Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عادل عصمت يبحث عن معنى الحياة في "مخاوف نهاية العمر"

قصص تحفل بالتفاصيل الصغيرة وتصور مشاعر الشخصيات وهواجسهم

لوحة للرسام المصري جورج بهجوري (صفحة الرسام على فيسبوك)

ربما كانت دراسة عادل عصمت للفلسفة من بين الروافد الرئيسة في اهتمامه بسؤال الموت والحياة ومحاولة الإجابة – فنياً بطبيعة الحال – عن: متى يصبح لحياة الإنسان معنى، ومتى يكون موته حياة متجددة؟ هذا هو السؤال الكبير الذي ينتظم قصص مجموعته القصصية "مخاوف نهاية العمر" (دار الكتب خان). والحقيقة أن عادل عصمت روائي في الأساس، وصدرت له مجموعة متميزة من الروايات التي لفتت الأنظار إليه مثل "الوصايا" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، و"أيام النوافذ الزرقاء" التي حصلت على جائزة الدولة التشجيعية، و"حكايات يوسف تادرس" الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ. ولعل هذا ما جعل قصص "مخاوف نهاية العمر" أقرب – في طولها – من النوفيلا. فقصة "حديث مريم" مثلاً تبلغ 18 صفحة وتتفرع فيها كما في غيرها الأحداث ويبرز من خلالها الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة وتصوير مشاعر الشخصيات وهواجسهم. ومن هنا يأتي عنوان المجموعة دالاً على استراتيجية الكاتب حين تتصدر "المخاوف" بدايته، ثم يتم تحديدها – عن طريق الإضافة – بأنها مخاوف "نهاية العمر" ما يستحضر أيضاً البعد الزمني الذي يأتي صريحاً مع القصة الأولى "قصة الفجر"، والأخيرة التي تحمل المجموعة عنوانها. ناهيك عن الإشارات العديدة إليه في بدايات بعض القصص وفي متنها. فحين يسأل "نسيم جرجس"؛ اليساري وأحد معتقلي مرحلة الستينيات، رفاقه في الزنزانة: "ما هي أصعب لحظة في السجن؟"، تتعدد الإجوبة: أول يوم – بعد الزيارة، حفلات التعذيب، جلسات التحقيق. وهي أجوبة منطقية وحقيقية، لكن "نسيم" يقول إنها لحظة "الفجر"، ما يفتح باب التأويل. فالفجر دال على فوات يوم من عمر الإنسان، يوم ضائع لا يستطيع استعادته، ودال أيضاً على بداية أمل جديد في الخروج من ظلام الزنزانة إلى ضوء النهار.

لعبة الفن

هكذا تزدوج الدلالة وتصبح مشيرة إلى الاحتمالين حتى أن السارد يسأل في نهاية القصة: "ماذا كان يقصد بالفجر؟ هل هي مجرد تقاليد تفكير قديمة كانت سائدة في بداية القرن عندما استخدم الكتاب فترات النهار كاستعارة: "فجر القصة القصيرة"، "فجر الإسلام"، أم هي تقاليد الستينيات وأغاني عبد الحليم مثل "عدى النهار"، وغيرها من تلك الرموز؟ لا يمكنني الآن بعد رحيل عم نسيم أن أحسم الأمر وربما لن أتمكن أبداً".

ولا شك أن عدم الحسم هذا هو لعبة الفن الشائقة التي تمنح الدوال زخمها الفني، وهذا ما نلاحظه على دال "الزنزانة" التي تتحول، رغم كونها مكاناً محاصراً ومقيداً للحرية، إلى ما يشبه "الجامعة" التي اجتمع فيها أهم مفكري البلد، ويحيلنا "العم نسيم" إلى ما كان يقصده بلحظة "الفجر" حين يصف مطاردة الجلادين في هذا الوقت المبكر "يطلع غناء محمد حمام كأنه خيط نور". وأخيراً يشير السارد إلى أنه "لولا السجن لما عرف المرء معنى الفجر". وهو ما يقترب من المعنى الذي أراده أمل دنقل بقوله "ربما لو لم يكن هذا الجدار/ ما عرفنا قيمة الضوء الطليق".

