Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تجري إسبانيا مباحثات سرية لتجاوز أزمتها مع المغرب؟

تقرير: المناقشات بين الطرفين انتقلت من مستوى الوساطة إلى مستوى المشاورات المباشرة

آليتان عسكريتان إسبانيتان على السياج الحدودي مع المغرب في جيب سبتة (أ ف ب)

منذ استقبال إسبانيا زعيم البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج من الإصابة بفيروس كورونا وعلاقتها مع المغرب تزداد تأزماً، حيث اعتبرت الرباط أن استقبال جارتها الأوروبية زعيم منظمة تتهمه بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بهوية مزورة ومن دون إخطارها يخالف مبادئ الشراكة وحسن الجوار.

في حين تشير وسائل إعلام إسبانية لوجود مشاورات بين مدريد والرباط لتدارس سبل تجاوز الأزمة، باعتبار أن مدريد تسارع الزمن لتجاوز أزمتها مع المغرب، حيث قامت بتعديل حكومي غيرت بموجبه وزيرة خارجيتها المثيرة للجدل أرانتشا غونزاليس التي تحملها السلطات المغربية وبعض المسؤولين الإسبان مسؤولية الإخفاق في تدبير الأزمة التي خلفها استقبال غالي.

مباحثات سرية

نقلت جريدة "إلباييس" الإسبانية عن مصادر دبلوماسية، شروع مدريد والرباط في مشاورات سرية في سبيل الخروج من الأزمة بين البلدين التي طالت لعدة أشهر، وأشارت الصحيفة إلى أن المباحثات بين الطرفين انتقلت من مستوى الوساطة إلى مستوى المشاورات المباشرة، مؤكدة أن مسؤولين إسبان، من بينهم سفير إسبانيا بالرباط ريكاردو دييز هوشلايتنر، أجروا محادثات مع سفيرة المغرب في مدريد كريمة بنيعيش، التي لا تزال موجودة في الرباط منذ استدعائها من قبل سلطات بلدها اعتراضاً على "تجاوزات إسبانية" عقب "أزمة غالي".

تكهنات

لكن المحلل السياسي المغربي، إدريس قصوري، قلل من أهمية ما تتناقله الصحف الإسبانية، معتبراً أن ما يروج ليس تقارير وإنما تكهنات وبالونات اختبار، ولا يجب البناء عليها، لكون الغرض منها هو استدراج المغرب للحوار، وبالتالي جس نبضه، لأن إسبانيا وإن استبدلت وزيرة خارجيتها فإنها لا تزال تتناقض مع ذاتها، فهي ترسل رسائل مستقبلية وتمارس سياسة معادية لمصالح المغرب ورؤيته للجوار وحسن الثقة والتعاون.

 ويشير قصوري إلى أن "أمثلة ذلك التوجه الإسباني كثيرة بعد مغادرة غالي، سواء تعلق الأمر بالمعاملة المهينة لمغاربة مليلية، أو معاكسة مصالح المغرب مع دول أوروبية، أو تبرئة القضاء لزعيم جبهة "البوليساريو" من الجرائم التي اقترفها وتبيض سجله بتعليل قضائي ضعيف"، ويخلص قصوري إلى أنه لكل تلك الاعتبارات، فإن المغرب غير مستعد الآن ولا تتوفر له حالياً ضمانات للدخول في حوار مع إسبانيا، ولن يتحقق ذلك حتى بعد الأشهر الثلاثة المقبلة في ظل المعطيات الحالية، مضيفاً أنه لا تكفي زيارة ملك أو وزير خارجية أو رئيس حكومة إسبانيا من دون تصريح واعتراف بالسيادة الكاملة للمغرب على صحرائه كي تتبدد كل الشكوك ويتم تجديد التأسيس لعمل إسباني- مغربي على الوضوح والثقة الراسخة والندية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، قد تساءل في وقت سابق حول ما إذا كانت إسبانيا "ترغب في التضحية بالعلاقات الثنائية" بسبب هذه القضية، معتبراً أنها "تشكل اختباراً لمصداقية علاقتنا وصدقها، وحول ما إذا كانت تشكل مجرد شعار"، مضيفاً أنه "قبل السير خطوة واحدة إلى الأمام في العلاقات الثنائية يتعين أولاً توضيح الأمور"، مشيراً إلى أن البلدين تجمعهما بالفعل "شراكة شاملة، سياسية واقتصادية وتجارية وإنسانية وأمنية".

