Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"النداهة" عرض مسرحي يقتبس بحرية فيلم "عرق البلح"

نساء بلا رجال في قرية نائية يرغبن في تلبية نداء الحب

من مسرحية "النداهة" المصرية (الخدمة الإعلامية للفرقة)

 في عام 1999 قدم المخرج الراحل رضوان الكاشف فيلمه "عرق البلح"، الذي قامت ببطولته النجمة شريهان مع الممثلين: عبد الله محمود، ومحمد نجاتي، وحمدي أحمد وغيرهم، وكتب أغانيه الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، وحقق الفيلم نجاحاً جيداً حين عرضه.

أحداث الفيلم تدور في قرية صغيرة في جنوب مصر (الصعيد) يعيش أهلها في فقر شديد، يصل إلى القرية رجل غريب يدعو الناس إلى السفر للعمل في الخارج، فيسافر جميع الرجال ما عدا الجد العاجز، وحفيده أحمد ومجموعة كبيرة من النساء. تنشأ بين أحمد وإحدى بنات القرية سلمى قصة حب، تطورت مع الوقت إلى علاقة جنسية، نتج عنها حمل سلمى طفلاً في أحشائها. كانت معظم نساء القرية يعانين الحرمان، نتيجة غياب أزواجهن. تدخل إحداهن في علاقة مع أحد رجال قرية مجاورة، وعندما ينكشف أمرها تدفعها نساء قريتها إلى الانتحار، في حين أن أغلبهن يرغبن السير في الطريق نفسه نتيجة الحرمان الذي تفصح عنه حواراتهن، وعندما يعود بعض رجال القرية ويعلمون بما حدث يقررون الانتقام من أحمد.

مغامرة ناجحة

هذا الفيلم تم تحويله إلى عرض مسرحي بعنوان "النداهة" كتبه محمد عبد المولى، وأخرجته ريهام عبد الرازق، لفرقة المركز الثقافي في الجيزة التابعة لهيئة قصور الثقافة المصرية، وهي مغامرة محفوفة بالمخاطر، بخاصة أن الفيلم السينمائي توافرت له عناصر مهمة من كتابة وإخراج وتصوير، وممثلين، وإنتاج ضخم. ومن هنا تأتي المغامرة، فأحداث الفيلم ما زالت عالقة بأذهان المشاهدين، الذين سيقارنون حتماً بين هذا وذاك، وعلى صناع العرض المسرحي تقديم بدائلهم بأدواتهم وميزانياتهم البسيطة، وكذلك بوسيطهم المختلف، الذي لا يتمتع بإمكانيات السينما.

لم يتبع المعد تفاصيل الفيلم بحذافيرها، فالمسرح الذي ينقل إليه لا يتمتع برحابة السينما وحرية صناعها وتعدد الأماكن وزوايا تصويرها. وبالتالي كان واقعياً وهو ينتقي المناطق التي سيعمل عليها وتناسب طبيعة خشبة المسرح، واستغنى عن كثير من الأحداث التي لم تؤثر في البناء الدرامي، وإن كان وقع في عديد الأخطاء الخاصة بلهجة أهل الجنوب المصري (الصعيد) ولم يكن دقيقاً في استعمالها.

ولم يوفق المعد في اختيار عنوان العرض المسرحي "النداهة" الذي يحيل مباشرة إلى قصة يوسف إدريس التي تحمل العنوان نفسه، وتم تحويلها هي الأخرى إلى فيلم سينمائي عام 1975، وأخرجه حسين كمال، ولعبت بطولته ماجدة، وشكري سرحان، وشويكار، وإيهاب نافع، وميرفت أمين.

النداهة في العرض المسرحي هي نخلة البلح التي يطلقون عليها "العالية" وتغري أهل القرية بتسلقها للحصول على البلح الذي يصنع منه "مشروب العرقي" الذي يظنون فيه القدرة على بث الحيوية والشباب في الأجساد، في حين أن "النداهة" عند يوسف إدريس هي المدينة التي تغري أهل الريف بالذهاب إليها. وفضلاً عما يثيره العنوان من لبس، فلا خيط يربط العرض المسرحي بقصة إدريس، اللهم إلا إذا اعتبرنا النداهة في المسرحية هي نداء السفر إلى الخارج بحثاً عن لقمة العيش، وهو خيط واه، بخاصة أن موضوع العرض المسرحي نسوي في الأساس، يتعلق بأشواق المرأة واحتياجاتها في ظل غياب الرجل، ما يضطرها إلى الوقوع في الخطيئة، ثم ما تتعرض له من قسوة مجتمعها. ترى ما الداعي إلى اختيار عنوان لعمل عن عمل آخر وقضية أخرى تختلف عن الموضوع الذي نتناوله؟

