Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحراك الإثيوبي... رسائل سياسية أم استعداد للمواجهة مع إريتريا؟

قد تتحول طبيعة الحرب نحو مواجهة إقليمية سواء بصورة مباشرة أو عبر وكلاء

جهود دبلوماسية من أجل منع اتساع رقعة النزاع نحو حرب مفتوحة بين إريتريا وإثيوبيا (أ ف ب)

ملخص

هل تفضي سيناريوهات الحرب المحتملة بين إثيوبيا وإريتريا لواقع جيوسياسي جديد؟

أثارت زيارة رئيس جهاز الاستخبارات والأمن الإثيوبي رضوان حسين، ومسؤولين حكوميين إثيوبيين، بينهم غيتاشو ردا مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون دول شرق أفريقيا، إضافة إلى جنرالات في الجيش، وقادة القوات المتحالفة معها، مدينة عدي غرات في إقليم تيغراي الشمالي، التي تقع على بعد 30 كيلومتراً من الحدود الإريترية، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، إذ عدت رسالة مباشرة موجهة إلى إريتريا، بخاصة في ظل تصاعد التوتر بين البلدين، الذي ينذر بقيام حرب مباشرة بينهما، لا سيما بعد التصريحات التي أدلى بها قائد القوات الجوية الإثيوبية الجنرال يلما ميرداسا أول من أمس الثلاثاء، عن اقتراب بلاده من تحقيق هدف الوصول إلى البحر الأحمر عبر البوابة الإريترية، حين قال "نحن على وشك استعادة سيادتنا على بوابتنا البحرية، التي حرمنا منها ظلماً لأعوام طويلة"، وأضاف "إثيوبيا الآن أضحت قريبة جداً من تحقيق هدف استعادة الموانئ، وفتح بوابتها على البحر الأحمر".

وبحسب مراقبين لأوضاع منطقة القرن الأفريقي، فإن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات وعدد من جنرالات الجيش الإثيوبي لمنطقة حدودية مع إريتريا، في وقت تمر به العلاقات بين الحكومتين بظرف استثنائي شديد الخطورة، تعد رسالة سياسية واضحة، قد تتبعها إجراءات عسكرية.

انعقاد مجلس الأمن

تزامناً مع هذه التطورات، عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً مغلقاً الثلاثاء، بحث فيه الأوضاع المقلقة في إريتريا وإثيوبيا، وذلك مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بين البلدين، وتزايد المخاوف من انهيار الاستقرار الهش الذي ساد المنطقة بعد أعوام من النزاعات المسلحة.

وجاءت جلسة التداول المغلقة بعد اتهام إثيوبيا جارتها الشمالية بالتوغل داخل أراضيها في إقليم تيغراي، فيما ردت إريتريا بنفي الاتهامات، واصفة إياها بأنها "محض مبررات واهية لغزو الأراضي من الطرف الإثيوبي"، مشيرة إلى تصريحات المسؤولين الإثيوبيين بسعيهم إلى الاستيلاء على سواحلها.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة قد حذر من اتساع رقعة المواجهة العسكرية في منطقة القرن الأفريقي، مطالباً الحكومتين بضبط النفس والتحلي بالحكمة.

نعمة الموقع ونقمته

بدوره يرى المتخصص في العلاقات الدولية محمد السيد علي أن أي مواجهة عسكرية بين أسمرة وأديس أبابا، لن تقتصر تداعياتها على البلدين وحدهما، موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي لها أهمية استراتيجية كبيرة، لجهة ارتباطها بالبحر الأحمر وخليج عدن، وتأثيرهما المباشر في طرق التجارة الدولية، فضلاً عن مجاورة المنطقة دولاً تواجه بدورها تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.

ويرى السيد أن أي اشتباك مباشر بين العاصمتين سيؤثر في حركة التجارة والأمن الحدودي والاستقرار الإقليمي، كذلك قد يزيد من فرص دخول أطراف خارجية لبؤرة الصراع، إما لمنع اتساعه أو الاستفادة من تداعياته الجيوسياسية، بخاصة في ظل الارتدادات الكبيرة التي أفرزتها الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وما لحقها من توترات أمنية لا سيما في الجزر المطلة على مضيق باب المندب.

