Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل دمرت "أمازون" فكرة المكتبة بعدما أصبحت هايبرماركت إستهلاكية؟

كتاب الإسباني خورخي كاريون المثير للجدل عالميا في ترجمة عربية

إحدى واجهات أمازون (أ ب)

في كتابه "ضد أمازون"، يستأنف الروائي الإسباني خورخي كاريون (1976) ما بدأه في كتابه الشهير "المكتبات" (2013) والذي صدر مترجماً إلى العربية بواسطة دار "العربي" في القاهرة تحت عنوان "زيارة لمكتبات العالم". والكتاب الجديد صدرت ترجمته العربية مع افتتاح الدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، بعنوان إضافي هو: "لماذا يكره بائعو الكتب أمازون" (العربي- ترجمة شرقاوي حافظ)، ومن ثم جاءت تلك الترجمة متسقة مع هذا الحدث، الذي يتكرر سنوياً ويعد الأضخم من نوعه على المستوى العربي، لجهة طرحه هماً ثقيلاً يعاني منه بائعو الكتب التقليديون، حتى في ظل تسابقهم المحموم لمواكبة تقنيات البيع الإلكتروني، التي تستحوذ عليها كيانات اقتصادية ضخمة، أشهرها "أمازون".     

وينطلق كاريون من كتيب "سبعة أسباب ضد أمازون – بيان رسمي"، والذي نشره على الإنترنت عن طريق مجلة "يوت داون" الإسبانية في أبريل (نيسان) 2017. كما يتكئ على مقابلات مع عدد من الكتاب، منهم ألبرتو مانغويل وإيان سينكلير ولويجي أمارا وهان كانغ، وزيارات لمكتبات في مختلف أنحاء العالم، لينجز في النهاية كتاباً عن تاريخ الأدب، فضلاً عن أنه ينطوي على سيرة ذاتية للكاتب نفسه، خصوصاً في تجليات شغفه بالكتب والمكتبات، كما يمكن اعتباره كتاب رحلات، "ينطوي على خطاب رومانسي في ظل ضغوط الرأسمالية، التي لم تترك شيئاً من العالم القديم الأصلي على حاله"، بحسب كلمة الناشر على ظهر غلاف الطبعة العربية التي جاءت في 254 صفحة من القطع الوسط.  

أخطبوط ينمو ويتجدد

ألبرتو مانغويل قال له: "أنا لا أشتري من أمازون"... "كما لو كان اتخاذه موقفاً ضد "أمازون" ضرورياً". وفي الكلمة التي يفتتح بها كاريون كتابه الجديد ويلخص رحلته في تقصي أزمات بائعي الكتب في الوقت الراهن، يقول: "أمازون دمَّرت العلاقة بين القارئ والكتاب. إنها وحش كالأخطبوط ينمو ويتجدد"... "أمازون ليست مكتبة بل "هايبرماركت"، حيث تجد الكتب في منافذها بجوار المقرمشات والألعاب والزلاجات. لا تعرض إلا 6 آلاف عنوان من الكتب الأكثر مبيعاً. من وجهة نظرها لا فرق بين المؤسسات الثقافية ومحلات بيع الأطعمة والسلع الأخرى. في وقت قياسي تمكَّن جيف بيزوس (مؤسس هذا الكيان) من ضم الكتب القيمة التي تراكمت عبر قرون إلى متجره". ويضيف: "نجحوا في تقليد الصفحة المطبوعة ودرجة الحبر عبر ما يسمى القارئ الإلكتروني، ولكن لم يتمكنوا بعد من تقديم ملمس ورائحة الورق" صـ 13.

والبداية ترجع إلى عام 1994؛ حينما بدأ بيزوس بخمسة أفراد في العمل من كراج منزله في سياتل... "كانوا مهووسين بالسرعة، كأنهم آلات، يساعدهم إنسان آلي اسمه "كيفا"، لديه القدرة على رفع حمولة قدرها 340 كيلوغراماً ويسير بسرعة متر ونصف المتر في الثانية. ومتى حملوا السلع التي اشتراها العميل، تجمعها آلة أخرى اسمها "سلام" على سيرها الناقل الضخم ثم تفحص السلع وتعبئها".

