Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما أحوج المكتبة العربية إلى ترجمة قواميس المصطلحات  

معجمان جديدان يدوران في عالم النقد والاصطلاح نقلا عن الفرنسية والإيطالية

معاجم النقد والمصطلحات تقليد عريق في الثقافة الغربية (موقع معاجم)

قد يكون من النافل اعتبار الترجمة بصورة عامة حاجة حضارية لم تتوانَ كلّ الشعوب الساعية إلى التقدّم والازدهار عن التماسها لنقل خبرات الشعوب الأخرى المجاورة منها والبعيدة إليها بغية الإفادة منها. وقد تكون الترجمة أهمّ فعل تواصليّ فعّال بين شعوب العالم – قديمها وحديثها ومعاصرها- وأوثق الجسور الثقافية والفكرية والعلمية التي تحكم الربط في ما بينها، على نحو عصيّ على الارتداد. ومن هذا القبيل يمكن الإشارة إلى النهضة الفكرية الأولى، بل الحضارية، التي أنجزها العرب في العصر العباسي، بفضل ترجمتهم آثار اليونان والفرس والسريان إلى العربية، ومن ثمّ قيام الغرب، في القرون الأربعة التي تلت دخولهم إلى الأندلس، بترجمة علوم العرب وفلسفاتهم إلى لغاتهم الأوروبية.

ولمّا أُتيحَ لعالمنا العربي أن ينهض من انحطاطه أواسط القرن التاسع عشر، بفعل عوامل عدة، توجّهت النخبُ في المجتمعات العربية والحكوماتُ النيّرة إلى الترجمة، لحاجة شعوبها إلى العمران والتنوير السياسي، والتوجيه العلمي والتقني، والفلسفي والطبي والإعلامي، والأدبي، وغير ذلك مما كانت تستدعيه حياة "التمدّن الحديث" على حدّ قول جرجي زيدان في كتابه "اللغة والفلسفة اللغوية العربية" عام 1904. وكانت الحاجة نفسها هي الدافع إلى "استقدام محمد علي المترجمين الشاميين إلى مصر، وإرساله البعثات المصرية إلى فرنسا لمعرفة ما عند الغرب، ونقل ما يمكن نقله إلى العربية والتركية" (لطيف زيتوني، حركة الترجمة في عصر النهضة، 1994، ص:11)

إذاً، كان يبدو من المنطقي أن تلازم حركة الترجمة، في العصر الحديث، والأزمنة المعاصرة، وصولاً إلى يومنا هذا، حركة العلوم الغربية، والتقدّم الهائل الذي تشهده في جميع الميادين، لا سيما منها العلوم الإنسانية، والعلوم الخالصة التي تعتبر محرّكاً أساسيا للتقدّم التقني والحضاري في عصرنا، فإنّ ترجمة خلاصات هذه العلوم والاكتشافات الحديثة- وهي غربية في معظمها- إلى اللغة العربية تتبدّى شرطاً لازماً لمواكبة هذا التطوّر العديم الارتداد، ومن أجل إمداد الأجيال وإعدادها أكاديمياً ومعرفيّاً لتؤدّي وظائفها في الحياة المعاصرة على أكمل وجه.

ضرورة التخصص

وأول السبيل إلى ذلك الإعداد هو القواميس والمعاجم والمصنّفات على أنواعها، والتي باتت تتّجه نحو المزيد من التخصص الذاهب تاريخياً، من الموسوعات اللغوية والأدبية، على غرار "لسان العرب"، و"تاج العروس"، و"الصحاح"، و"معجم العين"، وغيرها إلى القواميس في فقه اللغة، وعلوم البلاغة، والنقد الأدبي، والعلوم الدينية على أنواعها، حتّى أواخر القرن الرابع عشر ميلادياً، حين لم تكن الحاجة إلى الاختصاص شأنا يستدعي تعميمه وتبسيط المعارف فيه. إلى أن أقبل عصر النهضة الثانية، أوائل التاسع عشر متزامناً مع حملات نابليون بونابرت إلى مصر، ويقين الحكّام المصريين، محمد علي وخلفه، بلزوم إعداد جيل من الموظفين والمهنيين القادرين على تولّي المناصب في الدولة على الطراز الفرنسي لما بعد الثورة الفرنسية.

 

 

ولعلّ التفاتة موجزة إلى آثار كتّاب النهضة الثانية، إبان القرن التاسع عشر، من أمثال أحمد فارس الشدياق، وبطرس البستاني، وسليم البستاني، وإبراهيم اليازجي، والشيخ يوسف الأسير، وجرجي زيدان وغيرهم، تبيّن مقدار عنايتهم بتأليف القواميس والمعاجم ونحت المصطلحات الأحدث "للمخترعات العلمية والصناعية والمكتشفات الطبيعية والكيماوية والفنون العقلية واليدوية، وما إلى ذلك من الأوضاع والحدود والمصطلحات التي لا تغادر جليلاً ولا دقيقاً إلاّ تدلّ عليه بلفظه المخصوص..." (إبراهيم اليازجي، مجلّة الضياء 1898).

ولكنّ الكلام هو على ترجمة القواميس الحديثة إلى العربية، في القرن الواحد والعشرين، وإن كان شهدَ الباحثون أنّ لها ما يقارب المئة والخمسين عاماً من الخبرة، على ما يقوله جاك تامر في كتابه "حركة الترجمة في مصر، خلال القرن التاسع عشر" (2014)، يستدعي اليوم المزيد من الدقّة ومتابعة المراجع والمصادر، بغية التثبّت من صحّة المنقول، وتبيّن مدى فاعليّته وصلته بالميادين العلمية المختصّة.