ويضيف أن انعقاد جلسة مجلس الأمن الدولي الطارئة، لمناقشة تطورات القرن الأفريقي في مداولات مغلقة، كشفت عن إدراك المجتمع الدولي أخطار اندلاع حرب مباشرة بين أسمرة وأديس أبابا، مشيراً إلى أن الجلسات المغلقة تمنح فرصاً أكبر للمؤسسات الدولية للتحقق من الادعاءات المتبادلة بين البلدين، عوض ترك الأزمة رهينة التصريحات السياسية والتحركات الميدانية على الحدود المشتركة.

ويوضح قائلاً إنه "على رغم عدم معرفتنا بالتدابير التي اتخذت خلال الجلسة المنعقدة بتاريخ الـ13 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، فإنها تؤشر إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لمجلس الأمن من أجل منع اتساع رقعة النزاع نحو حرب مفتوحة بين البلدين الواقعين في القرن الأفريقي"، لافتاً إلى أن "الأولوية في مثل هذه الأوضاع، تتمثل في تجنب التصعيد العسكري المباشر، ومحاولة توفير قنوات اتصال بين البلدين اللذين قطعا علاقاتهما الدبلوماسية منذ أسابيع".

سيناريوهات محتملة

ولدى سؤاله عن السيناريوهات المحتملة في حال دخول البلدين حرباً مباشرة، رد السيد أن "ثمة احتمالات موضوعية لبدء الحرب، بخاصة في ظل الظروف التصعيدية القائمة، وفي هذه الحال فإن الجبهة الأرجح ستكون جبهة عصب، وهذا ما أعلنه أيضاً مسؤولون عسكريون وسياسيون إثيوبيون، ومن ثم فإن السيناريو الأول أن تنجح أسمرة في صد الهجوم الإثيوبي، دفاعاً عن سيادتها، وتحافظ على حدودها الدولية، كذلك بإمكانها تجاوز النقاط الحدودية، لتعزيز مواقعها داخل إقليم عفر الإثيوبي، وخلق مناطق عازلة، وذلك عبر تفعيل حق الدفاع عن النفس الذي تكفله القوانين الدولية، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة وبخاصة المادة 51 منه".

السيناريو الثاني المحتمل حسب السيد أن "ينجح الجيش الإثيوبي في اختراق الحدود الإريترية، والوصول إلى ميناء عصب الذي يبعد نحو 60 كيلومتراً من أقرب نقطة حدودية إثيوبية، وفي هذه الحال فإن أديس أبابا ستعزز من موقفها التفاوضي في شأن المطالب المتعلقة بالمنفذ البحري، لكنها قد تواجه ضغوطاً دولية مضاعفة، لجهة تناقض الوضع مع أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، في شأن احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ومبدأ حسن الجوار، فضلاً عن أن الأمر سيعد على أنه سابقة تنتهك القانون الدولي، وتشجع دول أخرى على انتهاكه، لا سيما أن هناك نحو 44 دولة حبيسة في العالم، كذلك قد يفتح هذا السيناريو الباب على مصراعيه أمام حرب استنزاف طويلة قد تخوضها إريتريا لاستعادة سواحلها، مما سيؤثر بطريقة مباشرة في الاقتصاد الإثيوبي المنهك أساساً من الحروب الداخلية".

ويضيف أن توقع استيلاء إثيوبيا على ميناء عصب بقوة السلاح، وضمان السير الاعتيادي لإدارته من خلالها، من دون مواجهة تحديات أمنية وسياسية وقانونية، يعد احتمالاً مبالغاً فيه، إذ إن الأمر يتعلق بـ"احتلال غير شرعي لسيادة دولة أخرى"، ومن ثم "أتوقع في هذه الحال استحضار تصعيد كل أشكال المقاومة الداخلية، والإدانات الخارجية، ومن ثم فإن ذلك يعد إحدى صور تقويض الأمن والاستقرار الإقليميين، بخاصة في ظل تعدد رؤى القوى الدولية والإقليمية حول ديناميات الأمن في البحر الأحمر".

أما السيناريو الثالث حسب المتخصص في العلاقات الدولية، فيطرح إمكان مشاركة القوى الإقليمية أو الدولية، بغرض تغليب طرف على آخر، وقد تتحول طبيعة الحرب هنا نحو مواجهة إقليمية سواء بصورة مباشرة أو عبر وكلاء، مما قد ينذر باتساع طرق المواجهة ووسائلها وأطرافها.