بعيداً عن مشكلات اللهجة والعنوان، فقد تعاملت المخرجة مع العرض بوعي وخبرة، واستطاعت إنتاج صورة بصرية جيدة أضفت كثيراً من العمق على عرضها، سواء من حيث التكوينات الجمالية التي شكلتها بأجساد الممثلات، أو من حيث القدرة على إدارة فريق عملها، المكون أغلبه من ممثلات يؤدين الاستعراض والغناء والتمثيل، بشكل احترافي. ونجحت في توظيف طاقاتهن، كل في الدور المناسب لطبيعة سنها وتكوينها الجسماني، وقدرتها على فهم طبيعة الشخصية التي تلعبها. وجاء أداؤهن متناغماً، وعلى قدر عال من السلاسة والبساطة من دون افتعال أو الذهاب إلى منطقة تغيم على الحالة، اللاتي هن بصددها. وقد تميزت بينهن هبة سليمان التي لعبت دور الجدة وأدت بعض الأغاني الصعيدية، وشريهان قطب وشيماء عبد الناصر وندى عفيفي ونور محسن ووفاء عبد الله وآية وهاجر وميار وجيلان، ومعهن إسلام محمود، وخالد رضوان.

صورة مسرحية

أسهمت الإضاءة التي صممها محمد الطايع في تكوين الصورة المسرحية، وتجاوزت وظيفتها في تجسيد الحالات التي تضمنها العرض من صراع وشبق وخيانة وكيد نسائي، وإظهار أدق التعابير، إلى لعب دور جمالي يقربها كثيراً من الصورة السينمائية، وقد أسهمت خبرته كمخرج مسرحي في الأساس في الوصول إلى هذه الدرجة من الإبهار.

الديكور الذي صممه محمد سعد، كان هو الآخر أحد العناصر المهمة التي شكلت الصورة المسرحية: منظر واحد أقرب إلى الرمزية، يمثل بيوتاً وأشجاراً وباحة للقرية، وجعل الجد القعيد والجدة المهيمنة على نساء القرية، في مستوى أعلى، مستغلاً أركان المسرح كافة ليضفي حضوراً قوياً للقرية. وجاءت الملابس التي صممها أيمن مصطفى ملائمة تماماً للبيئة التي تدور فيها الأحداث، واتسمت بالبساطة والواقعية، بعيداً عن المبالغات التي تحدث عند تصميم ملابس أهل الجنوب المصري في بعض الأعمال السينمائية والمسرحية، إذ تأتي لا علاقة لها بالجنوب أو الشمال.

عنصران آخران تضافرا مع بقية عناصر العرض لإكمال صورته، وهما الموسيقى التي وضعها حازم الكفراوي مستوحياً إياها من بيئة الجنوب، والاستعراضات التي صممها محمد عبد الصبور وفيها أيضاً كثير من روح الجنوب.

انحياز إلى المرأة

لم يسر عرض "النداهة" على خطى فيلم "عرق البلح" بصرامة، وقدم بدائله من حيث الرؤية الإخراجية والأداء التمثيلي والسينوغرافيا، وانحازت مخرجته إلى صف المرأة، تماشياً مع عروضها السابقة التي انتهجت الخط نفسه. فهي مشغولة بالعروض التي تتناول مشاكل المرأة في مجتمع يبدو محافظاً في ما يتعلق بالمرأة تحديداً، وفعلت ذلك في عروض كثيرة لها، منها "كلام في سري" و"جريمة في جزيرة الماعز" وغيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا العرض أشاعت المخرجة لدى المشاهدين جواً من التعاطف مع حالات النسوة اللاتي غاب عنهن رجالهن، وعندما استجابت إحداهن لنداء الطبيعة كان مصيرها القتل، في مجتمع يسمح للرجل بكل شيء، ولا يسمح للمرأة بأي شيء.

فقط كان من الأوفق اختيار عنوان آخر للعرض، والتدقيق في اللهجة الجنوبية المصرية، وعدم الاستعانة بأغاني الفيلم السينمائي لتكون الصورة أكثر خصوصية وتمثل إضافة. فما دامت هناك عناصر قادرة على صناعة البدائل التي تميز العرض أكثر، فلماذا لا تكون الأغاني خاصة بالعرض المسرحي، وغير مقتبسة من الفيلم؟ وهناك مئات الأغاني الفلكورية التي يمكن الاستعانة بها، أو الكتابة على منوالها مثل ما فعل الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، كاتب أغاني الفيلم، وحينذاك ستكون أكثر حيوية، اللهم إلا إذا كانت هناك رغبة في الاستفادة من شهرة أغاني الفيلم، لمزيد من دعم العرض المسرحي، من دون بذل المزيد من الجهد بحثاً عن خصوصية أكثر.

المزيد من مسرح