حل الأزمة ضرورة إسبانية

يشير محللون إلى أن إسبانيا هي الخاسر الأكبر في الأزمة مع المغرب، وأنها تبحث بشكل جدي عن تجاوز الخلاف مع الرباط، ويوضح الأستاذ الجامعي المغربي في العلوم السياسية، خالد الشرقاوي السموني، أن الحكومة الإسبانية أعربت، أخيراً، عن استعدادها لإصلاح العلاقات مع المغرب، حيث دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى حل الأزمة مع المملكة، مؤكداً أن المغرب شريك استراتيجي لبلاده، كما أبدى وزير الخارجية الإسباني المعين حديثاً، خوسيه مانويل ألباريس، استعداده للعمل على حل الأزمة بين البلدين، مؤكداً أن من بين أولوياته ضرورة تعزيز العلاقات خصوصاً مع المغرب، وسبق أن صرح وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، بأن المغرب شريك استراتيجي تحافظ إسبانيا معه على علاقة وثيقة للغاية، ويعتبر السموني أنه ليس في صالح الحكومة الإسبانية الحالية هدم علاقات تاريخية وقوية بين البلدين منذ قرون.

ويذكر السموني أن إسبانيا ارتكبت خطأ فادحاً عندما استقبلت زعيم جبهة "البوليساريو" بهوية مزورة، وتعمدت عدم إخبار السلطات المغربية بذلك، في تحد للعلاقات بين البلدين، معتبراً أن "المغرب دولة ذات مواقف ثابتة لن تقبل بأي سلوك أو تعامل يمس وحدتها الترابية وسيادتها الوطنية، فلطالما برهنت المغرب على حسن النوايا مع الجارة الإسبانية والتعاون المثمر على عدة أصعدة، بخاصة على الصعيد الأمني ومكافحة الهجرة السرية، فعلى هذين المستويين، يلعب المغرب دوراً رائداً يحظى بإشادة واعتراف من طرف المجتمع الدولي، وعلى هذا الأساس، أصبح لازماً على إسبانيا أن تعامل المغرب في إطار الشراكة المتكافئة والمصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية"، وأن المغرب رغم مواقفه الثابتة بخصوص وحدته الترابية، لكنه في نفس الوقت يحترم العلاقات التاريخية التي تربطه بإسبانيا ويحترم حسن الجوار ويسعى دائماً إلى الحفاظ على الاستقرار بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.

فيما نقلت صحيفة "إلباييس" عن مصادرها أن إسبانيا تتوجس من احتمال إنهاء الأزمة بطريقة زائفة وتكرارها بعد فترة، وبالتالي لتجنب ذلك، اقترحت مراجعة شاملة للعلاقات الثنائية مع المغرب لتوضيح موقف كل بلد في الفصول الشائكة، وعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بمدينتي سبتة ومليلية، يمكن لإسبانيا أن تراهن على التنمية الاقتصادية التي تدعمها بيئتها المغربية "منطقة الرخاء المشترك" مثل تلك الموجودة في جبل طارق، أو تراهن على الحد من اتصالاتهما مع "الدولة المجاورة" وتكثيف علاقاتهما مع الاتحاد الأوروبي، والتي من أجلها يتم النظر في إمكانية دمجها في الاتحاد الجمركي ومنطقة شنغن.

أزمة عابرة 

يشير مراقبون إلى أن الخلاف الإسباني المغربي مجرد سحابة صيف سيتم تجاوزها قريباً، ويذكر السموني أن الأزمة السياسية الحالية في مجال العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا ليست هي الوحيدة، بل شهدت تلك العلاقات أزمات كادت تقود البلدين مباشرة إلى الحرب، كما هو الشأن بالنسبة لأزمة جزيرة المعدنوس (ليلى)، وبالتالي فالعلاقات المغربية الإسبانية تتخللها دائماً أزمات تصعيدية بين الفينة والأخرى، لكنها تعود إلى منحاها الطبيعي بعد تذويب مكامن الخلافات وتقريب وجهات النظر، في ظل المصالح الاقتصادية والأمنية التي تجمع الطرفين، ولا يمكن أن تؤدي إلى التصعيد النهائي من الجانبين.

لذلك يؤكد الباحث في العلوم السياسية أن العلاقات بين البلدين ستعود إلى منحاها الطبيعي في آخر المطاف؛ ذلك أن المغرب يعد الشريك الأول لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، فيما تصنف إسبانيا على أنها الشريك التجاري الأول بالنسبة إلى المغرب، لكن يبقى على إسبانيا، بحسب الباحث، "استخلاص الدروس من الأحداث الأخيرة لأن مغرب 2021 ليس هو مغرب الأمس، فلم يعد ذلك البلد كما كان في مخيلة الإسبان مدة طويلة من الزمن، ثم إن المغرب بقيادة الملك محمد السادس، يتمتع بمصداقية ودور مؤثرين على المستوى الدولي، وما على إسبانيا إلا أن تعيد النظر في حساباتها وعلاقاتها مع المغرب على أساس أن تكون علاقات متكافئة يسودها الاحترام المتبادل".

المزيد من تقارير