Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دستوريا الإخوان المسلمون يقبضون على المدرسة الجزائرية

أن تضع هذه المنظمة يدها على عقول حوالى 12 مليون تلميذ وطالب فذلك أكبر خطر يهدد الشخصية الوطنية منذ الاستقلال

تسلّم الإخوان المسلمون في الجزائر رسمياً رئاسة اللجنة البرلمانية المكلفة بالتربية (أ ف ب)

هذه المرة، لقد فعلها الإخوان المسلمون في الجزائر!

حين تبدأ عملية "الأسلمة" السياسية للمجتمعات المسلمة من الأسفل، من القاعدة، من المدرسة، فهذا أكبر خطر قد يهدد الأمة لاحقاً. وتلك هي الخطة التي يعمد إليها الإخوان المسلمون في نشر أفكارهم السياسية. فمنذ نشوء هذه الجماعة مروراً بتحوّلها إلى حزب سياسي مستنسخ في أسماء مختلفة وتحت رايات مختلفة ولكن بهدف سياسي واحد يتجاوز الحدود والأوطان، لأن الفكر الإخواني لا يعترف بالوطن، وصولاً إلى تيار جهادي وأيضاً بأسماء ورايات وشعارات تبدو مختلفة ولكنها موحدة في المبتغى، على مدى هذه المسيرة التي عمرها قرن من الزمن كان الإخوان المسلمون، ولا يزالون، يسعون بكل ما يملكون من دهاء سياسي إلى وضع اليد على النظام التعليمي. فالمدرسة هي بوابة العقل إلى الحياة، وفيها تتم صناعة العقل الإيجابي أو العقل التخريبي، العقل السلمي أو العقل الدموي.

والدول التي لا تحمي نظامها التعليمي من أيديولوجيا الإخوان ستدفع فاتورة كبيرة لاحقاً، فاتورة سياسية واجتماعية واقتصادية ستدفعها أجيال متلاحقة، لا مستقبل لبلد يرهن مدرسته بسياسة الإخوان المسلمين وخطابهم.

حماية المدرسة من أولويات أمن الدولة، المجتمع الذي لا يحمي مدرسته سيموت جوعاً وستقتله الحروب التي تنتظره في منعطف السنوات القليلة المقبلة وسيجرفه الخراب الذي سيجيء مع الفوضى المعممة.

في الوقت الذي تصنف بعض الدول الإسلامية الإخوان المسلمين بكل مسمياتها وأعلامها جماعة إرهابية، وفي الوقت الذي تمنع بعض الدول الإسلامية الأخرى نشاط هذه المجموعة، كما حدث في السعودية ومصر والأردن والسودان وسوريا وتونس على الطريق، في مثل هذا الوضع تسلّم الجزائر بلد كاتب ياسين ومحمد أركون ومولود معمري ومصطفى الأشرف وآسيا جبار ومحمد ديب وعلي مراد والطاهر وطار وأحلام مستغانمي وحنفي بن عيسى ومالك شبل وغيرهم مدرستها على طبق من ذهب للإخوان المسلمين.

لقد تسلّم الإخوان المسلمون في الجزائر رسمياً، منذ أسبوعين، رئاسة اللجنة البرلمانية المكلفة بالتربية. وبذلك، حقق إخوان الجزائر حلمهم الذي لطالما حلموا به، وهو وضع اليد على نظام التعليم، على المدرسة.

أن تضع هذه المنظمة السياسية يدها على عقول حوالى 12 مليون تلميذ وطالب، فذلك أكبر فوز حققه الإخوان من الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في 12 يونيو (حزيران) الفائت، وذلك أكبر خطر يهدد الشخصية الجزائرية منذ الاستقلال.

بترؤس الإخوان المسلمين لجنة التربية في البرلمان الجزائري، تكون الجزائر قد دخلت منطقة الخطر الأخضر، بالتالي فإن العقل الجزائري أصبح معرّضاً لكل التشويهات والمسخ وغسيل الأدمغة الذي سيجرّ البلد شيئاً فشيئاً، من خلال المدرسة المنكوبة أصلاً، نحو الفوضى وسيغرقه بالأفكار السلفية الجهادية وبالأمراض العرقية والثقافية واللغوية.

بعد عشرية دموية حمراء 1990- 2000 راح ضحيتها أكثر من مئتي ألف ضحية، وعشريتين من النهب المُمَأسَس (2000- 2019)، يتهيّأ المجتمع لعشرية أخرى أكثر خراباً، خراب العقول، وضياع الشخصية، ولن تسلم منها أي عائلة.

بترؤس الإخوان المسلمين لجنة التربية في البرلمان، تبدأ وبشكل رسمي "أسلمة" سياسية لمجتمع مسلم، أو بغالبية مسلمة، ستصبح المدارس وبشكل علني خلايا حزبية لمشروع سياسي شرع الإخوان بالعمل على تحقيقه مند الستينيات، أي بعد استقلال الجزائر مباشرة، كان ذلك عام 1962.

أعتقد بأن "أسلمة" المدرسة سياسياً ورسمياً هي أصعب ضربة يتلقاها المجتمع الجزائري منذ الاستقلال. بهذا الوضع السياسي الجديد، تصبح الجزائر، سياسياً، القاعدة الخلفية الأخيرة لجماعة الإخوان المسلمين. إنهم وبكل حرية وتبجح يصولون ويجولون في القنوات العمومية والمسماة خاصة، ويتموقعون في منابر المساجد من دون حرج.

