Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إثيوبيا والتداعيات الجيوسياسية لعملية "إنفاذ القانون"

مخاوف من سيناريوهات الفوضى والتطورات الخطيرة لن تتوقف ما لم يزح آبي أحمد من الرئاسة باتفاق دولي

رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي "دبرصيون قبر ميكائيل" (اندبندنت عربية - حسن حامد)

منذ البداية كان واضحاً أن التعويم السريع والغريب لرئيس وزراء إثيوبيا الحالي آبي أحمد ينطوي على نحو غرائبي، كما لو أن هناك جهة إقليمية ما، أرادت تعويمه على تلك الشاكلة من التلميع بهدف قائم على الدعاية القوية. ويبدو أن كثيرين تأثروا بتلك الدعاية، بخاصة في الأوساط الإعلامية، حتى بلغ الأمر إلى أن أصبح الرجل أحد حائزي جائزة نوبل للسلام على خلفية الاتفاق الذي أنهى به قطيعة سياسية مع الجارة إريتريا عند قبوله بتنفيذ اتفاقية الجزائر عام 2000، التي أنهت الحرب بين الجارتين، فيما لم تنهِ القطيعة بينهما.

اليوم، في ظل التحولات الخطيرة التي تمر بها إثيوبيا والتهديد الوجودي الذي يخيم على مصيرها، ربما كان من المهم التعرف على الأسباب الخفية التي حركت تلك الأحداث من زاوية جيوبولوتيكية، خطط لها صانعو سياسات إقليميين عبر استراتيجية تقوم على تقديم آبي أحمد كعرَّاب لرئيس دولة إريتريا أسياس أفورقي، بهدف إقناع الأخير لجهة العمل معاً في إطار إقليمي يستهدف بناء دول مركزية قابضة في القرن الأفريقي على أساس الاستفادة الاستراتيجية من موانئ هذه الدول، عبر مقايضة تقوم على الاستثمار في الموانئ على غرار دولة جيبوتي، مقابل رخاء نسبي داخل كل دولة على حدة، مع استبقاء بنية الدولة الأوتوقراطية القابضة في القرن الأفريقي!

ويبدو أن هذا السيناريو الذي قدَّم فيه آبي أحمد قبوله بتنفيذ شروط اتفاقية الجزائر بين إثيوبيا وإريتريا (فيما لم يتم على الأرض أي انسحاب من الأراضي التي احتلتها الأولى في الأخيرة: زالمبسا وبادمي التي تحادد إقليم تيغراي) كان هو بداية التحول الذي حاول به آبي أحمد استثمار قيادته لإثيوبيا عبر إنهاء صيغة "الفيدرالية العرقية" (وهي صيغة لحكم لامركزي استطاع به التيغراي إبان حكمهم لإثيوبيا 27 عاماً على يد ملس زيناوي، تحقيق نجاحات وشروط تنمية واستقرار نسبي جيد) طارحاً صيغةً اتحادية مركزية بديلة متمركزة في حزب واحد سماه (الازدهار) تماهياً مع الطرح الإقليمي الجديد لصيغة الدولة المركزية القابضة الذي كان عرابه في القرن الأفريقي، عبر دعوة الرئيس الإريتري للالتحاق به.

