إدلب تحترق... وعين تركيا على ريف حلب

150 ألف نازح يبيتون في العراء

وحيدة بين الحطام في بلدة خان شيخون بمحافظة ادلب (أ.ف.ب.)

تتهاوى تحصينات "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) و"جبهة التحرير" المنضويتين ضمن قوى المعارضة السورية الموصوفة بالتشدد في الريف الشمالي لحماة أمام تقدّمٍ متسارعٍ للجيش السوري بغطاء جوي روسي ومساندة من حليفه الإيراني في منطقة خفض التصعيد. ومع تقهقر الدفاعات، فشلت فصائل الجبهة والهيئة على حد سواء في شن هجوم معاكس على المواقع المُسيطر عليها من القوات المهاجمة أمس (9-5-2019) بعد سقوط قلعة المضيق والسيطرة على أبرز التلال التي تشكل البوابة إلى سهل الغاب من الجهة الشرقية والتي تمهد الطريق وصولاً إلى إدلب وكامل ريفها.

احتجاج ديبلوماسي

 بالتزامن مع التطورات على الأرض، يعقد مجلس الأمن جلسة اليوم الجمعة 10 مايو (أيار) بطلبٍ من بلجيكا وألمانيا والكويت، لمناقشة التصعيد وبحث الأوضاع الإنسانية في منطقة إدلب، شمال غربي سوريا.  ويخفف مراقبون من أثر هذه الجلسة، إذ لن تتعدى مناقشة الأوضاع في إدلب، والاحتجاج ديبلوماسياً كوسيلة للضغط على دمشق وعلى الجيش الذي يحرز تقدماً على الأرض. في المقابل، لا تتوقف حدة المعارك والاشتباكات التي تتدرج حدتها منذ 29 أبريل (نيسان) الماضي، فنزح أهالي إدلب وريفها الجنوبي من بيوتهم نتيجة كثافة القصف وشدته. وبلغ العدد بحسب إحصاءات الأمم المتحدة 150 ألف نازح، فيما يرجَّح تضاعفه وفق مكتب الصحة في إدلب، خصوصاً أن النازحين يعانون أوضاعاً إنسانية صعبة، ويقيمون في العراء تحت أشجار الزيتون أو في الغابات والمساحات الفارغة.

تحرير الشام

في غضون ذلك، تحاول هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) استعادة مناطق خسرتها ومنها كفرنبودة، بشن هجوم معاكس على نقاط وخطوط أولى للجيش السوري خشية أن تتساقط قرى وبلدات كانت الهيئة قد أعلنت السيطرة عليها في يناير (كانون الثاني) بعد اتفاق مع فصائل أخرى أبرزها الجبهة الوطنية للتحرير عقب الدخول معها في مواجهات دامية، أسفرت عن تشكيل ما أسمته (حكومة إنقاذ) في إدلب. وكانت الجبهة والهيئة استفادتا من حال الفراغ آنذاك والتزام الفصائل السورية المعارضة المدعومة من تركيا بتنفيذ اتفاق سوتشي الموقع بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان لخفض التصعيد، إذ أوكل للأخير احتواء هذه الفصائل المتشددة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التصعيد الأخير

في المقابل، وصفت قوى الائتلاف الوطني المعارض التصعيد الأخير  للجيش السوري بـ"العنيف"، ما قد يسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وتحويل بلدات إلى مناطق منكوبة، مطالبةً في بيان الدول الراعية للحل السياسي والداعمة لاتفاق إدلب، بتحمّل مسؤوليتها. ودعا رئيس الائتلاف، عبد الرحمن مصطفى إلى مبادرة دولية لوقف الهجوم على ريفي إدلب وحماة وتطبيق القرار الدولي 2254 عبر الانتقال السياسي بهدف إنهاء حالة الصراع وفق تغريدة نشرها يوم أمس 9 مايو (أيار) على حسابه الرسمي في موقع التواصل "تويتر".

التخلي عن إدلب

على الجهة ذاتها عسكرياً، تتمركز قوى المعارضة (المعتدلة) المدعومة من تركيا وأميركا، والمسيطرة على الريف الشمالي لحلب وأعزاز وجرابلس والباب ومدينة عفرين التي تضم غالبية كردية، في عملية أسمتها "غصن الزيتون"، ولا تبدي مصادر استغرابها من موقف المعارضة المسلحة في ريف حلب التي تراقب التطورات الأخيرة من دون تدخل في سياق مجريات المعارك، ما يشي بتخلي تركيا عن إدلب. وتضيف مصادر مطلعة من إدلب أن قوى المعارضة المسلحة المدعومة من تريكا لم يلحظ عليها أي تحرك باتجاه معارك ريف حماه قبل أيام، كما أن خطوط الإمداد المفتوحة مع إدلب بقيت على حالها من دون دعم يُذكر، مكتفية بقصف تل رفعت على مدار أكثر من أسبوع. وتورد مصادر محلية أن الحديث يدور على مستويات عالية في قرى مثل خان شيخون، ومعرة النعمان بتسليم المناطق للجيش السوري عبر المصالحات وهما المدينتان التي يخترقهما الطريق الدولي الواصل بين دمشق العاصمة جنوب سوريا إلى حلب شمال سوريا، وهو السيناريو الذي طبّق في ريف دمشق في الغوطة، حيث تداعت آنذاك مناطق معارضة في ريف العاصمة من اتباع سياسة المصالحات بعد تقدم الجيش وبسط سيطرته على الغوطة.

الروسي ـ التركي

وبات واضحاً بحسب مراقبين أن التفاهم الروسي -التركي غير المعلن يقضي بجملة من الاتجاهات، إذ تدفع موسكو إلى السيطرة على إدلب وريفها، بينما يجري الحديث عن نيّة تركية بالتقدم نحو تل رفعت الواقعة في ريف مدينة حلب شمالاً.  وبهذا التفاهم، تقطع روسيا الطريق على الهجمات المتلاحقة التي تشنها هيئة تحرير الشام على قاعدة حميميم في اللاذقية والتي شكلت هاجساً للقوات الروسية بخاصة مع الطائرات المسيرة (درون) والمحملة بالصواريخ. وتترك للعاصمة السورية المجال لاسترجاع آخر معاقل المعارضة شمالاً والتي تشكل منطقة خفض التصعيد جزءًا منها (إدلب وريف حماة وريف حلب الغربي وجزء من ريف اللاذقية الشمالي) وبذلك يكون الجيش السوري قريباً من القوى الكردية المسلحة التي تتزعمها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً، وتسيطر على مساحات واسعة مع إحكامها على منابع النفط، في وقت تعاني البلاد من حصار خانق تمنع عليه إدخال الشحنات النفطية.

الطريق المسدود

وإن تحقق وأحكم الجيش السوري على إدلب وريفها سيكون بالقرب من أراضي يسيطر عليها الأكراد في ريف حلب والرقة الأمر الذي يُفرح أنقرة، نظراً إلى أن هذه القرى ستكون على خطوط تماس واشتباك مع القوات السورية في حملتها العسكرية التي وعدت بها في 17 أبريل (نيسان) الماضي في الاجتماع الأمني الموسع بين سوريا وإيران والعراق في حال لم ترضخ لقرارات دمشق بتسليم الأراضي والمصالحات. وتخفف مصادر متطابقة من الذهاب إلى تحرير كامل إدلب وأن الهجوم سيكون متقطعاً، إذ تشي معلومات أن غاية روسيا الاستحواذ على الطريقين الدوليين الواصلين إلى حلب من جهة وتأمين قواعدها العسكرية في الساحل السوري وإحداها في اللاذقية، ما يفسر الصمت التركي حول ما يحصل في إدلب.

المزيد من العالم العربي