في أعوام الستينيات والسبعينيات ومع مشروع "التعريب الشكلي" الذي أطلقه النظام السياسي الجزائري من دون دراسة ورؤية فلسفية أو اقتصادية أو حضارية، كانت البداية الأولى للأسلمة السياسية للمدرسة الجزائرية تحت غطاء "العروبة والناصرية" التي كانت قادرة بشعبويتها على إغراء السذاجة الشعبية الجزائرية المؤمنة بفكرة "الإخوة" أو على تعبير الجزائريين "خاوة / خاوة"، والتي كانت تعتقد بأن العربية هي لغة الفقير والمقهور، ولم تكن تتصور بأن هذه اللغة قد تحمل أيضا مشروعاً فاشياً سياسياً.

وإذا كانت عملية "الأسلمة" السياسية للمجتمع الجزائري قد انطلقت في أعوام الستينيات والسبعينيات من المدرسة، تحت يافطة التعريب الإسلاموي السياسي الفوضوي، بشكل سرّي، فإنها اليوم وبعد ستين عاماً من الاستقلال تظهر إلى العلن، وتمارس ذلك بحكم لعبة سياسية غير واضحة، يلعب فيها أطراف لا تتوافر فيهم شروط المشاركة في اللعبة باعتبار أن الدستور يمنع الأحزاب القائمة على أيديولوجيا دينية. وهو ما يجعل هذه الأحزاب خارقة للدستور منذ البداية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ظلت استراتيجية جماعة الإخوان منذ نشوئها، تؤمن بخطة واحدة وهي أن الإسلام السياسي الذي تدعو إليه والذي يحمل مشروعها من المشرق إلى بلدان شمال أفريقيا يقوم على أسلمة المجتمع من التحت، من القاعدة السكانية الجديدة، أي من جيل المدرسة. لذا، نعتقد بأنه مهما منعت الأنظمة السياسية تنظيم الإخوان المسلمين من العمل السياسي أو مهما صنفته في خانة الإرهاب إلا أن لهم وجوداً اجتماعياً قوياً لأنهم وخلال قرن من الزمن مارسوا الأسلمة السياسية للمجتمعات العربية والشمال أفريقية من خلال العمل التربوي الذي يبدأ من الكتاتيب وصولاً إلى الجامعة. بهذا المعنى، كلما تم ضرب رأس الأفعى سياسياً وتنظيمياً، تعود لتظهر ثانية وبرؤوس أخرى لأن المجتمع مهيّأ لاحتضان أفكارها.

في الجزائر، يتذكر الجميع الحرب التي شنّها الإخوان المسلمون على وزيرة التربية الوطنية السابقة الدكتورة نورية بن غبريط، لا لشيء إلا لأنها حاولت إدخال بعض التعديلات على بعض المناهج التربوية التي يعشش فيها الفكر الإخواني. لقد بدأوا حربهم الأيديولوجية عليها من خلال التشكيك في أصلها، فقالوا إنها تنزل من عائلة يهودية، وكأن الانتماء إلى أسرة يهودية في حد ذاته ذمّ، ثم هاجموها قائلين إنها غيرت الخرائط الجغرافية في الكتب المدرسية وعوّضت اسم فلسطين بإسرائيل، ثم هاجموها قائلين إنها أسقطت البسملة من الكتب المدرسية، ثم هاجموها قائلين إنها منعت "صلاة النكاية" أي تلك الصلاة التي كان يدعو إليها الإخوان المسلمون في قاعات الدرس، لقد كانت حرباً ممنهجة تعبّر عن تجندهم اللامشروط بمجرد شعورهم بأن قواعدهم مهددة، بخاصة المدرسة.

أعتقد أنه من واجب المثقفين التنويريين اليوم وعقلاء المجتمع السياسي الخروج من دائرة الصمت، ودق ناقوس الخطر الذي يهدد المدرسة الجزائرية، أن يتحركوا قبل فوات الأوان، وبكل حكمة وهدوء وإقناع، فبترؤس الإخوان المسلمين لجنة التربية في البرلمان، سنفتح البلد على فوضى تربوية كبيرة غير مسبوقة، سيكون تعليم اللغات الأجنبية مهدداً، سيتم التراجع عن خطة تعميم تعليم اللغة الوطنية الثانية التي هي الأمازيغية، سيرفعون شعاراً شعبوياً سياسوياً، وهو تعليم اللغة الإنجليزية، مع أن هذه اللغة تُدرّس منذ الاستقلال وابتداء من السنة الأولى متوسط، لكنهم بهذه الشعبوية اللغوية يريدونها بديلاً من اللغة الفرنسية التي تظل النافذة الثقافية للجزائري لرؤية العالم الخارجي، وهي ليست في موقع المنافسة مع الإنجليزية، والفرنسية لغة يتكلمها أكثر من 11 مليون جزائري، ووسيلة تربطنا ثقافياً وإعلامياً واقتصادياً واجتماعياً بجاليتنا في الخارج التي يبلغ عددها حوالى 5 ملايين نسمة.

بمثل هذا الوضع، نعتقد بأن المدرسة الجزائرية ستدخل في صراعات سياسوية هي في غنى عنها، وسينتج من ذلك ما يلي: نمو ثقافة الكراهيات بين أبناء البلد الواحد. وسيتم تكريس الأمراض العرقية واللغوية والثقافية.

المدرسة الجزائرية في عين السيكلوب، المدرسة الجزائرية في عين الإعصار.

المزيد من آراء