كتاب ماريا تيريزا زانولا، وهي رئيسة المجلس الأوروبي للغات والمصطلحات، بعنوان "ما هو علم المصطلحات؟" والصادرة ترجمته حديثا عن دار المتوسط، وبترجمة من نسمة إبراهيم، أستاذة اللغويات والأسلوبية بقسم اللغة الإيطالية (جامعة حلوان في القاهرة)، يعاود طرح مسألة في البحث الأكاديمي الجدّي باللغة العربية، عنيتُ به صوغ المصطلح العلمي، بناء على المسارات اللغوية البينية (العائدة إلى ميادين العلوم الإنسانية المتداخلة) وعلى تلك الأبنية اللغوية العربية. وهو علمٌ يدعى بالفرنسية وبالإنكليزية (Terminologie ,Terminology).

 التحدي المزدوج

على أنّ هذا التحدّي، بحسب المترجمة إبراهيم، مزدوجٌ؛ إذ يوجب على الباحث (العربي) أن يلتزم بالمصطلح العلمي الدقيق، حين يباشر بحثه في نطاق أحد ميادين العلوم الإنسانية التي باتت مصطلحاتها متداولة ومتفقاً عليها في أوساط مجتمع المعرفة، في ما يتجاوز الأنظمة والمجتمعات واللغات والشعوب. فإنّه يوجب أيضاً على مترجم العلوم، من اللغات الأجنبية (الإيطالية هنا) إلى العربية، أن يتعرّف إلى المصطلح المضبوط، ويدرك كيفية صوغه باللغة العربية مراعياً طبيعة المصطلح المنقول وخصوصيته الأسلوبية، ومدى يسر إدراجه في عداد الإرث المصطلحي العربي، النّامي والفقير نسبيّاً.

في الكتاب المترجم فصلٌ تتحدّث فيه المؤلّفة "زانولاّ " عن أهمّية المصطلح في العلوم المعاصرة وفي الأبحاث العلمية على حدّ سواء، باعتباره ركناً لازماً للبحث العلمي، ومجالاً لرصد التحوّلات والاكتشافات العلمية الجديدة التي تواكبها أو تنقلها المصطلحات المبتكرة أو المنحوتة. وبعد أن تعرض لتأريخ الأبحاث اللغوية، في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، حيثُ سادت دراسات فقه اللغة المقارَن والموسوعات، تنتقل الكاتبة إلى تبيّن المحاولات المتفرّقة، في العالم الغربي، إلى بناء "علم المصطلحات" والذي يُعنى برصد كلّ المصطلحات العلمية والرموز الجديدة، في كلّ علم على حدة، وإعادة تصنيفها، في لغات المنشأ، والعمل، من ثمّ، على ترجمتها إلى لغات العالم المتداولة والرسمية.

وفي هذا الشأن، تقول المؤلفة زانولا، إنه لمن الأهمّية بمكان أن يُعنى مجتمع المعرفة، مبتكر المصطلحات الجديدة، بنقل المعارف المتضمّنة هذه المصطلحات، باعتبارها إرثاً علميّاً إنسانياً، لا حصريّة فيه ولا حدود لانتشاره، بالتوازي مع مساعي الأمم الأخرى، متلقفة المصطلحات، إلى ترجمتها في لغاتها المحلّية، وإدخالها في مدوّناتها الاصطلاحية. وبناء عليه، تقترح زانولا عدداً من الإجراءات المبسّطة- بنظرها- لاستيعاب علم المصطلحات هذا، والمباشرة في تنفيذ آلياته. ومن هذه الإجراءات، أن يفهم المترجمُ المصطلح المراد نقله فهماً صحيحاً، وأن يتعرّف إلى مضمونه العلمي، ثمّ أن يكون قادراً على التمييز ما بين المفهوم والمصطلح المعنيّ بالترجمة، وأن يدع لعلم اللسانيات والدراسات المعجمية وظيفة البتّ بصيَغ المصطلحات وتراكيبها الأسلم، وأن يُخضع مصادره المصطلحية للتقييم وفقاً لمعايير آيزو، وغيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما "قاموس الشعرية" للمؤلّفين الفرنسيين شانتال لابر وبياتريس سولير الذي نقله إلى العربية لطفي السيّد منصور، وصدر حديثاً عن دار الرافدين، وإن تكن غالبية مصطلحاته متفقاً عليها ويشكّل ثبتاً بالأنواع الشعرية الكبرى والصغرى، في النقد الفرنسي، فإنه يطرح إشكاليات عدة، أتطرّق إليها تباعاً؛ وأولاها أنّ القاموس، المنقول إلى العربية، يعاود تذكير القرّاء العرب، لا سيّما المعنيّين بدرس الأدب العربي، ومقارنته بغيره من أدب الأمم الأخرى، وإن أورد الكثير من المصطلحات النقدية الدالة على الأنواع ، من مثل: السيرة الذاتية، وسيرة الآخر، والقصيدة الرعوية، والجوقة، والكوميديا، والحبكة، والمحاورة أو الحوار، والرثاء، والمديح، والملحميات، والحكاية الخرافية، والرسالة، والمقولة أوالحكمة، والمثل السائر، وغيرها، فإنّ المترجم تقيّد بشرط أساسي في الترجمة، وهو الاكتفاء بمتن النص وحواشيه من دون زيادة أو نقصان، حفظاً للأمانة العلمية.

وأياً تكن مقاربات واضعي المصطلحات، سواء أكانت علمية أو نقدية أدبية، فإنّ ترجمتها إلى العربية بغية إفادة القرّاء العرب منها، هي الخطوة الأولى لبناء معارف جديدة، ولبلورة نظائر لها في القادم من الأيام

المزيد من ثقافة