ولدت هذه الإمبراطورية - يلاحظ كاريون- من المواد التي تتمتع بقيمة ثقافية، أي الكتاب؛ حصلت على قيمتها من قيمة الكتاب، فبنت أكبر هايبر ماركت متخفٍ خلف ستارة ضخمة على هيئة مكتبة.

قرأ بيزوس عام 1994 أن عدد مستخدمي الشبكة العالمية يزداد بمعدل 2300 في المئة شهرياً، فترك عمله في "وول ستريت" واتجه إلى سياتل وقرر أن يبيع الكتب عن طريق الإنترنت، غير مدرك أنه "عندما تقرأ كتاباً مطبوعاً فإن الطاقة والمعلومات التي تبثها عيونك وأصابعك تخصك وحدك". 

المكتبة هي البشر

وهنا يتوقف كاريون عند ما سمعه من محرر ومدير واحدة من جرائد الإنترنت في بيرو اسمها "بوبليكو"، من أن هناك حقيقة واحدة لا يمكن الاستغناء عنها ألا وهي أن المكتبة هي البشر وليست المباني، مضيفاً أن هؤلاء الذين يعيشون في القرن الحادي والعشرين مثلهم مثل الذين عاشوا في أي قرن مضى، انطلاقاً من الإسكندرية وإلى أي مكان آخر، لن يكون لهم أي معنى بلا التزامنا تجاه المكتبة.

أما ألبرتو مانغويل؛ الأرجنتيني الكندي الذي يكتب بالإسبانية والإنجليزية والفرنسية، ويقرأ بالبرتغالية والألمانية والإيطالية، فقد أجرى معه كاريون مقابلة مطولة، عرف من خلالها أنه اختار أن يتولى منصب مدير المكتبة الوطنية في بوينس أيرس؛ لأن بورخيس سبق أن شغل المنصب نفسه قبل نصف قرن. وينقل عنه قوله: "أجد أن القراء الذين اتجهوا إلى الكتابة، هم أساس الكتابة. كل كتبي نابعة من القراءة. لو أنني لن أقرأ مرة أخرى، فأنا في حكم الميت. أرغب في أن أقضي آخر أيامي هنا، وأن يعثروا عليَّ ملقى على أرضية هذه المكتبة".

ومن حصيلة تأملاته يرى كاريون أن مكتبات البيع الجيدة هي الأماكن التي تثيرك فكرياً، فيما "نغماتها الصادحة المتنافرة تخلق الأنوار والظلال"، ومن ثم "لن تستطيع تلك الشاشة الصغيرة أن ترى أكثر مما يرى فرد عادي يسير في الشارع ويتفحص نوافذ عرض الكتب. ولهذا ما زالت المكتبات الفعلية تتفوق على المكتبات الافتراضية؛ فليس في إمكانها أن تكون أفضل في إبداع النصوص والصياغات الصحيحة".

مكتبة في رواية

وفي السياق ينقل كاريون عن جوزيه ساراماغو قوله: "أن تكون بائع كتب يشبه كونك محباً للحياة، وأن تكون قارئاً ورحالة هو مثل أن تكون بائع كتب"، ثم يعود إلى كتاب ألبرتو مانغويل "تاريخ القراءة" لينقل منه أنه في بلاد فارس في القرن العاشر، نقل الوزير الأعظم الصاحب بن عبادة القاسم، مجموعته المكونة من 17000 مجلد عن طريق قافلة تتكون من أربعمئة جمل مدرَّبة على التحرك بترتيب أبجدي حتى لا يفسدوا ترتيب الكتب. وفي خلاصة تأملات كاريون كذلك أنه منذ عصر مكتبة الإسكندرية وحتى الوقت الحالي، والإنسان لم يتوقف عن التخيل، والبناء والسكن والتحطيم والإنقاذ والحرق وإعادة التأثيث وحتى الدفاع عن مكتباته بكل جهده.