بخصوص السيناريو الرابع، يقدر السيد أن يتدخل المجتمع الدولي في الوقت المناسب، لمنع التصعيد وضمان الاستقرار الإقليمي في المنطقة، وهذا قد يمنع اندلاع الحرب المحتملة، أو يمنع اتساع نطاقها، إلا أن هذا السيناريو يخضع لمدى قدرة المجتمع الدولي في فرض شروطه، بخاصة إذا كان أحد الطرفين يشعر أنه في وضع أفضل من جهة ميزان القوى، ومن ثم قد لا يستجيب للضغوط، بخاصة إذا كان يرتبط بقوى إقليمية أو دولية نافذة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

زخم دبلوماسي وتحسب عسكري

 بدوره يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي، والناشط في حزب "الازدهار" الحاكم، تامانج هوريسا، أن الاتهامات الإثيوبية في شأن التدخل الإريتري في تيغراي أضحت تكتسب صدقية كبيرة، مما استوجب مناقشتها في جلسة مجلس الأمن الدولي المغلقة، موضحاً أن "هذا الزخم الدبلوماسي يمنح إثيوبيا الحق في اتخاذ تدابير عسكرية داخل العمق الإريتري، وفقاً لمبدأ الدفاع عن النفس".

ويشير إلى أن التدابير العسكرية قد تتجه نحو جبهة عصب، إذ يسعى الجيش الإثيوبي إلى تحقيق هدفين بهجوم واحد، القضاء على التهديد الوجودي، وتحقيق مطالب المنفذ البحري السيادي في الساحل الجنوبي للبحر الأحمر.

وقال إن "ذلك لا يمثل حال انتهاك للسيادة الإريترية، لا سيما أنه يأتي في أعقاب التوغل الإريتري داخل الأراضي الإثيوبية، ومن ثم فإن توصيفه يندرج في مبدأ الدفاع عن النفس، علاوة على أن أديس أبابا سبق أن مارست السيادة على هذه المناطق، مما يمنحها القدرة على الاستدلال بالحق التاريخي".

ويضيف الناشط الإثيوبي أن "ثمة وعوداً دولية بتمكين إثيوبيا من المنفذ البحري، وحين يتحقق ذلك الهدف خلال هذه الحرب، فحينها يمكن الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة، مع الطرف الإريتري بوساطة دولية تتفهم المطالب الإثيوبية".

تنسيق دولي

ويلفت هوريسا إلى الاتصالات الأخيرة التي أجراها رئيس الوزراء الإثيوبي مع كل من نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، ماركو روبيو، خلال الأيام الماضية، كمؤشر إلى التنسيق القائم مع دول العالم في شأن التوجه الإثيوبي نحو البحر الأحمر.

كذلك يشير إلى محادثات الوزير غيتاشو ردا مع ممثلي الاتحاد الأوروبي، في شأن التطورات المحتملة لحرب الشمال الإثيوبي، كونها جزءاً من جهود الدبلوماسية الإثيوبية لإيضاح أي تطورات قد تطرأ على خط التوتر القائم أصلاً مع إريتريا.

واقع جيوسياسي جديد

ويقدر هوريسا أن "الحجج الإثيوبية تنطلق من تهديد النظام الإريتري لسيادة إثيوبيا ووحدتها، لكنه يتجاوز ذلك لخلق واقع جيوسياسي جديد في هذه المنطقة التي تعاني الحروب نتيجة اختلالات بنيوية في بناء الدول الوطنية في القرن الأفريقي".

وختم أن "بقاء إثيوبيا كدولة حبيسة في هذه المنطقة لم يعد ممكناً في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الإقليم ككل، سواء المتعلقة بالتوترات الأمنية في البحر الأحمر، أو الأخطار الناتجة من اعتماد البلاد على موانئ أجنبية في تجارتها الخارجية، وكذلك تعاطيها مع المهددات القائمة في الجوار، بما في ذلك ديناميات الأمن في مضيق باب المندب، مشيراً إلى أن هذه المخاوف التي تعبر عنها إثيوبيا تجد قبولاً دولياً كبيراً لجهة إدراك القوى الكبرى بدور أديس أبابا المحوري في حماية الأمن في هذه المنطقة، وأدوارها السابقة في محاربة الإرهاب بالصومال".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير