Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصة طالبان: القاعدة والقبيلة والمذهب

الحركة الأفغانية تروي لـ "اندبندنت عربية" ما تقول إنه مقارعتها أعراف "الباشتون" لمصلحة بناء دولة يشكك كثيرون في قدرة "الفقهاء" على توحيد كتلها المتناحرة

الصراع بين طالبان والقوى الأفغانية المختلفة لم يتوقف أبداً حتى إبان حكمها السابق (غيتي)

كان المبرر الذي قاد الأميركيين إلى غزو أفغانستان 2001 هو اتخاذ تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن البلاد منصة لاستهداف الولايات المتحدة والعالم بالعمليات الإرهابية، بغطاء من حركة طالبان التي آوت رفيقها في السلاح ابن لادن، ولم ترد تسليمه أو طرده من أراضيها.

لكن الحركة أو كما تسمي نفسها من قبل وحتى الآن "الإمارة الإسلامية في أفغانستان"، تقول إنها تعلمت من أخطائها السابقة، وأنها لن تسمح لأي منظمة أن تتخذها موطناً لاستهداف الآخرين، في إشارة إلى "القاعدة" وأي حركة إرهابية في الإقليم المضطرب.

هذا التعهد يبدو أنه أغرى الأميركيين في تقدير السفير الأفغاني السابق السيد جلال كريم على الثقة في طالبان، خصوصاً وأنهم وفوا مرات عدة بالتزاماتهم في محاربة "داعش" وتخفيف الهجمات ضد الأميركيين، والسماح لجنود الحلفاء بالانسحاب الآمن، وسط حديث عن يأس من إبداء الحكومات المتعاقبة في كابول الجدية الكافية للاعتماد على قدراتها الذاتية واستعادة زمام المبادرة.

أسئلة تحاصر المشهد 

بيد أن الذي يهم المحللين السياسيين والفكريين أكثر هو إجابة طالبان عن قائمة طويلة من الأسئلة عملياً، قبل النظر إلى الخطوة الأميركية بوجاهة حين تركت ظهر حلفائها مكشوفاً أمام قوات زعيم "طالبان" هبة الله أخوند زاده، وهي تستولي على الحدود والمدن إثر الأخرى.

السؤال الأول، ما ذا تغير في طالبان الأولى التي اعتبرتها أميركا منظمة إرهابية حتى تصبح محلاً لثقتها اليوم، وساعي بريد لها عند العديد من الدول الإقليمية مثل باكستان والهند والصين وروسيا وأوزباكستان وغيرها؟ إلى جانب أسئلة ملحقة بالسابق من قبيل هل أصبح "الطالبان" أكثر مرونة في التعامل مع النساء وضد الأعراف "الباشتونية" القاتمة ضد المرأة؟ وهل يمكنهم تقبل مختلف الأقليات والأحزاب شركاء في الحكم؟

 أيستطيع وجهاء الحركة وفقهاؤها المستحوذين على المشهد أن يتقبلوا نساء سافرات في أرجاء كابول على الطريقة القائمة اليوم، وأحزاب حكم وأديان مختلفة، وديموقراطية وفن وموسيقى وعلاقات دولية، هي في نظر كثير من علماء الإمارة في السابق خيانة للدين والملة؟

بالنسبة للمحسوبين على حكومة أشرف غني فإن الجواب واضح "طالبان هي طالبان، لم تتغير إلا في أجزاء شكلية يسيرة، أما الإشكالات الجوهرية معها بقيت تراوح مكانها، ولا تفهم إلا لغة القوة والسلاح، انظر إلى النساء في المناطق التي تسيطر عليها، اسمع إلى تفسيرهم وتطبيقهم الضيق لتعاليم الإسلام، كأن بقية الشعب في كابول ليسوا وهم على ملة واحدة"، وفقاً لتعقيب أحد الأفغان لدى تعليقه على وعيد الرئيس أشرف غني ضد "طالبان" وحشده القوى المختلفة لمواجهتها.

أما المتحدث باسم الحركة محمد نعيم فإنه يعتبر ذلك في سياق تشويه "الإمارة المستهدفة من الإعلام منذ وقت مبكر من تاريخها، وبشكل خاص الإعلام الغربي"، معتبراً أن أخطاء الماضي لا يمكن الدفاع عنها، ولا "الأخطاء الطبيعية" للأفراد ممن يسميهم المجاهدين التابعين للحركة في الوقت الراهن.

أما الموقف الرسمي والوقائع الراسخة على الأرض فإنها بحسب نعيم تبرهن على أن "هناك تغيرات كبيرة ليس فقط في الإمارة ولكن في جميع أنحاء العالم، فقبل 25 سنة كانت الإمارة جديدة مع الحكم والآن عندها تجارب مفيدة في التعامل والتعايش، فإذاً نستطيع أن نقول بأنه يختلف التعامل والتعايش مع البيئة والعمل إذا كان الإنسان جديداً معهما، عما إذا جرب ومضى عليه 20 سنة، وهذا أمر طبيعي في كل مجتمع وفي كل حين، لأن الإنسان مهما كان متطوراً وراقياً وذا ثقافة فيتغير تفكيره وتعامله وتعايشه مع التجارب".

هل تمنع طالبان النساء من شواطئ الأنهار؟

هذا ما يتوقعه كثيرون من "طالبان" بعد تجارب التشرد التي عايشها عناصرها والأضرار التي لحقت بحاميتها القبلية، غير أنه كما يشيع في المثل الدارج "الشيطان في التفاصيل"، فعندما يجري إسقاط الحديث السابق على واقع الأرض في المدن التي سيطرت عليها الحركة، يكون التغيير في سلوك المنظومة ليس كافياً، فبعد نشرها مقطعاً مرئياً على إحدى حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي في إقليم "هلمند" لمجموعة من الشعب تقوم بالتنزه واللعب في مياه أحد الأنهار، سألت "اندبندنت عربية" المتحدث باسم التنظيم، هل كانت النساء موجودات في المخيمات على أرجاء النهر، حتى لا أقول يقمن بالسباحة في المياه مع الرجال وسط مجتمع محافظ، عندئذ أجاب "لا أظن ثمة نساء، حیث أهالي المنطقة ليست لديهم الرغبة في خروج النساء إلى الشواطئ، ولا يمكن إجبارهم على شيء لا یریدونه". هل هذا يعني أن الحركة لا تمانع في ذلك إن رغبه الأهالي؟

في هذا السياق، يقول المحلل السياسي الأفغاني روح الله عمر إن التغير يمكن تلمسه في المناطق التي سيطر عليها التنظيم، "فكل مدارس البنات أبقت عليهن الحركة مستمرة في جداولها وبرامجها من دون التدخل في مناهجها، فضلاً عن أن تمنع حضور الفتيات إليها، لكن يجب ألا تكون مختلطة"، جاء ذلك في معرض رده على سؤالنا عما إذا كان "الطالبان" سمحوا بالفعل كما يقولون باستمرار الجميع في حياتهم الطبيعية كما كانوا قبل أن تسيطر، بما في ذلك النساء السافرات.
 

هنا رد روح الله، "بحسب معرفتي لطبيعة تفكير طالبان وما نراه على الأرض فإنها لن تسمح بخروج النساء متبرجات، ولا بالتعليم المختلط، وذلك طبقاً لفتاوى علمائها وللأعراف الأفغانية، وهذا أقصى ما يمكن ذكره من انتهاكات طالبان، لكن الأفغان يواجهون يومياً انتهاكات من جانب الاحتلال تنسيهم ذلك".

وأضاف، "أما إذا أرادت المرأة أن تصبح طبيبة أو معلمة أو محامية فليس لدى الحركة فيما نرى أي مانع، والحركة تقول إنها ستسمح لكل الأفغانيات بكل الأعمال والمهن الموافقة للشريعة الإسلامية، أما المخالفة لها فالحركة نعلم أنها لن تسمح بها حتى لو واجهت الضغوط في ذلك، مهما كانت الأسباب والأحوال".

قصة تزويج الفتيات قسراً بالمقاتلين

واعتبر أن الأنباء التي ترددت عن إجبار الحركة أهالي منطقة "بدخشان" عند السيطرة عليها بتزويج بناتهم فوق 15 عاماً بمقاتليها غير صحيحة، وأن الحركة طالبت الإعلام المحلي والدولي بزيارة المنطقة تحت حمايتها للتأكد من السكان بأنفسهم، مضيفاً أن "ما يتم تداوله على وسائل الإعلام الدولية والمعادية شيء، والواقع الذي تعيشه مناطق سيطرة طالبان شيء آخر".

أما أحد الناشطين الأفغان در محمد، الذي يعتني بإظهار جماليات أفغانستان بعيداً من الحروب والصراع بين الفرقاء، فإنه لدى حديثه معنا عبر حسابه في "تويتر" من رقم أميركي، قال "إن استقبال المجتمع الأفغاني وخصوصا النساء لعودة حركة طالبان كان بمواجهتها، سواء بالسياسة أو بالحرب، فالمجتمع الأفغاني سئم من الحرب، لا يريد سوى السلام والصلح، أما الحركة فهي لا ترغب ذلك وإنما تملي شروطها بأمر من باكستان، وبالمختصر المفيد تنوي تسليم أفغانستان لباكستان مهما كلف الأمر"، على حد قوله.

ويحاول در عبر حسابه "أفغانستان بالعربي"، أن يظهر وجهاً آخر لبلاده غير الذي عرفت به، من خلال بث الصور والمقاطع المرئية لطبيعة الجبال الخلابة، والمهن التقليدية في البلاد العريقة التي لم تشهد لحظة سلام كاملة منذ عقود وقرون، جراء موقعها الاستراتيجي المثير لشهية القوى والإمبراطوريات البريطانية والسوفياتية والأميركية وقبل ذلك العثمانية.

وقال إنه يلاحظ دعم النساء بوجه خاص لمجهود كابل الحربي ضد الحركة، خصوصاً بالمواد الإغاثية والدواء والغذاء، أما "ما يروجه إعلام طالبان فأغلبه كذب وباطل، وأنا أحدثك الآن من أفغانستان، وإن كنت عشت خارجها".

السياسة المتوحشة ومعالم التغيير

وكان الباحث السعودي عبدالله بن بجاد المهتم بالشأن الأفغاني والأصولي، اعتبر بعد رصده السجال الدائر حول الانسحاب الأميركي واندفاع طالبان نحو الحكم أنه لا يرى غير طالبان التي يعرفها الجميع نهاية العقد الأخير من القرن الماضي.

وقال، "ما عدا بعض التصريحات التي يتمّ تلطيفها لتناسب الظهور في الإعلام في هذه المرحلة الانتقالية للسلطة في أفغانستان، فإن كل شيء تقريباً يشير إلى عودة "طالبان"، الخطاب القديم نفسه والتوحش الماضي ذاته، ولا شيء يلوح في الأفق ليبشر بأي تغييرات جذرية على مستوى الأيديولوجيا أو السياسة المتوحشة".

أما السفير جلال فقال في حديث مع "اندبندنت عربية"، إنه لاحظ تعاطياً مغايراً للحركة مع تعقيدات الجسد الأفغاني، وقال "على سبيل المثال، أصبحت أكثر براغماتية في علاقاتها الدولية، وصارت مقتنعة بأنه لا يمكنها أن تكون رقماً صعباً في حكم أفغانستان من دون علاقة مع القوى المؤثرة في الإقليم والعالم، مثل أميركا وبريطانيا والصين وروسيا وجيرانها على اختلاف توجهاتهم، فنراها في جولات متعددة بينهم".

وألمح إلى أن التقارب بين الحركة ومختلف أطياف المشهد الأفغاني أصبح ممكناً، باستثناء الحكومة في كابل، التي قال إنها "لا تزال تصر على مواقفها كما هو شأن طالبان أيضاً، إلا أن هذه النقطة يمكن حلها بالحوار والتفاهم على الرغم من التصعيد القائم، والمهم بالنسبة لمستقبل البلاد أن طالبان أصبحت مؤمنة بإشراك المختلفين معها، والإبقاء على المؤسسات القائمة أو بعضها مثل الجيش الأفغاني، لتؤدي دورها المهم في بناء الدولة وإرساء الأمن وتطهير البلاد من الفساد الذي يعترف الجميع بوجوده".

ومن دون أن يقول ذلك بصراحة، يشير جلال إلى أن طالبان أبدت استعدادها المبدئي لإقامة حكومة انتقالية تشارك فيها أطراف علمانية غير طالبانية، تقودها شخصية توافقية مقبولة دولياً، "تخرج البلاد من عنق الزجاجة".

ومع أن جلال محسوب على كابل بوصفه سفيراً ووسيطاً سياسياً في بلاده بين الحكومة والحركة مرات عدة، إلا أنه هذه المرة كأفغاني مستقل لا يرى أن "طالبان تمثل عائقاً أمام التسوية"، وإن أبدى خشيته من عدم رضاها بالحكم الديمقراطي على الطريقة الغربية المنشودة، بوصفها كما يقول "قد تصر على دور للعلماء في الحكم، على هيئة مستشارين أو مرشدين، لكني أراها الآن تحاور وتتصل ببعض النشطاء الأفغان في الخارج داخل أوروبا وأميركا والخليج، مما يجعلني أتوقع حدوث مقاربة أكثر منطقية من ذي قبل، إذا صدقت النيات".

طالبان والقاعدة

واهتمت دراسة أكاديمية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 نشرها موقع "إي للعلاقات الدولية" الأميركي تحت عنوان "الفرق بين طالبان والقاعدة"، ببحث نقاط الاتفاق والاختلاف بين الطالبان والقاعدة، قد تصبح أكثر أهمية في مثل سياق اليوم الذي يجري فيه تقويم ما إذا كان إعادة تأهيل طالبان لتكون حركة طبيعية في محيطها الأفغاني أمراً ممكناً، أم أنها لا تملك غير خيار أن تصبح منظمة راديكالية متطرفة، كجزء من قبيلتها الفكرية والإسلاموية العريضة، وإن اختلفت المسميات والمدارس الأيدولوجية في الفروع لا الأصول.

تخلص الدراسة التي اطلعت عليها "اندبندنت عربية" إلى أن الفارق الجوهري الأبرز بين التنظيمين على الرغم من تلاقيهما في جوانب عدة، هو أن "طالبان سعت إلى إصلاح أفغانستان فقط من منظورها المحلي الصرف، أما محنة الفلسطينيين والكشميريين والشيشان والمسلمين في أماكن أخرى فلم تهم طالبان، وربما لم يكن لدى البعض أي معرفة بهذه النزاعات، لقد حصروا قتالهم في أفغانستان فقط، لم يتجاوز هدفهم أبدًا إنشاء نسخة طالبان من المدينة الفاضلة داخل حدودهم"، على العكس من ذلك تماماً "القاعدة"، وفقاً لكاتب الدراسة جوش شوت، الذي رأى أن تنظيم ابن لادن تشكّل "لمواصلة القتال بعد الحرب السوفياتية وتحويله إلى صراع عالمي. وعلى النقيض من طالبان كان لـ "القاعدة" منظور عالمي وآفاق واسعة وأهداف طويلة المدى، وكانت محن الفلسطينيين والكشميريين والشيشان والمسلمين في كل مكان مصدر قلق كبير لهم، في حين كان الهجوم على الإسلام في أفغانستان مجرد مثال واحد على اضطهاد المسلمين، لكن لم تكن لهم مصلحة في أفغانستان تتجاوز طرد الغزاة الملحدين"، بحسب منطق تنظيم القاعدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن على الرغم من ذلك فإن وضع التنظيمين في سلة واحدة من جانب الأميركيين بعد الغزو كما تشير الدراسة، جعل الرأي العالمي، خصوصاً الأميركي منه، ينظر إلى المجموعتين بعين واحدة، بيد أن الباحث اعتبر ذلك لا يخدم الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها، وذلك لأن "الأهداف والعمليات والخلفيات العرقية والثقافية والجغرافية للقاعدة وطالبان مختلفة تماماً، وهما منظمتان مختلفتان تماماً، لذلك فمن الخطأ معاملة كل مجموعة كما لو كانت الكيان نفسه من خلال مزج وإخفاء الفروق بين المجموعات أو الأنظمة المختلفة التي لا تخضع نفسها من دون قيد أو شرط للهيمنة الأميركية، وتجميعها في تهديد إرهابي ضخم غير متبلور، مما يخلق للولايات المتحدة أعداء أكثر مما تستطيع إخضاعه".

