غسان علم الدين حمل عوده وقصائده ... ورحل مغتربا

شاعر قصيدة النثر ... مطرب اصيل وعازف

الشاعر غسان علم الدين (يوتيوب)

في منتصف التسعينات جاء إلى بيروت شاب لبناني مغترب، آتياً من أستراليا، حاملاً معه ديواناً شعرياً وبضعة أسماء لشعراء ونقاد أوصاه صديقه في أستراليا الشاعر وديع سعادة بالاتصال بها، عساهم يساعدونه في نشر ديوانه الأول الذي قرر إصداره في لبنان وليس في المغترب. كان الشاعر الشاب يدعى غسان علم الدين وكان عنوان الديوان "خيط بياض"، وكانت رعاية صاحب "ليس للمساء إخوة" له، خير سبيل لدخوله عالم قصيدة النثر الجديدة. وعندما صدر ديوانه الأول ترك انطباعاً جميلاً لدى الشعراء وقراء الشعر، وحظي بمقدار من الترحاب في الصحافة والحلقات الشعرية. وبدا واضحاً تأثر غسان بشاعر مثل محمد الماغوط الذي كان من عادته، ولا يزال، أن يسم بدايات الشعراء الجدد والشباب، وتأثر كذلك بشاعر يملك حضوراً مشرقاً في الحركة الشعرية الراهنة هو وديع سعادة، صديقه المثالي. ولعل خيط البياض الذي جعله غسان عنواناً لديوانه الأول كان خيط قصيدته الأليفة التي تشهد أحوال الوعي الشعري الفطري والحدسي، مشوباً بحس التلمس الأول للغة والمجازات والصور، ومشبعاً بالمشاعر الصادقة والعميقة المختزنة في الوجدان واللاوعي معاً. هذا الخيط لم ينقطع بتاتاً في قصائده اللاحقة، حتى وإن استحال البياض طبقة شعرية سميكة وممتلئة، تحتوي عناصر القصيدة الباحثة عن فرادتها وعن تجلياتها المرتكزة إلى مخزون شعري، عربي وعالمي.

عندما أصدر الشاعر ديوانه الثاني "حين سربُ فراشات اصطدم بزجاج النافذة" بدت تجربته في حال من النضج والتوهج، مستقلة عن معارج الذاكرة ومفتتحة أفقاً يشبه الشاعر، الموزع بين أستراليا ووطنه لبنان، بين لغته العربية وانكليزيته، بين نزعته الواضحة إلى

التراث الصوفي وميله إلى القصيدة الحديثة ولا سيما الأنغلوفونية. وظلت "الأنا" في هذا الديوان، كما ستظل في الدواوين اللاحقة، مثل "يساورني ظن أنهم ماتوا عطاشى" و"محرمة الساحرة المطوية" و"أخضر في سهول الجراد"، هي المحور الذي يدور حوله الشعر، ذاتياً و"موضوعياً"، وهي "الأنا" المنقسمة على نفسها، والتي تتمثل الصراع الأزلي بين وجود وعدم، بين إقامة ونفي، بين كينونة وعبث. إلا أن غسان الذي كان ينشر باستمرار جديده الشعري في الفيسبوك حيث يتابعه قراء كثر في العالم العربي والمغترب، كان يتهيأ لإصدار ديوان وربما ديوانين، فهو لم يكن يعاني ما يسمى أزمة "الورقة البيضاء" أو الجفاف، لكنه لم يكن غزيراً في ما يعني تكرار نفسه. وكان يسعى دوماً إلى تطوير أدواته وتوسيع معجمه الشعري والانفتاح على المزيد من التقنيات والأساليب، متكئاً على ثقافته وقراءاته الدائمة.

حل الموت على غسان علم الدين كالصاعقة من غير إنذار ولا إشارة. كان عاد للتو من أستراليا إلى وطنه ولم تمض بضعة أيام حتى أغمض عينيه إثر جلطة قاتلة. ضاق القلب بما يحمل الشاعر من آلام ومكابدات وأمنيات فانفجر. ولم يكن في حسبان غسان ابن الثالثة والخمسين، أنه سيغادر بسرعة، فهو كان يخطط لحياة شبه جديدة بعد طول معاناة. ومثلما رسخ تجربته الشعرية وصنع لنفسه موقعا مهما في المشهد الشعري الجديد، كان يسعى إلى تركيز عمله الموسيقي والغنائي، هو صاحب الاختصاص الأكاديمي في عالم الموسيقى والعزف على العود. لكن القدر لم يسمح له. وكان أسس في أستراليا معهداً للموسيقى الشرقية وبات لهذا المعهد برنامج وحضور. وكان غسان نفسه يحيي أمسيات شعرية مرفقة بالموسيقى والغناء، يقرأ فيها من قصائده ويدعو الشعراء إلى قراءة قصائدهم،

فيرافقهم عزفاً على العود. أحيا أمسيات في أستراليا وفي لبنان، وجاب بعوده مراكز ونوادي عدة، يلقي القصائد ويغني. ولم يكن يتوانى عن إحياء حفلات من الطرب الأصيل مع فرقته، مؤدياً بصوته العذب، أغنيات لأساطين الطرب الشرقي من مثل سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم ومحمد عبد المطلب... وكان يجيد الأداء على غرار المحترفين لكنه لم يصدر أسطوانة، مؤثراً أن يظل مطرباً حراً، خصوصاً أن الشعر كان يمثل دعوته وحرفته الإبداعية. لكن المفارقة تكمن في انفصام شخصيتيه مطرباً وشاعراً، فبينما كان موسيقياً ومطرباً أصيلاً أو تراثياً كان في الحين نفسه شاعراً حديثاً بل طليعياً، يكتب قصيدة النثر، موغلاً في فضاءاتها الرحبة.

هاجر غسان علم الدين إلى أستراليا باكراً بعد عامين على اندلاع الحرب الأهلية لكنه ظل يحمل في قرارته هم العودة، فجذوره ظلت ضاربة في أديم وطنه الأم. ولئن درس الإنكليزية وأجادها فهو لم يسع إلى الكتابة بها كما فعل شعراء عرب مهاجرون، بل مال إليها ووجد فيها ملاذاً وجودياً، ومسكناً يماثل مساكن الأرض.

المزيد من ثقافة