العودة العربية للعراق... آلية جديدة لمواجهة إيران

لا بد أن تأخذ الدول العربية في الاعتبار أن العراقيين، حتى من يرفض النفوذ الإيراني، لا يريدون أن تتحول بلادهم إلى ساحة للتنازع الإقليمي، وأنهم يثمنون هويتهم العراقية على الشيعية

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في الرياض (رويترز)

برزت خلال الأشهر القليلة الماضية بوادر إقبال عربيّ على العراق، فالسعودية تقترب من جديد من العراق بعد توتر وانقطاع في العلاقات لنحو ربع قرن. بدأ التقارب في عام 2016، وتسارع في عام 2017، فكانت هناك زيارة رئيس وزراء العراق حيدر العبادي للسعودية مرتين، وعودة الرحلات الجوية بين البلدين وعودة العمل إلى معبر عرعر البري بينهما. كما استقبلت رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في يوليو (تمّوز) الماضي، ثم زيارته إلى أبو ظبي. و زار وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي السعودية والتقى نظيره السعودي.  ثم زيارة وفد سعودي خلال شهر أبريل (نيسان) الحالي للعراق، وزيارة رئيس الوزراء عادل عبد المهدى للمملكة. وفي القاهرة، عقد في 24 مارس (آذار) 2019 قمة ثلاثية مصرية أردنية عراقية، ناقشت عددا من الأفكار لتعزيز التكامل والتعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث، ومن بينها تعزيز وتطوير المناطق الصناعية المشتركة، والتعاون في قطاعات الطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار، وغيرها من قطاعات التعاون التنموي، بالإضافة إلى زيادة التبادل التجاري وتعزيز الاستثمارات المشتركة وتطوير علاقات التعاون الثقافي فيما بينهما.

بالنسبة إلى العلاقات مع السعودية، فقد تأسس مجلس التنسيق السعودي- العراقي في بغداد، والذي انعقد بالتزامن مع الإعلان عن قيام السعودية ببناء مدينة رياضية، ودعم العراق بمليار دولار، وإنشاء أربع قنصليات في ثلاث مدن عراقية، وافتتاح قنصليتها ببغداد الشهر الحالي، والتوقيع على ثلاث عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم بين الجانبين، وإتاحة الفرصة للسعوديين للاستثمار في العراق، بما يبلغ  189 فرصة استثمارية، كذلك تطوير العلاقات المالية، وتشجيع المصارف السعودية على فتح فروع لها في العراق، وفتح فرع لمصرف التجارة العراقي في الرياض.

كل تلك التطورات ترتبط بأمرين، أحدهما فيما يبدو مقاربة جديدة تتبعها السعودية تجاه العراق من أجل فتح مرحلة جديدة من العلاقات، تستهدف تعزيزها أمنياً وسياسياً واقتصادياً، والأمر الآخر وجود رغبة عراقية في لعب دور متوازن بين الأطراف الإقليمية وعدم الانحياز إلى طرف دون الآخر، وهو ما تأكد مع تصريحات  رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بأن حكومته ترفض سياسة المحاور وتنتهج توجها يعتمد على التعاون مع جميع دول الجوار. وكذلك تصريحات الرئيس العراقي خلال القمة العربية بتونس وتأكيده أن العراق سيكون موازنا بين الأطراف الإقليمية. وتأكد ذلك التوجه بقمة رؤساء البرلمانات التي نظمها العراق خلال شهر أبريل الحالي وجمعت بين السعودية وإيران كجهد من جانب القادة العراقيين لرسم  صورة العراق كصديق بين الجيران.

تأتى المقاربة العربية، وبخاصة السعودية، بعد ترك العراق ساحة للتنافس والتعاون الأميركي- الإيراني بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، مما جعل العراق عنوانا رئيسا للنفوذ الإيراني، سواء من خلال التحكم في العملية السياسية وتأسيس نظام سياسي يمنح الثقل للشيعة على حساب السنة، على عكس زمن صدام حسين، كما أنها نجحت في دعم بعض الجماعات الشيعية التي لها علاقات بها منذ الثمانينيات ودمجتها في العملية السياسية والبرلمان العراقي. من هنا كانت الحوادث الطائفية سمة رئيسة للتفاعلات بين العراقيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتوحي الزيارات للمملكة بأن السياسيين العراقيين منفتحون لإعادة العلاقات مع السعودية ، تلك الرغبة تنبع من وجود بعض التململ من النفوذ الإيراني وفرض السيطرة على العراق، وفي الوقت ذاته الاستفادة من العلاقات الاقتصادية مع السعودية لإعادة الاستثمار اقتصادياً.