هذا البعد الزمني نجده في استهلال بعض القصص، ومنها قصة "الوطن" التي تبدأ هكذا: "كان يوماً شتوياً قضاه محمود الأنصاري وحده في شقة أمه في طنطا". وفي "مخاوف نهاية العمر" يبدأ السارد بقوله: "في مساء شتوي تردد في ميدان بطرس صوت غراب. فتحت السِت عنايات عينيها وأنصتت". ويبدو أن فصل الشتاء هو الأكثر تردداً في المجموعة؛ ربما لأنه فصل تجدد الطبيعة أو للإيحاء بقوة التعذيب حين يقول: "كانوا عرايا بالكامل في برد ليلة صحراوية يطاردهم الجلادون بالخيول والكرابيج في حوش سجن الواحات". وأحياناً للإيحاء باضطراب الشخصية مثل "عنايات" التي "سمعت البيت يطقطق على وشك التهدم، المطر مثل الوشيش سمعت القطرات تنزل من السقف في الصالة ويتردد صوتها على المشمع فوق سطح البوفيه"، في تزامن لافت مع نعيق الغراب الذي يطاردها دون أن تعرف مكانه، بما يعني أن الأحداث الخارجية تتحول إلى خواطر مفزعة تلازم الشخصية فى صحوها ومنامها.

تنوع الأحداث والشخصيات

ورغم هذه التيمات السائدة فإن المجموعة تحوي تنوعاً لافتاً في أحداثها وشخصياتها، وربما يعود ذلك كما صرح الكاتب إلى كتابتها على مدار عشر سنوات. فإضافة إلى قصة "العم نسيم"، نجد قصة "زينب فخر الدين" التي وقعت في الخطيئة ولم يكن أمامها إلا إلقاء نفسها في النهر حتى قيل إن "الندَّاهة" جذبتها فاستجابت لها. يقول السارد: "لا بد أنها تسللت من الدار دون أن يشعر أحد وعاينت في ضوء شحيح شجرة التوت الجافة تقف ساكنة بجانب القنطرة. ربما كان وشيش صنابير المرشح الصوت الوحيد المسموع في تلك الساعة وربما تناهى إلى سمعها صياح ديك تخايل له الفجر وامتد أمامها الطريق المؤدي إلى البحر".

نحن أمام صورة كلية، فهناك تحديد للمكان والزمان والصوت وحركة الشخصية المتسللة. وتتوالى القصص فنجد "إبراهيم عرفات"؛ ابن بائع الأقمشة المتجول الذي يقرر أن يذهب إلى فلسطين وينضم إلى "منظمة الجهاد الإسلامي" ويفجر نفسه بين مجموعة من الإسرائيليين، ويظل السؤال معلقاً عن سبب ذلك فهو لا يحب "السُنيين" الذين يزاحمونه في السوق! نحن إذن في القصتين أمام رغبة في الموت الذي تسعى إليه "زينب" بحسٍ غريزي، ويتولى "ياسر" ابن خالتها الذي تخرج في قسم الفلسفة تفسير هذا الموت الذي شهده طفلاً بعد رؤيته مشهد انتحار الزوجة في فيلم "محامي الشيطان" فتعود له ذكرى انتحار "زينب" بـتأويل جديد حيث "تحرر موتها من كونه اضطراراً وتكفيراً عن ذنب ليكون نوعاً من الطقس لاستعادة البراءة، وكان اختيارها هو الأمر الصائب الذي تختاره روح لديها معرفة باطنية بأن النور يشكل جوهر الروح وفي مشوارها الفجري تسامى موتها ليشكل رمزاً".

الموت تحرير للروح وليس تكفيراً عن ذنب بل كان أشبه بطقس صوفي لاستعادة البراءة القديمة التي لوثتها الحياة. باختصار لم تكن "زينب" ذاهبة إلى الموت بل إلى "الخلاص" الذي لا يمكن أن يتم إلا في النيل "مطهر الأجساد من أدرانها".

