول خط الأنابيب بين الشرق والغرب في السعودية بين العاصمة الرياض ومدينة ينبع الساحلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من كون التحقيقات لم تنته إلى الآن، وإضرار كل الأطراف المعنية بالمنطقة، وأن هناك طرفاً ثالثاً قد يكون من قام بها، فإنه لا يمكن فصل كل تلك التطورات عن هجوم الحوثيين الأخير، وإن كان تم في سياق الحرب باليمن. لكن نجد أن الحوثيين، باعتبارهم أحد وكلاء إيران، هجموا بإيعاز من إيران لاستعراض أدواتها، وأنه يمكن أن يكون لها تأثير محسوس في المنطقة، وتضر بمصالح دولها والمصالح الغربية، خصوصاً في ظل تصريحات المتشددين، وحتى الإصلاحيين، داخل إيران بأنها لن تجوع، ويمكنها إحداث قلق في سوق النفط، فوفقاً لسياسة الدفاع المتقدم، التي تتبعها الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، التي تقوم على الدفاع، لا بد لها في ظل عدم قدرتها على الدخول في أي مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، عملت إيران على توظيف شبكة من الوكلاء والأدوات، التي تمكنها من إحداث خسائر للأطراف الأخرى، ونقل المواجهة بعيداً عن أرضها، وهو ما بدأت ملامحه تتجلى من خلال هجوم الحوثيين على "أرامكو"، واستنفار بعض الميليشيات العراقية، إلا أن الحكومة العراقية أنذرت بعض تلك الميليشيات بعدم الإضرار بالمصالح الأميركية في العراق، وأن العراق لن يكون ساحة، تسجل فيها كل من إيران والولايات المتحدة أهدافاً في مواجهة الآخر.

 تتزامن تلك التطورات مع أزمة اقتصادية حقيقية، تواجهها إيران بفعل إعادة فرض العقوبات وسياسة الضغط لأقصى درجة، التي يتبعها الرئيس الأميركي ترمب. فقد كشف مركز أبحاث البرلمان الإيراني بالأرقام أنه خلال الـ12 شهراً المقبلة، سيعيش ما بين 23 و40 بالمئة من سكان إيران تحت خط الفقر المطلق، وأنه بحلول نهاية السنة التقويمية الإيرانية "21 مارس (آذار) 2018 - 20 مارس (آذار) 2019"، سيبلغ معدل التضخم 47 بالمئة، كما تنبأ التقرير أنه، مع انخفاض الدخل الحقيقي للأسر، طوال العام الحالي، سيجد الشعب الإيراني صعوبة أكبر في دفع تكاليف الضروريات الأساسية، وأن زيادة البطالة ستزيد الأمور سوءاً، والنتيجة النهائية، هي زيادة في عدد الأشخاص، الذين يعيشون تحت خط الفقر المطلق. هذا الضغط الاقتصادي ربما دفع إيران إلى استعراض وبدء توظيف أدواتها.

وبالتالي فالتصعيد هنا من جانب الولايات المتحدة ليس هدفه التجويع الاقتصادي، بل الضغط على إيران لإعادتها إلى التفاوض، وذلك حينما تتيقن أنها ليس لديها خيار سوى التوصل إلى اتفاق جديد مع واشنطن من أجل تخفيف الضغوط الاقتصادية غير المنتهية.

إيران من جهتها أعلنت استئناف أنشطتها النووية، وجعل وجودها محسوساً في المنطقة، وتعطيل صادرات النفط السعودية أو الإماراتية، كلها طرق لتعزيز قدرتها على المساومة.

إذاً ربما ينتهي هذا التصعيد بين الطرفين، من خلال عدة سيناريوهات، منها إما أن تكون الإجراءات التصعيدية تمهيداً للمفاوضات، وإما أن يتوقف التصعيد من خلال قدرة الأطراف المتبقية في الاتفاق النووي على منح إيران مهلة اقتصادية وعدم التردد في استيراد النفط الإيراني بشكل غير مباشر بالشراكة مع روسيا والصين، فتقوم روسيا بتبادل النفط مع إيران واستمرار الصين في استيراد الخام الإيراني، أو أن تقوم الصين وروسيا والهند بإيجاد آلية مماثلة للآلية الأوروبية للتعامل بعيداً عن التحويلات النقدية الخاضعة للنظام المالي العالمي.

لكن، إذا لم يحدث أي تغيير من الجانب الأوروبي بعد مهلة الستين يوماً، فسيكون من الصعب على الحكومة الإيرانية التخلي عن إنذارها المعلن مسبقاً. في الوقت نفسه، قد يكون من المكلف للغاية بالنسبة إليها أن تنفذ تهديدها المعلن، أي زيادة تصعيد أنشطتها لتخصيب اليورانيوم، وفي هذه الحالة سيتم إعلان انسحابها من الاتفاق النووي، وإلغاء الجانب الأوروبي الاتفاقية، لكن إذا تراجع روحاني عن المهلة، فإن هذه الخطوة ستدمر مصداقية الحكومة، على نطاق أوسع، فربما لن يتم أخذ أي من الإنذارات بجدية في المستقبل، ومن ثم فالتصعيد والتوترات الأخيرة ليست بهدف تجويع اقتصادي أو حرب، لكن ربما للضغط لإجبار إيران على التفاوض وإتمام اتفاق شامل قبل نهاية ولاية ترمب الرئاسية الأولى.

المزيد من آراء