الفارق الذي لاحظه البحث المشار إليه لم يكن هيناً، إذ كانت أكثر مشكلات العالم مع الإسلام السياسي المنبثق عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين هو تفانيه في عولمة أنشطته بما فيها المسلحة التي أطلقها ابن لادن وشيخه عبدالله عزام ومن بعدهم "داعش"، لكن السؤال المحير في هذا السياق يظل لماذا والحال كذلك وجد التيار التقليدي الطالباني أرضية مشتركة مع المخالف له في المنهج القاعدي/الإخواني، لدرجة ارتقت إلى الشراكة والحلف، على الرغم من اختلاف مدرسة ابن لادن "التكفيرية العالمية" مع مدرسة الطالبان "ديوبندية الصوفية الأفغانية"؟
 

بالنسبة إلى المتخصصين في شؤون الحركات الإسلامية أمثال ابن بجاد ومشاري الذايدي وغيرهما فالأمر ليس معقداً، فالقول بأن "الغاية تبرر الوسيلة" عند الحركات الإسلامية شائع ومطرد، وما يجمع "القاعدة" بـ "طالبان" عقائدياً ومذهبياً على الأقل، أكثر مما يجمع الاثنين بالنظام الإيراني، الذي يستضيف حتى اليوم قيادات بارزة في تنظيم القاعدة، ووجدت طالبان طريقاً للتعاون معه خلال سنوات مضت، تجددت أخيراً في استقبال أعضاء من الحركة في طهران بحفاوة.

المرجعية الفقهية عند الطالبان

أما الجانب الفقهي عند الطالبان الذي ظل مغايراً للذي تزعم الحركات الإسلاموية المسلحة الأخرى التزامه، فإن ممارسات الإمارة على الأرض أيام حكمها، وكذلك فتاوى علمائها التي أشير إليها سابقاً، توضح أن "سعة المذهب الحنفي" ومرونته لم تنعكس على معظم اختياراتها، وفقاً لما يؤكد الباحث العراقي المتخصص في هذا الميدان رشيد خيون، الذي رأى أن الحركة تجني على الفقه الحنفي الذي عرف بعقلانيته ومرونته أكثر مما تلتزم به.

وقال في تعليقه نحو هذا التناقض، "إن الحركة قدمت المذهب الحنفي الذي تلتزمه في معاملتها وعباداتها على أنه مذهب متطرف، وأن صاحبه رأس التشدد، وعند المقابلة نجدهم أوجدوا مذهباً حنفياً آخر غير المعمول به في المعاملات والعبادات". 

وترد الحركة على هذا الاتهام بأنها "تلتزم بالأصول الثابتة وغير المتغيرة، أما طريقة التعامل والتعايش فهي تختلف من حين لآخر باختلاف الزمن والبيئة".

وتؤكد أن العلماء (الفقهاء) جزء أصيل في تكوينها، وتعتبر ذلك مما يميزها عن بقية الزعامات السياسية والقبلية الأخرى في أفغانستان، إذ تقول في معرض ردها على من يملك السلطة القبيلة أم السياسيين في الحركة بأن "غالبية قادة الإمارة الإسلامية تتشكل من العلماء، وما دام العلم موجوداً في مجتمع ما فهو لا يضل ولا يتبع غيره، وهذه ميزة أن تكون القيادة بيد العلماء، وهو سر نجاح الإمارة في مسيرتها الطويلة، وفي الحقيقة هي المؤثرة وليست المتأثرة، فلو كانت متأثرة لم يكن لها هذا الصمود في وجه المشكلات والأزمات والتحديات".

ولكن حتى إن تم التسليم جدلاً بأن الحركة وفية لمرونة الفقه الحنفي وجادة في مراجعة بعض آرائها وفتاواها، على عكس ما يقول منتقدوها، فإن تجارب الدول الإسلامية مع الإصلاحات الدينية والفكرية تفيد أن العقد الفقهية ليست دائماً العقبة، ولكن قبل ذلك "الاجتماعية" المتلونة بلونها، خصوصاً في المجتمعات القبلية المحافظة مثل أفغانستان، ولذلك يشكك المهتمون في قدرة الحركة على مواجهة الأعراف "الباشتونية" بصرامة، وهي التي تعتمد على تلك القومية في بسط نفوذها وإحكام السيطرة على البلدات والأقليات.