بيد أن إدراك الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المبكر بقيادة "دبرصيون قبر ميكائيل" لتخطيط آبي أحمد ونواياه في تغيير نظام الحكم في إثيوبيا بالتحالف مع دولة إريتريا، كان حافزاً لها لأخذ الاحتياطات اللازمة، خصوصاً مع التضييق الذي أبدته حكومة آبي أحمد وحلفاؤه من الأمهرا، ضد التيغراي منذ عام 2018، وتجريدهم من مواقع الحكم ومصادرة أراضيهم، وتصفية بعض كوادرهم ورجالاتهم في أديس أبابا، ما أدى إلى عودة التيغراي إلى إقليمهم عودةً جماعية، أعلنوا بعدها إجراء انتخابات لحكومتهم الإقليمية بطريقة أحادية، تزامناً مع موعد الانتخابات العامة في سبتمبر (أيلول) الماضي 2020 (التي أجلها آبي أحمد بحجة وباء كورونا)، ما أدى ذلك إلى اعتبار آبي أحمد تصرف إقليم تيغراي الأحادي في إقرار الانتخابات بمثابة تمرد على سلطة الدولة المركزية، ومن ثم اندلعت الحرب التي سميت بعملية "إنفاذ القانون" في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وكانت حرباً قُتل فيها عشرات الآلاف من شعب تيغراي، مع مشاركة الجيش الإريتري وميليشيات الأمهرا، حيث تمت هناك أثناء الحرب جرائم إبادة من طرف حلفاء آبي أحمد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وباستعادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي لعاصمة الإقليم (مقلي) نهاية يونيو (حزيران) الماضي، بعد حرب عصابات ومعارك شرسة، أعلنت حكومة أديس أبابا وقف إطلاق النار من طرف واحد في إقليم تيغراي، بعد أن تم أسر الآلاف من جنود الجيش الفيدرالي الإثيوبي، كما أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي شروطاً للتفاوض مع أديس أبابا هي أقرب للاستحالة، في خطوة كان الهدف منها بالنسبة إلى التيغراي رفع الحرج، بعد أن لعبت الجالية التيغراوية في أوروبا وأميركا دوراً إعلامياً حاسماً في الميديا الغربية أكسبها تعاطفاً كبيراً مع قضية التيغراي، وهو ما حدث بالفعل، حيث تم التنديد بخطر المجاعة والإبادة الجماعية والفظاعات التي ارتكبتها الميليشيات الحليفة لآبي أحمد، ما نجح معه إطباق الحصار عليه الذي بدا معه اليوم كبطة عرجاء.

وكان لتدخل الولايات المتحدة المباشر وتعيين مبعوث خاص لها في منطقة القرن الأفريقي "جيفري فيلتمان" لمتابعة الأوضاع الخطيرة في إثيوبيا هدف ظل عصياً حتى الآن، وهو محاولة استبقاء وحدة إثيوبيا التاريخية خوفاً من تفكك لها يعصف بالقرن الأفريقي، ويدخله في دوامة خطيرة من الفوضى، لكن تجربة التيغراي مع حرب "إنفاذ القانون" القذرة التي مارستها ضدهم الدولة المركزية في أديس أبابا مع تحالف ميليشيات الأمهرا والجيش الإريتري، بدت سداً نفسياً منيعاً من عودة إقليم تيغراي إلى أي خيار غير خيار الانفصال عن إثيوبيا، وكان واضحاً أن ذلك المزاج الانفصالي أصبح مزاجاً شعبياً عارماً في الإقليم كما عبر عنه (غيتاشيو ردّا) الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، والبديل القيادي المحتمل لـ"دبرصيون قبر ميكائيل" الرئيس الحالي للجبهة. وأمام هذا الإصرار من قبل التيغراويين، مع الدعم الخفي الذي تبديه إدارة بايدن لهم (وهو دعم تقف خلفه سوزان رايس مستشارة السياسة الداخلية، وصديقة الرئيس الإثيوبي الراحل ملس زيناوي) ثمة سيناريوها ستكشف عنها الشهور والأيام المقبلة، بحسب بيان كانت قد أصدرته الخارجية الأميركية منتصف مايو (أيار) الماضي، تحدث عن خيارات مقبلة وصعبة لشعوب لمنطقة القرن الأفريقي.

تحركات قوات تيغراي عقب تصريحات "غيتاشيو ردّا" بعد استعادة عاصمة إقليمهم مقلي، التي قال فيها لـ"رويترز"، إنهم "سيدمرون العدو ويدخلون إريتريا ومنطقة أمهرة الإثيوبية التي تدعم ميليشياتها القوات الحكومية أيضاً". كان ذلك بمثابة إشارة إلى التحرك نحو "الحمرا" (مدينة تقع في غرب إثيوبيا على الحدود مع السودان) أو "أسمرا"،  لكن بدت الأمور أكثر ميلاً إلى استعادة الحمرا التي ستعني اتصالاً بالعالم الخارجي، وتدفقاً للمساعدات وكسراً للحصار، بيد أن حشود الأمهرا والجيش الإريتري باتجاه منطقة الحمرا لقطع الطريق على جبهة تحرير تيغراي نحوها، جعل الجبهة تتجه نحو الشرق لاقتحام إقليم العفر الإثيوبي والاستيلاء على طريق خط السكك الحديدية بين جيبوتي وأديس أبابا الذي تصل منه 95 في المئة من واردات إثيوبيا من جيبوتي، وكان وصول التيغراي لهذا الطريق والاستيلاء عليه قبل ثلاثة أيام، بمثابة خطة التفافية لفك الحصار عنهم، وإلهاء حكومة أديس أبابا لتخفيف ضغط حصارهم في منطقة الحمرا، في الوقت الذي تتحرك فيه جبهة تحرير أروميا التي تجمع أحزاباً من قومية الأورومو (أكبر قوميات إثيوبيا) نحو أديس أبابا.