ويرى كاريون كذلك أنه على الرغم من أنها رواية مغامرات وموسوعة بحرية، فإن "20 ألف فرسخ تحت الماء"، "هي مكتبة حقيقية تغوص في هاوية خيالنا مثلها مثل جول فيرن نفسه".

انطوت رواية راي برادبيري "فهرنهايت 451"، على فكرة مزعجة: سوف تمنع الكتب في المستقبل، وسيقضي رجال الإطفاء وقتهم في حرق المكتبات ولن يكون أمام القراء الذين يريدون الدفاع عن ثقافتهم سوى خيار واحد وهو أن يحفظوا النصوص قبل أن تتحول إلى رماد. لكن برادبيري – يقول كاريون – لم يستطع أن يتخيل أنه بعد ثلاثين عاماً من نشر روايته أن المكتبة العامة في لوس أنجليس، التي نشأ فيها كقارئ وكاتب، ستتعرض لحريق مدمر، أو بعد ذلك بأربعين سنة ستدرجها الصحافية سوسان أورلاين ضمن صفحات كتابها "كتاب المكتبة"، وقبل ذلك ستقرر وهي تجمع مادة كتابها "لص البستان"، أنها بشخصها يجب أن تمر بتجربة الإحساس عند حرق الكتب، فتقوم بتدمير نسخة من "فهرنهايت 451".

قرأنا في كتاب "كتاب المكتبة" - يقول كاريون – إن المكتبات هي أماكن العمل المشترك الأصلي للمجتمع ولها ميزة واضحة في كونها حرة. ويعلق: في الواقع كانت أماكن للمهام والمعارف المشتركة، منذ أول مكتبة في الإسكندرية، التي كانت ورشة عمل للترجمة، وأكاديمية وملاذاً ومتحفاً وأرشيفاً... "إننا بالفعل نجد في أصول هذه المؤسسة مزيجاً من كل الأشياء التي تشكل العقل البشري. منذ اللحظة التي احترقت فيها، ونحن نعيد خلق وتجديد هذه الأماكن التي تحدد بلا منازع أفضل ما في البشرية. بقع الضوء التي حاولت لأكثر من ألفي عام أن تعوضنا عن إتخامنا بالظلال"ثم يعود إلى "أمازون" ليلاحظ أن الستة والأربعين منتجاً المعلن عنها في الصفحة الرئيسة لها، لا تضم سوى ستة كتب فقط. ومن المفارقات - يضيف كاريون - أنه في الوقت الذي لا تستحث فيه مكتبات البيع استهلاكاً كبيراً، فإن أقوى سوبرماركت افتراضي في العالم (يقصد أمازون)، سلب المكانة من الكتب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أنه حين تفتتح أمازون مكتبة فعلية في سياتل، تصبح هذه الخطوة حديث العالم، مع أنها تبيع الخلاطات وأجهزة التلفزيون والطعام المجمَّد... "تبث وسائل الإعلام بلا كلل توسع أمازون، بينما تكرر أن المكتبات في طريقها إلى الانقراض. ليس من التجاوز إذا اعتقدتَ أن المستقبل سيكون ملكاً لأمازون؛ لأنها في نهاية المطاف لديها أفضل وضع اقتصادي بين الشركات المنافسة وأفضل خطة تصورية لتحقيق هذه الغاية. ولكن بورخس حذرنا من أنه إذا حملتَ ذاكرة شكسبير في رأسك فسوف تكرهه بعد فترة قصيرة. بمجرد أن تتمكن من الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي في مكتبتك المثالية، لكي تتفاعل، يجب على كل مستخدم التخلي عن موقعه الخاص به ويدخل الموقع العام: في مكتبة تشكلها بلايين من وحدات البايت بدلاً من مكتبة يشكلها الورق. وسوف نتعب أيضاً من هذا، وسنبحث عن بديل، بمساحات فعلية وآفاق مستقرة، وأحجام ومجسمات: كل هذا، على المكتبات أن توفره وتقدمه لنا".

المزيد من ثقافة