خصائص الإسلام الأفغاني

ومع أنه كما يقول المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي في سلسته الشهيرة "الإسلام واحداً ومتعدداً"، فإن الإسلام الأفغاني ظل على مر العصور بين أكثر النسخ تشدداً وانغلاقاً، لأسباب يعيدها البعض إلى بيئة البلاد الجغرافية القاسية، والمحاصرة إلى حد كبير بالتضاريس الجبلية، على الرغم من اتصالها بحضارات عميقة الجذور في التاريخ، وذات آداب وفنون مثل الهندية والفارسية والصينية التي امتزجت في طراز إسلامي فريد، تشهد عليه قباب مساجد ومقابر آسيا الوسطى في طشقند وتاج محل وتبريز وأصفهان، وحتى بعض ما أبقت الحروب من أطلال المزارات والمساجد الأفغانية.

ولهذا يدعو الخبير في الشأن الأفغاني الأمير تركي الفيصل الذي كان رئيساً لاستخبارات بلاده إبان العهد السوفياتي في أفغانستان، إلى "التريث قبل الحكم على المشهد الأفغاني، واعتبار حكم طالبان له أمراً محسوماً، فالتاريخ يعلمنا أن التنبؤ بما يجري في أفغانستان وما هو مقبل عليه صعب".

وفي حوراه مع برنامج سياسي تلفزيوني عبر القناة السعودية الأولى يقدمه المذيع السعودي طارق الحميد، شكك في أن تكون العلاقة بين "القاعدة" و"طالبان" أصبحت في حكم الماضي، وقال "أعتقد أنه لا يزال هناك وجود للقاعدة تحت حماية طالبان في أفغانستان".

 كما رأى مراقبة سلوك الحركة قبل استعجال الحكم عليها سلباً أو إيجاباً، لافتاً إلى أن التغيير جزء من طبيعة البشر، ولكن يحتاج وقتاً حتى يصبح مشهوداً أو غير موجود، مشيراً إلى البعد القبلي في المشهد الأفغاني، وأن عدم مراعاته في تشكيل حكومة ما بعد الاحتلال أثار سخط قوى مثل "الباشتون"، مما سهل استقطابها من جانب "طالبان" المطاردة حينئذ، وأن "فئات كبيرة من الشعب الأفغاني لا تؤيد طالبان حتى في هذا الوقت".

الأعراف القبلية والمرأة

وعن هذا التحدي القبلي، تجيب الطالبان عن سؤال "اندبندنت عربية" حول ما إذا كانت قادرة في حقبتها المنتظرة على مقاومة الأعراف القبلية "الباشتونية" إن تحررت من "القاعدة" وأخواته.

وقالت إن "الإمارة الإسلامية قد غيرت في عهدها السابق كثيراً من التقاليد والأعراف القبلية التي كانت تخالف الإسلام للمرة الأولى في تاريخ أفغانستان، وأنتم تعرفون أن النساء في بعض القبائل يقدمن ضحايا في حل المشكلات القبلية، فمثلاً إذا قتل أحد من القبيلة شخصاً من قبيلة أخرى فإنهم إن أرادو الصلح تقدم أسرة القاتل بنتها لأسرة المقتول شاءت البنت أم أبت، أي تزوجها من أحد أفراد أسرة المقتول، وهذا على أساس أن تقلع جذور العداء ولتصبح القبيلتان والأسرتان في ود وقرابة وصهر لينتهي العداء بينها، لكن أمير المؤمنين الملا محمد عمر قد منع هذا العرف قطعاً، ومنع الناس من ذلك".

وروت الحركة مخالفة أخرى قالت إن إدارتها قامت بمعالجتها، وذكرت أن "الأرملة في القبائل كانت لا تملك من أمرها شئياً، فهي أسيرة أسرة الزوج، ولا بد أن تتزوج داخل أسرة زوجها الميت، ولا يحق لها أن تقوم بذلك خارج أسرته، وهذا أيضاً بأمر من أمير المؤمنين تغير، إذ للأرملة أن تتزوج من تشاء سواء في أسرة الزوج أو خارجها أو تجلس من دون زواج، وهناك أمثلة أخرى في الميراث، ولكن لعدم الإطالة أكتفي بهذا".

واعتبرت أن هذه الأمور "ليس تغيرها بأمر سهل، بخاصة في بلد مثل أفغانستان، ولكن مع كل هذا فالإمارة الإسلامية ملتزمة تماماً بأحكام الإسلام ولا تساوم عليها أحداً، وقد ضحت في هذا السبيل بالكثير والكثير. نعم القضاء على جميع المشكلات لا يمكن في زمن قياسي ومرة واحدة، بل يحتاج الأمر الجهد والزمن. وفي النهاية نحن مستهدفون منذ أكثر من 20 سنة إعلامياً وعسكرياً وسياسياً، وعليه نطلب من الجميع بأنهم إذا أرادوا أن يعرفونا أن يتعاملوا معنا مباشرة، وليس من خلال إشاعات العدو وادعاءاته".

"أبو طالبان" والمدرسة الأم

ومعروف أن حركة طالبان من الناحية الأصولية تتبع مدرسة "ديوبند" في السلوك والفقه والاعتقاد، وهي في الأصل كما تقول مدوناتها، مدرسة هندية انطلقت من جامعة دار العلوم، قبل أن تشيع في كل شبه القارة الهندية كاملة، في الهند الحالية وبنغلاديش وكشمير، ناهيك عن باكستان التي اشتهر فيها الملا سميع الحق "أبو طالبان" بوراثة أبيه في التبشير بأصول المدرسة بين طلابه قريباً من الحدود الباكستانية - الأفغانية، حيث خرجت طالبان الحركة المعروفة بكل سيئاتها وحسناتها.

وتقول الجامعة عن نفسها إنها "أكبر وأقدم جامعة إسلامية أهلية في شبه القارة الهندية، أنشئت في 15محرم 1283هـ الموافق 31 مايو (أيار) 1867 بعدما قضى الإنجليز نهائياً على الحكم الإسلامي، ولفظت الدولة المغولية أنفاسها الأخيرة، وفشلت ثورة 1857 في الهند، وكادت أن تتكرر قصة إسبانيا على أرضها لولا أن تدارك الأمر أولو ألمعية إيمانية من غيارى العلماء المخلصين بقيام هذه الجامعة كمعقل إسلامي منيع"، بحسب ما جاء في موقعها الإلكتروني باللغة العربية.

وتقع الجامعة في "ديوبند" شمال الهند على بعد 150 كيلومتراً من دلهي عاصمة البلاد، ومنها أخذت المدرسة اسم شهرتها.

ولم تكن "طالبان" وحدها الذراع المتأثرة بتلك المدرسة، فهناك شخصيات عدة في باكستان حاضنة الطالبان الأولى، كما أنجبت المدرسة حركيين مختلفين في درجات تطرفهم واعتدالهم وجدوا طريقهم إلى العالم العربي خلال حقبتي النهضة والصحوة، أمثال أبي الحسن الندوي.

لكن على الرغم من ذلك كان للمدرسة في نسختها الهندية أيضاً الفضل في إنتاج حركة "التبليغ" ذات الطابع السلمي والدعوي الشهير، لولا أن بعضاً من أنصارها وأحياناً قياداتها، سريعاً ما تلقفتهم تيارات الإسلام السياسي العنيفة، لكنها حتى الآن تتفرد بطابعها الصوفي والسلمي على الرغم من ولعها بطقوس البيعة والحشد الجماهيري، الذي ينافي سلوك التبتل والتجرد من حظوظ النفس عند المتصوفة الأوائل.

وتشير دراسة حديثة في 2021 لعدد من المؤلفين حول "المدارس الديوبندية في شبه القارة الهندية"، إلى أن حركة طالبان تمثل "الجماعة الديوبندية المسلحة الأكبر والأكثر شهرة إقليمياً وعالمياً، فهي البوصلة العسكرية الأساسية للحركة منذ سقوط حكمها (الإمارة الإسلامية في أفغانستان) في 2001، وتشير باتجاه قتال المحتل المستعمر والحكومة التابعة له في أفغانستان".

وتعتقد الدراسة المنشورة حديثاً أن نموذج طالبان أفغانستان "يبدو الأقرب لنهج مؤسسي الحركة الديوبندية، وذلك بالجمع التنظيم بين ثلاثة أمور، وهي أولاً الحفاظ على ترابط الحركة المسلحة مع الحركة العلمية الديوبندية العريضة، وثانياً التراتبية التاريخية لمسيرة الحركة، فالانطلاقة كانت من التعليم والتكوين الديني الصرف المنعزل عن مؤثرات الحداثة والحياة العصرية، ثم الحركة الاجتماعية المسلحة، ثم الصعود السياسي الحر بمعزل عن المسارات والهياكل السياسية للاستعمار ودول ما بعد الاستعمار. وثالثاً النأي بالحركة عن الخطابات والحروب الطائفية والتركيز على مواجهة المستعمر وأدواته"، وذلك في أفغانستان من دون بقية الجبهات التي تنشط فيها التيارات المسلحة مثل "القاعدة" و"داعش" و"النصرة" و"الفاطميون" وغيرها.
 

طالبان ليست كل شيء في أفغانستان

ومع تجذر الحركة في البيئة الأفغانية ثقافياً وعسكرياً، إلا أن ذلك لا يجعلها قادرة على بسط نفوذها الكامل بالقوة على كامل التراب الأفغاني، ولذلك يضع السفير الأفغاني السابق في الرياض سيد جلال ثلاث سيناريوهات، قال إن أحدها على الأرجح هو الذي سيكون، "فإما أن يتنازل الرئيس الأفغاني أشرف غني عن كرسي الرئاسة أو طالبان عن اشتراط حل الحكومة المنتخبة في ظل الاحتلال، ويتم تشكيل هيئة حكومية توافقية، وإما أن يكون السيناريو الثاني هو قدرة غني على حشد القوى الأفغانية الأخرى، واستقطاب الدعم الهندي لمقاومة مضي طالبان في السيطرة على المدن، إلى حين انتهاء فترة حكمه بعد نحو عامين".

ويبقى بعد ذلك السيناريو الثالث والأخير، بأن تستمر الحركة في حربها مع الحكومة، "وتحاول انتزاع مزيد من المدن والأقاليم إلى أن تتمكن من فرض أمر الواقع"، مشيراً إلى أن الأفغان الذين سئموا من الحرب لا يفضلون هذا السيناريو، لكنه غير مستبعد أمام إصرار كل طرف على موقفه، فمع توقف الطالبان عن اقتحام المدن الرئيسة ذات الأغلبية السكانية في البلاد، إلا أنها مع الوقت قد تضطر إلى ذلك، خصوصاً إذا لم تفلح المفاوضات بين الطرفين بالرعاية الأميركية في حلحلة الموقف.

وكان الرئيس أشرف غني نشر عبر حسابه على "تويتر" أخيراً، صورة للممثلين من شرائح الشعب الأفغاني المختلفة، قائلاً "اليوم كان يوم فخر تحت عنوان الجمهورية الإسلامية، اجتمع فيه القادة السياسيون البارزون والعلماء والنساء وممثلو المجتمع المدني والشباب، وأعلنوا بالإجماع دعمهم الثابت لسيادة أفغانستان وسلامتها الإقليمية"، في إشارة إلى توحيد الجبهة ضد طالبان.

هل هو بداية البعث الأصولي؟

وتخشى دول في المنطقة العربية من أن تكون عودة الطالبان إلى الحكم بداية لعودة المد الأصولي مرة أخرى إلى المشهد العربي والإسلامي، بعد أن خف قليلاً إثر هزيمة "القاعدة" و"داعش" في أكثر الجبهات.

ويعود بعض الباحثين بالذاكرة إلى لحظات الانبعاث الأول الذي مثلته أفغانستان إبان فترة الحرب الأفغانية السوفياتية، إذ ما لبثت طويلاً حتى غزت أفكار المجموعات المسلحة المنطقة بأسرها، مما جعل كاتباً مثل عبدالله بن بجاد يخشى أن يعيد التاريخ نفسه، ويقول إن "بعض المقاطع التي تخرج من هناك تعيد للأذهان سيرة حركة طالبان الأولى في تعاملها مع الإنسان والمرأة والفرقاء السياسيين، وهو ما يوحي بعودة أفغانستان لتصير ملاذاً آمناً لكل الإرهابيين والأصوليين حول العالم، وقد بدأت "جماعة الإخوان" المصنفة إرهابية في عدد من الدول تفكر جدياً في نقل كثير من عناصرها وهيئاتها إلى أفغانستان".

ولذلك دعا وآخرين الدول الإسلامية إلى أخذ الحيطة والحذر مما سماه عودة "الزمن الأصولي"، الذي ظلت جبال أفغانستان كعبته منذ حين.