 ومن ثم تؤدى تلك المقاربة العربية الجديدة إلى عودة العراق إلى الحاضنة العربية، فكل مساحة تقارب عربية تأتي على حساب النفوذ الإيراني بالعراق. ومع ذلك لا بد أن تأخذ الدول العربية في الاعتبار أن العديد من العراقيين، حتى من يرفض النفوذ الإيراني، لا يريدون أن تتحول بلادهم إلى ساحة للتنازع الإقليمي. أيضا يريد العراقيون أن يروا مكاسب فورية من السعودية فور عودة العلاقات. لذا يجب على السعودية إعطاء الأولوية للمشاركة الاقتصادية مع العراق، مما ينتج عنه مكاسب ملموسة وتعزيز المشاريع طويلة الأجل، وأن تركز الجهود على إعادة الإعمار وخلق فرص العمل والتجارة، مع التركيز على تحقيق التوازن بين الاستثمار عبر أقاليم الدولة المختلفة، أي بين المناطق التي بها سكان شيعة وسنة وغيرهم. مما يدعم صورة كون السعودية والدول الخليجية داعمة للعراق ككل وليس لفصيل على حساب الآخر. فالتعاون الاقتصادي مع العراق هو المجال الوحيد الذي يمكن أن تنجح السعودية فيه وتتفوق على إيران التي تعانى ضغوطا اقتصادية. 

ومن ثم، فعلى الأطراف العربية والعراقية أن تنمّي قنوات الاتصال فيما بينهم، وعلى الأطراف العربية، لا سيما السعودية، أن تدرك أن عودة العلاقات وتأسيسها من جديد سوف يحتاج إلى صبر ومدى طويل من أجل بناء التأثير الذي تسعى إليه، لأن ترك العراق بعد عام 2003 من دون قوة، ورهينة للعلاقات الإيرانية الأميركية جعل العراقيين معتمدين على المساعدات الأمنية الإيرانية، والطاقة والدعم والتجارة والتمويل السياسي، وجعل مؤسساته الأمنية عرضة للاختراق الإيراني. كل هذا ساعد على تهميش العرب السنة.

 وبجانب المجال الاقتصادي مع العراق، هناك جانب آخر على درجة من الأهمية لا يمكن إغفاله، وهو تشجيع رجال الدين السنة السعودية على التواصل بشكل غير رسمي مع رجال الدين الشيعة في النجف، بخاصة وأن المرجع الشيعي السيستاني يرفض النفوذ الإيراني والمحاولات الإيرانية لجعل الحوزة الدينية بقم منافسا وبديلا للحوزة الدينية بالنجف، بل محاولاتها تجهيز بديل للسيستاني الذي لا يعترف بولاية الفقيه، خصوصا وأن العراقيين يثمنون هويتهم العراقية على الشيعية. وبالتالي فعلى السعودية أن تساعدهم في إعلاء أهمية المكّون العراقي العربي للهوية الشيعية. ومن ثم يمكن للسعودية أن تدعم النجف كمرجعية لشيعة العالم والمنطقة في مواجهة المرجعية الإيرانية التي تسعى لذلك. لذا فالعديد من أعضاء مؤسسة النجف الدينية يمكنهم تبني علاقات جديدة مع السعودية لأن تلك العلاقات قد تكون كوسيلة لتهدئة التوترات الطائفية الإقليمية.

من هنا على السعودية والدول العربية المعنية لإنجاح مقاربتهم الجديدة أن تتبع عدة طرق، هي التواصل مع النخب السياسية الشيعية بشكل أساسي، وتعزيز العلاقات الاقتصادية، وتوازن العلاقات مع جميع فصائل العراق. فالعراق به فرصة للسعودية لدعم عراق جديد متوازن بعيد عن إيران، وكسبه إلى جانب القضايا العربية، كما ستشكل تلك المقاربة آلية من أجل احتواء النفوذ الإيراني بالإقليم بعيدا عن توظيف أدوات القوة الصلبة.  ففي العراق، يمكن للسعودية أن تلعب دورها في بناء قوته وبناء الدعم السياسي والنفوذ وتقديم الحوافز الاقتصادية.  كما يمكنها الاستفادة من الاتجاهات الداخلية في العراق وتعزيزها من أجل تنامي المشاعر المعادية لإيران ومساعدة العراق على تحقيق علاقات إقليمية متوازنة.

المزيد من آراء