معنى الحياة

أما موت "إبراهيم عرفات" في قصة "حديث مريم"، فيمكن تفسيره في ضوء عبارة نجيب محفوظ في "اللص والكلاب" التي صدّر بها عادل عصمت قصته: "ولستُ أطمع في أكثر من أن أموت موتاً له معنى". البحث عن معنى للحياة إذن هو دافع "إبراهيم" إلى الرحيل وطلبه للموت؛ يقول السارد على لسان "مريم" الصحافية التي ذهبت لعمل تحقيق عن حياة "إبراهيم" وموته: "أقدر اختلافك واختلاف البعض مع ما فعل وإن كان هو الطريق الصحيح لنيل الحرية، لكن إبراهيم لم يكن يفكر في الحرية قدر ما كان مدفوعاً بغموض لأن يستعيد المعنى الغائب عن حياته، شاب زهق من الدنيا وقال أعمل بجسدي شيئاً له قيمة". إن "إبراهيم" بهذه التضحية غيَّر الصورة الذهنية الشائعة عن ساكني الأماكن الفقيرة أو ما يطلق عليه إعلامياً "العشوائيات" الذين يبدون– طبقاً لهذه الصورة– وكأنهم كائنات في أدنى درجات البشرية وكأن الأغنياء هم فقط من يمكنهم أن يفكروا تفكيراً سامياً. وكما نقول – إيماناً بالتقاليد الموروثة – إن إكرام الميت دفنه، وإن روح الشخص تظل هائمة دون راحة حتى يدفن نجد "محاسن" شقيقة "إبراهيم" تطلب من "مريم" مساعدتها في العثور على "شيء من ريحته: قميص، بنطلون، منديل"، تقول: "لو قميص أدفنه حتى يستريح وأعرف له مكاناً أزوره وأتكلم معه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي قصة "زينب فخر الدين" تصر "السِت خديجة"؛ إحدى قريباتها على أن تدفن رغم قول أبيها– بسبب الفضيحة– "لم يكن لنا بنات وما وجدوه عند القنطرة ليس لحمنا". وبإصرار "الست خديجة" تدفن بعيداً عن مقابر أهلها وتتم الصلاة عليها.

الاغتراب داخل الوطن

ويعد الابتعاد عن الوطن أو الاغتراب داخله نوعاً من أنواع الموت، وإن كان أكثر قسوة. فها هو "محمود الأنصاري" في قصة "الوطن"؛ "يريد أن يتلاشى في فضاء الشقة الخالية الساكنة". في هذه الأجواء التي يود فيها ألا يكون موجوداً أو أن يكون وجوده أشبه بالغياب، يقرر أن يزور قبر أمه في طنطا قبل عودته إلى القاهرة ليستلم فيها أوراقه "كمواطن إماراتي". ولنلاحظ توظيفه لتعدد المكان كأنه كائن موزَّع في انتماءاته بين طنطا والقاهرة والإمارات التي يعمل فيها، بل إن توزع انتمائه يعود– في الأساس– إلى كون أبيه خليجياً وأمه مصرية وقد غيَّر الأب اسمه عدة مرات تاركاً أبناء في مصر والعراق ولبنان وسوريا. وهو ما يذكرنا بـ"سيد الرحيمي" في رواية "الطريق" لنجيب محفوظ. وهكذا أصبح توثيق "محمود" لهويته الجديدة "يعلو في أهميته أي شيء.

ثم يعود السرد إلى الوراء فيتذكر عملية بتر ثدي أمه التي  تصر على "غسله ودفنه"، مثلما أصرت "محاسن" على دفن شيء من متعلقات أخيها، وأصرت "خديجة" على دفن "زينب". لكن محمود لا يستطيع الوفاء بوصية أمه حيث كان المتبع وضع الأثداء في "فرن الحرق" لا دفنها مثل السيقان والأيدي المبتورة كما قالت له الممرضة. هذه الحادثة المؤلمة تجعله يشعر أنه "يجب عليه أن يصمد في وجه الصور المتحولة حتى لا يفقد عقله؛ "لأن فكرة التبدل مؤلمة مثل موت أمه". ويظل صوت الأم يلاحقه ناعياً ضياع الثدي... "قبة المقام تبرق في الظلام في أعلى نقطة منها لمبة متوهجة الضوء. في تلك اللحظة سمع صوتها: أين ضيَّعته؟ لا بد أن تجده وتدفنه". مطاردة صوت الأم تتكرر بصورة أخرى في القصة الأخيرة حين يطارد نعيق الغراب المرأة العجوز كأنه نذير شؤم دون أن تحسم إن كان حقيقياً أو من بنات أفكارها، ولم يكن أمامها في مواجهة نذير الموت هذا سوى أن تتشبث بقوتها القديمة وتصر على عدم بيع البيت كما يرغب أبناؤها؛ كأن روحها معلَّقة به.

المزيد من ثقافة