في تقديرنا، إن أولوية التيغراي واستراتيجيتهم العسكرية هي الاستيلاء على مدينة الحمرا لضمان وصول الإمدادات والمساعدات الإغاثية واللوجيستية، ثم بعد ذلك، محاولة الاستيلاء على منطقة بادمي التي استعادها الجيش الإريتري عبر تدخله في حرب "عملية إنفاذ القانون" في نوفمبر الماضي. لكن في حال إصرار التيغراي على الانفصال عن إثيوبيا نهائياً، وإقناع الولايات المتحدة بذلك سيكون الخيار هو، النظر في استبقاء دولتين جراء ذلك الانفصال على حساب دولة ثالثة في القرن الأفريقي، لا سيما أن ترجمة انفصال التيغراي باتجاه دولة مستقلة سيكون احتمالاً كبيراً بالاتجاه شمالاً نحو إريتريا (سواء عبر تحريك قوات للمعارضة الإريترية، أو عبر استثمار جيوسياسي لاحتمال حرب إقليمية كبرى مع السودان) لسببين، الأول، الوصول إلى البحر الأحمر لإيجاد رئة للدولة الجديدة، والثاني وجود امتداد للغة القومية للتيغراي في قومية التيغرينية التي تحكم إريتريا (التيغراي في إثيوبيا تعدادهم 6 ملايين فيما التيغرينية الناطقون بلغة واحدة مع التيغراي في إريتريا تعدادهم مليونان تقريباً) لكن هذا السيناريو ربما يكون مرهقاً لجبهة تحرير تيغراي، (إلا في حال حدوث حرب إقليمية كبرى على حدود الفشقة السودانية والتداعيات السلبية لسد النهضة) وهي بطبيعة الحال، حرب محتملة، ستجعل من إريتريا في تحالف أوتوماتيكي مع آبي أحمد والأمهرا، الأمر الذي سيعني  تطوراً مهماً بإزاء تفاهمات جيوسياسية بين الأطراف التي ستخوض تلك الحرب ضد إثيوبيا وإريتريا، ونعني بذلك السودانيين والمصريين مع جبهة تحرير تيغراي، ما سيعني كذلك تحريكاً لجبهة شرق السودان واستثمارها في سيناريو الحرب الإقليمية تلك. ذلك أن الأثمان التي ينبغي أن تدفع نتيجة لسيناريو الحرب الإقليمية هذه ستطال أكثر من طرف في حال الاتفاق على تفاهمات جيوسياسية مع الولايات المتحدة، حال قبول الأخيرة سيناريو انقسام إثيوبيا لدولتين على حساب دولة ثالثة تحوطاً من سيناريو يوغوسلافيا جديدة في القرن الأفريقي. 

تواجه إثيوبيا التي أرادها آبي أحمد دولةً مركزية قابضة بوصاية إقليمية على صورة حزب الازدهار، بدلاً من نظام الفيدرالية العرقية اليوم، سيناريوهات مرعبة واحتمالات خطيرة باتجاه الفوضى الشاملة والتفكك. فالتطورات الخطيرة التي تحدث بأكثر من اتجاه في كافة أراضي إثيوبيا بعد عملية" إنفاذ القانون" الفاشلة في نوفمبر (تشرين  الأول) الماضي، ثم بعد استعادة التيغراي لعاصمة إقليمهم، نهاية يونيو الماضي، لن تتوقف ما لم يحدث تغيير وإزاحة باتفاق دولي لشخصية آبي أحمد من الرئاسة عبر انقلاب عسكري، كما أوصى بذلك الكاتب الأميركي المتخصص في شؤون القرن الأفريقي مايكل روبن، كحد أقصى لاستبقاء خيار إثيوبيا موحدة، أو في الأقل في حدود هذين الاحتمالين، أي انقسامها إلى دولتين تفادياً لسيناريو التفتيت المرعب لإثيوبيا، الذي ستكون له آثار جيوسياسية خطيرة في منطقة القرن الأفريقي المتلهب أصلاً!                     

المزيد من آراء